مدونات

حادث أطباء المنيا

اكتشفت فجأة بعد طول بحثٍ وقراءة، أن كل من أخبروني أن الأمل باقٍ في دولة تعج بالفساد كاذبون، جلست حزينًا على غير عادتي، غير قادرٍ على تطويع القلم ليعبر عما يجيش في صدري، فالحادثة بشعة، تعجز كل الكلمات والقواميس عن وصفها.

لقد استيقظت مصر على خبر مقتل أطباءٍ لا ذنب لهم، إلا أنهم اجتهدوا وتعبوا سبع سنواتٍ من أجل غدٍ أفضل، وظنوا بسذاجتهم المعهودة، وقراءتهم للكتب، أن لكل مجتهدٍ نصيب، ولكن أبت الحياة أن تعطيهم ما تمنوا، لا لشيء إلا لعدم تولي أهل الثقة زمام الأمور، وتوفيت الكفاءات إلى رحمة الله.

أراد أطباء المنيا فقط صمام أمان لأحلامهم، أن يجدوا بدلاءًا لهم حينما يغيبون، ألا يضطروا للعمل 48 ساعة دون انقطاع، كانت أحلامهم فقط وجود بديل ليتمتعوا بالحياة والراحة كباقي البشر، لكن بدلًا من أن تنظر وزيرة الصحة لأنينهم، أجبرتهم على السفر إلى القاهرة؛ لأخذ تدريبٍ خاصٍ بطب الأسرة، حاول الأطباء الاعتذار، وظنوا أن علمهم شفيعٌ لهم، لكن أبت الوزيرة ذلك، حاولوا الحجز في القطارات، لكن كلها محجوزة، فهم قد أُخبروا بالحضور قبلها بساعات قليلة، فأُرغموا على أخذ مواصلة غير آمنة لتدريب الأسرة في القاهرة، فحدثت حادثة أدت إلى تناثر أحلامهم صرعًا وسط بئرٍ من الفساد، توفيت أحدهم، وأخرى نزع رحمها بعد أن كانت حاملًا، تجهز نفسها لخروج ولي العهد إلى الحياة، لكن أبت الحياة ذلك.

الغريب والمضحك في الأمر أن وزيرة الصحة لم يتم إقالتها على هذا الجرم، وما زالت تجلس على كرسيها الذي ربما ورثته عن آبائها، فلا يوجد شيءٌ بالاجتهاد في بلدنا العزيزة، فحينما علمَت بالحادثة، اتخَذَت قرارًا عنتريًا بخروج أهالي الضحايا إلى الحج، لم تحمّل نفسها عبء قراءة الأسماء، لعل أحدهم مختلف الديانة، فلا يهم، ولماذا تحمل نفسها تعب القراءة؟ وهي تدرك أن لا شيء سيحدث لها، فمن من الوزراء قبل ذلك حوكم على فساده وأخطائه.

الغريب أن أسرةً مسيحيةً مقهورةً تفوز بالحج بدلًا من مراعاة شعورهم ومواساتهم، ورغم أنه خطأ غير مقصود، لكن ينطبق عليه مقولة “إن كنت تدري فالمصيبة عظيمة، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم”.

بحثت في التلفاز عن الخبر لكني لم أجد شيئًا، وكأن شيئاً لم يحدث، وجدت الرئيس السيسي في مهرجان الإبل، وأخبار أخرى كثيرة، ولا خبر يسلط الضوء على الحادث، تجرّعت نفسي اليأس، وكأن دماء الأبرياء ليس لها ثمنٌ في المحروسة، نمت على مضضٍ، وحلمت بأحمد ذكي في فيلم ضد الحكومة وهو يقول “كلنا فاسدون، لا استثني أحدًا، حتى بالصمت العاجز”، لكن الفيلم كان أكثر رحمةٍ، ففيه عُرض الوزراء للمسائلة أمام القضاء، فهل يحدث ذلك في الحقيقة؟ لا أظن ذلك!

استيقظت مكتئبًا، تذكرت حينما كنت أجلس مع أخي الدكتور وأصدقائه في المدينة الجامعية للطلاب، وتذكرت اجتهادهم، وكيف كانوا يدمجون الليل بالنهار من أجل الوصول لأحلامهم، فأتذكر أحدهم كان ينام 6 ساعات فقط كل 48 ساعة، وسألت نفسي بسذاجة، هل يستحق الطب كل هذا؟ هل وجدوا ثمرة تعبهم؟ فردت عليّ الحادثة مبتسمة “لا”.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

ديفيد عماد

كاتب, يعشق جمال الطبيعة, والزهور, ويحاول إن ينقل هذا الجمال, في كلمات منمقه.
زر الذهاب إلى الأعلى