مدونات

جوهريات (١) ارجع يا زمان

الفطرة السليمة تقبل كل ما هو صالح وطيب وجميل وترفض كل ما هو فاسد وخبيث وقبيح، وعليها خلقنا الله. يقول الراغب الأصفهاني، “فَطْرُ اللهِ الخلقَ أي أوجد الشيءَ وإبداعُه على هيئة مترشحة لفعل من الأفعال”، ويرى ابن عبد البر النمري: أن الفطرة هي السلامةُ والاستقامة الأصلية.

تدعو كل الأديان السماوية إلى الخير، والفطرة السليمة الطيبة الصالحة والقيم والرقي في المعاملات، والأدب مع الخلق كل الخلق. وكل ذلك من أساسيات وجوهريات الحياة السعيدة فى المجتمعات التي تنشد الرقي والتقدم واللذين يبدأن من الأخلاق. حيث يقول الشاعر أحمد شوقي “إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”، في هذا المعنى وحوله نطوف وندندن آملين لنا وللجميع العودة إلى كل ما هو طيب من قيم وأخلاق، ونبذ كل ما هو طالح وخبيث.

وجمال الخلق لا يظهر إلا فى المعاملات والسلوكيات التي هى في الأصل محل الأخلاق، واحترام الكبير سناً وقدراً وعلماً ومقامًا، وتوقيره من القيم الأخلاقية التي نتمنى عودتها وعودة زمانها ورجوع عهدها.

كنا في الزمن الغابر ننادي العم بالأب والخالة بالأم، وما كان يجرؤ أحدنا أن يعلو صوته فوق صوت الكبير. ولكننا الآن نعاني مر المعاناة من بعض الشبان والفتيات الذين لا يرقبون في الكبار إلًا ولا ذمة.

ومن القيم المندثرة أيضاً، والتي تندرج تحت الفطرة السليمة للإنسان، احترام الجار وحقوقه. وكنا فى الزمن الجميل لا ينام الجار فيه إلا وهو مطمئن على جاره، وعلى بيته وأولاده، هل بات جائعاً أم شبعاناً، وأعلم -وأنتم معي- أن هذه هي تعاليم الإسلام ومبادئه.

النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- نفى الإيمان التام عمن ينام شبعان وجاره جائع بجواره وهو يعلم. حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به”.

ولم تتوقف تعاليم الإسلام عند هذا الحد، ولكنها منحت حقاً للجار لم تمنحه كل المنظمات الحقوقية العالمية؛ منحته حق التمتع بالهواء القادم إليه من ناحية جاره وألا يتطاول الجار في بنيان يحجب عنه هذا الهواء إلا بإذنه. وبلغ التكريم والوصية بالجار منتهاهما عندما يقول الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- “ولا يزال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه”.

وقديمًا في الأمثال الشعبية التي تجسد الفطرة السليمة قالوا “الجار قبل الدار”، جملة فيها الكثير من المعنى والكثير من القوة والدعم للجار الذي ينبغي أن يختاره الشخص قبل اختيار الدار، فما فائدة الدار حتى وإن كانت قصراً وجارها جار سوء؟

إن مجتمعاً بلا قيم كهذه وغيرها من القيم الأخلاقية البناءة، تحكمه الفطرة السليمة التي جُبلنا عليها، لهو مجتمع مبتور لا خير فيه. ولو أردنا تغيير حاله إلى الأفضل، فما علينا إلا العودة إلى قيمنا وأصولنا وأخلاقيات الزمن الجميل لنجمل بها زماننا فنقول لزمان القيم “ارجع يا زمان”

ألقاكم على خير فى جوهرياتي القادمة بإذن الله تعالى ومشيئته.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

هشام الجوهرى

كاتب وشاعر عامية مصرى
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق