مدونات

حادثة التحرش الجماعي بفتاة المنصورة

أنتِ لا تملكين شيئًا في وطنٍ ساد فيه الجهل، ومجتمع ذكوري متعفن قضى على حقوق السيدات، وخنق ما تملكه بيده القذرة، ليس لكِ الحق في ارتداء ما تريدين، فكل ما تملكينه ملكٌ للرجل، عليك أن ترتدي محتشمًا وتكوني محجبةً، حتى لا يتحرش بكِ الرجل، وإن فعلتي غير ذلك، فأنتِ راغبة في التحرش بك، هذا ما قاله بعض المدعين، الذين يلقبهم العامة برجال الدين، وهم ليسوا فقهاء في الدين، وليس لهم الحق في الإفتاء، لكن في بلد جُرفت عقوله، صار من حق أي أحد أن يفتي في الدين، ويتبعه العامة، وكأنه مسئول العناية الإلهية!

الحقيقة أن هذا المظهر الدامي تكلل ببشاعة منقطعة النظير، حينما ارتدت فتاة في المنصورة ملابس قصيرة، وخرجت للتنزه، فوجدت مجموعة من الذئاب البشرية تتضور جوعًا، وتريد أن تلتهم لحمها وتتحرش بها، كتمت أنفاسها وصّلت للواحد الأحد الذي لا يأخذ الناس بمظهرهم، بل بقلوبهم، فلمس قلبها ضئيلُ من الأمل أنها قادرة على الفرار بجسدها دون أن يمّسها أحد، فهرولت بسرعة إلى محل واختبأت به، لعل الكلاب يدركون أن ارتدائها لملابس قصيرة، لا يعني أنها تريد التحرش بها، لكن ظلت الكلاب منتظرةً التهام لحمها دون شفقة، وظلت هي في المحل تلتقط أنفاسها، وسألت نفسها هل نجت من مذبحة يمكن أن تقتل روحها؟ ثم زاد عليها التفكير السلبي، فسألت الله لماذا لما تُخلق ذكرًا بدلًا من النهش في جسدها دون حق وكأنها بلد مستعمرة؟

قررت أن تخرج وقد أقنعت نفسها أنهم لابد أن يكونوا قد رأفوا بحالها ومضوا، لكن كان هذا عكس الواقع، فبمجرد خروجها أحاطها ذباب كثير على هيئة بشر يتحسس جسدها، وهي تقاوم، لكن الأيدي الممتدة كثيرة، فخارت قواها رغمًا عنها، وبدأت بالصُراخ لعلها تجد أحدًا من المارة تكسوه الشهامة ويخرجها من أسرها، لم تدرك ما الفترة التي ظلت تصرخ فيها، ولماذا لم يراعي هؤلاء المتحرشون الله فيها؟ ولِم لَم يستجيبوا لأناتها وتوسلاتها بألا يقتربوا من هيكل جسدها المقدس؟ وفي وسط صراخها، سمعت صوتًا يطلب من الناس الابتعاد، فسألت نفسها هل ستنجو حقًا؟

خرج منها شلال من الدموع رغمًا عنها، مرتبط بتضرعٍ لله أن تخرج دون أن تغتصب براءتها من هؤلاء القوم الكافرين، واستجاب الله لها، وبعث لها أكثر من فارسٍ ليسحبوها من أيدي الذئاب بعد مقاومة، فهم لا يريدون أن يتركوا فريستهم إلا وهي غارقة في دمائها، ركبت معهم العربة، وصمتت طويلاً، لا تنبت بشفة على كل من يسألها ماذا حدث.

بعد إفاقتها من صدمتها، وجدت أصدقائها يرسلون لها مقطعًا مصورًا، فتحت المقطع، فإذا بها هي وهي تصرخ وتتضرع طالبةً الرحمة من بشرٍ عديمي الرحمة، ثم بدأت في قراءة التعليقات فانهارت، فجزء من التعليقات يؤكد أنها هي المخطئة؛ لعدم ارتدائها ملابس محتشمة، ووصفوها بالمتبرجة التي يحق للرجال انتهاكها، الغريبة أن هناك تعليقات لبعض السيدات مدعي الشرف تقول أنها لو كانت ملتزمة مثلهن لما تعرضت للتحرش!

بدأت التفكير في أنها قد فُضحت، وأن لا أمل في خروجها سليمة من هذا الأمر، فبدلًا من مساندة الناس لقضيتها، والمطالبة بإعدام هؤلاء المتحرشين، قسوا عليها، وأكدوا أنها السبب في ذلك، إلا بعض الآراء القليلة والتي كانت مساندة لها.

حاولت الخروج من الأفكار السلبية ولكنها هاجمتها بضراوة فلم تستطع، بدأت تفكر هل ستستطيع الزواج بعد هذه الفضيحة؟ ومن سيرضى بها؟ وإن تزوجت هل ستنجب؟ وبافتراض أنها أنجبت بنتًا، قد تتعرض لما تعرضت له، فمن الأفضل ألا تتزوج إلا إذا ذهبت إلى مجتمعٍ يعامل السيدة كنصفه، لها نفس الحقوق وعليها نفس الواجبات، ربما حينها يغمرها الأمل، وتعود لتفكر في عيش حياتها بشكل طبيعي.

لن أختم المقال كعادتي بقول أخي المتحرش، لأنك عار على الإنسانية بأسرها، بل إنك أحط من الحيوانات، لأن الحيوانات لا تدرك ما تفعل، أما أنت فسيطرت فحولتك على عقلك، فصرت بلا عقل.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

الوسوم

ديفيد عماد

كاتب, يعشق جمال الطبيعة, والزهور, ويحاول إن ينقل هذا الجمال, في كلمات منمقه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق