سياسة وتاريخ

حاضنات الإرهاب العالمية

لو أني أردت أن ألخص موضوع “الإرهاب” في جملة، أو ربما في كلمة واحدة فقط لقلت التالي مع نقطة تختم المقال: الواسطة!

أجل، أنها بالضبط كذلك… عندما تكون “حاضنة” الظالم والقاتل والمغتصب دول عظمى تدّعي الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ثم تسكت عن قول الحق وتساند الجهة الباغية في جميع المحافل، وتترك تلك الجهات الجائرة تتوغل في غيها ومجازرها وطغيانها وكافة أشكال أعمالها المنافية للأخلاق الإنسانية السوية… بل وتعتبر أمن تلك الكيانات الإرهابية جزء من أمنها وتمدها بالسلاح والأموال وكافة أشكال الدعم اللامحدود.. ربما تجعلنا نحن العرب بشكل عام نرى في السطور السابقة صورة الكيان الصهيوني كمثال نعايشه منذ سبعة عقود، وكذلك، ومن غير مواربة أو تردد، سنشير بأصابعنا نحو تلك “الواسطة” التي تساند وتحمي وتبقي على هذا الكيان “الفيروسي” و”السرطاني” ينخر في جسد الأمة العربية والإسلامية دون محاسبة ولا حتى توبيخ!

أكبر واسطة للدول الباغية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى اليوم هي الولايات المتحدة الأمريكية، وتليها المملكة المتحدة، وبحكم منطق القوة العسكرية أو الاقتصادية من جهة وتمتعها بحق النقض (الفيتو)، تأتي الدول الأخرى كالاتحاد السوفيتي والصين الشعبية وفرنسا.  ربما تفكك الاتحاد السوفيتي فيما بعد، ولكن لم تنقطع روسيا حتى اليوم عن لعب دورها المشبوه في الوقوف مع مصالحها بكل علانية دون أدنى اكتراث لمن يدفع الأثمان الغالية من الدماء والأرواح والأوطان.

جمهورية روسيا الاتحادية هي اليوم الواسطة الأولى للتغطية على الإرهاب الفارسي والمجازر المُرتكبة في “سوريا” بالذات، حسب التواجد الفعلي في موانئ “اللاذقية” و”حميميم” في غرب سوريا… والطائرات الحربية الروسية قلبت موازين الحرب الأهلية لصالح رأس الإرهاب “بشار الأسد” بعد التقدم والتوسع المشهود في بدايات الأزمة السورية لقوى المعارضة.. وعندما احتاجت روسيا للتواجد على الأرض فتحت المجال أمام الحرس الثوري الإيراني بتجنيد العراقيين والأفغان والباكستانيين واللبنانيين وغيرهم للتوغل في سوريا عبر العراق من الشرق ولبنان من الغرب.. وبقية “الحكاية” لا نزال نعايشها حتى اليوم، وخطوط خارطة الاتفاق بين أمريكا وروسيا واضحة المعالم لتقاسم النفوذ وتقسيم المناطق لنيل المغانم ونهب الثروات.. فروسيا تقف مع “الجمهورية الإسلامية” تماشياً مع التفاهمات المتعلقة بسوق النفط والخطط المستقبلية لمد أنابيب الغاز والبترول عبر آسيا حتى الشواطئ الغربية لسوريا على البحر الأبيض المتوسط.. لذا، كحال وقوف أمريكا مع الكيان الصهيوني، تقف روسيا مع إيران وتعارض كل قرار يعترض أفعال إيران التخريبية والتهريبية (تهريب السلاح والمخدرات) وتأجيجها للعنصرية الطائفية في المنطقة العربية، ونشر نفوذها وفسادها في أفريقيا وأوروبا وحتى القارتين الأمريكيتين، الشمالية والجنوبية.

ولا تقل واسطة الصين عن أخواتها الأخرى، فالصين قد توغلت بالفعل في أغلب دول العالم بالمال.. ولا بد إذن من حماية هذه الأموال الطائلة التي تستثمرها الصين حول العالم، ويستدعى حماية مصالحها (التوسعية) استغلال ثقلها الاقتصادي لحماية الحكومات الفاسدة واللوبيات المهيمنة على اقتصاديات بعض تلك الدول بغض النظر عن ممارساتها الظالمة لشعوبها وفسادها ومدى الأضرار التي تتسبب فيها لمواردها الطبيعية ومنتجاتها الزراعية والطاقات المكنونة في أراضيها، بل وحتى التضحية بالطاقات البشرية وحرمانها من حقوقها في خيراتها والاستفادة من فرص العمل والكسب والمعيشة الكريمة.

وفيما مضى أقحم الاتحاد السوفيتي نفسه في أفغانستان دعماً للحكومة الأفغانية الصديقة والخانعة للسوفيت حينها، مما أدخل الجميع في حرب امتدت من أواخر السبعينات إلى أواخر الثمانينات.. ونال الثوار الأفغان دعماً من كثير من الدول المعادية للاتحاد السوفيتي، من أهمها الولايات المتحدة والصين وبعض الدول العربية والإسلامية التي فتحت لشبابها أبواب الجهاد بطلب وتشجيع من الدول الغربية.. ومن رحم هذا الدعم نشأت مجموعات جهادية عاثت في الأرض فساداً وارهاباً في عدة مناطق من العالم فيما بعد، بما فيها الدول العربية والإسلامية التي أمدتها بالمال والعتاد والمجاهدين.  من أخطر المجموعات الجهادية تلك كانت “القاعدة” التي أضاعت بوصلتها وجهتها، ومن بعدها ومنها خرجت الدولة الإسلامية “داعش”.. والغريب جداً أن بدأت الكثير من الدلائل تتضح عن أشكال التعاون وتوفير الملاذ الآمن للحركتين من قبل الجمهورية الإيرانية الإسلامية التي استغلت هذه الجماعات لبث الشقاق في الدول الإسلامية والعربية المحيطة بها.. وهنالك أيضاً العديد من التصريحات الغربية التي تشير إلى أدوار مشتركة بين المخابرات الأمريكية والموساد الإسرائيلي في إعداد تلك الجماعات التخريبية في الوطن العربي لتعطي لنفسها فرص التواجد العسكري في المنطقة بحجة محاربة الإرهاب، وإشغال الحكومات والشعوب العربية وإضعافها اقتصادياً ومعنوياً لعقود متتالية.

هل لو بحثنا قليلاً وتعلمنا التفريق بين الغث والسمين، سنتحلى ولو ببعض الاحترام لهذه الأمم الظالمة؟  ربما لن نمقت المواطن الأمريكي البسيط لأنه هو الآخر ضحية لعملية غسيل للدماغ والضمير مستمرة بكل الوسائل المتاحة.. لكننا بالتأكيد سنتعلم كيف أن ساستهم وشركاتهم من أجل بيع السلاح ونهب الثروات يختلقون الحروب.. ويتسببون في مجازر وأهوال.. ولا يترددون في القضاء على شعوب بأكملها ليجنوا بعض المكاسب المادية.. وأفغانستان والعراق وسوريا وفيتنام وكوريا وكوبا ونيكاراغوا والسلفادور وغواتيمالا وبنما لخير دليل حديث وقديم على غيهم.. وحتى طائرتهم المدنية التي فجروها فوق لوكربي في 1988 لدليل يفضح سياستهم المقيتة التي أرادوها لكسب الرأي العام في أمريكا للهجوم على ليبيا “القذافي”.. بل تكفينا مسألة الوقوف الفاضح مع الدولة العبرية والسكوت عن الجرائم ضد شعب فلسطين منذ أكثر من سبعين سنة.. ولا يزالون يتساءلون عن سبب كراهية شعوب العالم المُضطَهَدة لهم.. لا يزالون يتلاعبون بالأمم ويوسمون كل من يخالفهم ويقف في وجههم بنعوت الإرهاب وهم من صنعوا الجماعات الإرهابية لخدمة مصالحهم العوجاء.. ولا للحظة يراجعون أفعالهم وجرائمهم ومواقفهم اللاإنسانية حول العالم!!

أما بريطانيا التي كانت تستعمر أكثر من نصف العالم في فترة من الفترات، فهي الأخرى كانت تمارس نفس الممارسات الظالمة في حق كثير من دول العالم، ولم تترك أي من مستعمراتها السابقة دون ترك مناطق معلقة ظلت لسنوات بؤر للنزاعات بين الأمم.. كشمير مثلاً بين الهند وباكستان، وحتى جزر حوار بين البحرين وقطر، والصحراء الغربية بين المغرب والجزائر وموريتانيا، وكثير من نقاط وخطوط الحدود بين عمان والإمارات، والامارات والسعودية، وبين السعودية والكويت، ومناطق الأكراد المقسمة بين إيران والعراق وتركيا وسوريا.. وغيرها من مناطق الخلاف حول العالم، بما فيها تلك القريبة منها كتقسيم إيرلندا إلى دولتين وسيطرتها على هونغ كونغ حتى العام 1997 وسيطرتها المستمرة على جبل طارق وجزر فوكلاند في جنوب أمريكا الجنوبية.. بل هم البريطانيون من اغتصبوا شمال القارة الأمريكية واستراليا ونيوزيلندا من شعوبها الأصليين.. ولا يزال العلم البريطاني يرفرف على العديد من الجزر المنتشرة في المحيطات حول العالم.  ونفس التهم تنطبق على الدول الاستعمارية الأخرى مثل إسبانيا والبرتغال وهولندا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وغيرها من هذه الدول الجائرة التي حكمت على أمم عديدة بالحديد والنار وأجبرتها على نبذ إرثها الحضاري ولغاتها وحتى أديانها.

ويتفق الكثير من المفكرين بأن الولايات المتحدة، كونها كانت مستعمرة بريطانية، لم تزل بشكل أو بآخر تأتمر بأمرهم وتنفذ خططهم في الخفاء والعلن.. فالبريطانيون هم من سلموا فلسطين للإرهاب الصهيوني في الأساس، وبعدها تركوا أمر الإبقاء على اللقيط الصهيوني بيد الأمريكيين كونهم باتوا أكبر قوة عسكرية في العالم، بالضبط كما فعل الفرنسيون حين تركوا فيتنام للأمريكيين، وكما ترك الأمريكيين العراق للإيرانيين ليعيثوا فيها فساداً وإضعافاً، وحتى الإيرانيون أنفسهم يمارسون ذات الخطط التدميرية عبر زرع ودعم الميليشيات الطائفية في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها لتأجيج الصراعات الداخلية وإشغالهم عن القضية الفلسطينية إلى الأبد.. بل وحتى مشكلة سد النهضة الأثيوبي نرى فيها الأصابع الإسرائيلية والروسية بشكل غير مباشر.. بل وحتى دولة جنوب السودان التي فصلوها عن السودان لا تزال تعيش في بؤس ومشاكل داخلية.. ولا تزال الخطط الغربية قائمة لتقسم السودان أكثر فأكثر، ومنطقة دارفور مقبلة على الانفصال هي الأخرى.. والخطط التقسيمية لا تزال مشتعلة لتقسيم ليبيا والعراق وسوريا وفصل المنطقة الشرقية في السعودية وربما حتى لمحو دولة الكويت من الخارطة!!

إنها نوايا استعمارية وتوسعية إرهابية لم تتوقف قط عن الممارسات المشبوهة للسيطرة على العالم ومصادر الخيرات والنفط عبر شتى الوسائل والخطط طويلة الأمد بعد أن أوهمت تلك الأمم بأنها حظيت بالاستقلال والحرية المزيفة!!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

د. محمد العباسي

أكاديمي من البحرين.. دكتوراة في سيكولوجية تعلم اللغات.. أكثر من 30 سنة في إدارة وتعليم اللغة الإنجليزية في كليات وجامعات في البحرين والكويت.. درست وعشت سنوات الدراسة و العمل في قطر والكويت وكاليفورنيا ولانكستر في إنجلترا وكارديف في ويلز.. متقاعد، وأكتب مقالات في كافة المجالات التربوية واللغوية والاجتماعية والسيكولوجية والفلسفية والسياسية، إلخ. وأيضاً لي مشاركات أدبية و مطبوعات شعرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى