سياسة وتاريخ

جهود الأمم المتحدة في مكافحة جريمة الاتجار بالبشر

إن الجريمة الخاصة بالاتجار بالبشر تشكل تحديا للمجتمع الدولي، فهي تهدد الأمن والاستقرار الدولي وتعيق التقدم في طريق تحقيق التنمية، مخلفة ورائها في كل مرة ضحايا بسبب ما تمارسه هذه المنظمات الإجرامية من أنشطة.

الجريمة المنظمة صورة عامة، وجرائم الاتجار بالبشر بشكل خاص ليست جريمة تلقائية وإنما هي مشروع إجرامي خطير يقوم على تنظيم والتخطيط والتنفيذ، فضلا عن امتلاك تلك المنظمات قدرات تقنية وإمكانات عالية ومادية وبشرية سخرتها لتحقيق أهدافها وأنشطتها الإجرامية الخطيرة.

وفي إطار المكافحة الدولية يقوم المجتمع الدولي بجهود مضاعفة وعلى مدى عقدين من الزمن أو أكثر لمواجهة الجريمة المنظمة بمختلف صورها وخاصة تلك المتعلقة بالاتجار بالبشر وذلك يرجع إلى الأخطار التي تنتج عنها فضلا عن توسع وانتشار نطاقها بشكل مخيف، مستغلة بذلك  الظروف العصيبة التي تعرفها العديد من دول العالم، ويمكن اختزال المجهودات الدولية في جهود الأمم المتحدة كجزء أول ثم جهود ومبادرات المنظمات الدولية التي اعتمدتها بهذا الشأن.

جهود الأمم المتحدة في مكافحة الاتجار بالبشر

إن شعور المجتمع الدولي بشناعة الأخطار الناجمة عن جريمة الاتجار بالبشر والإشكاليات التي تطرحها دفع الأمم المتحدة إلى الاهتمام بطرح موضوعها للبحث والنقاش في المؤتمرات الدولية المتوالية والمؤتمرات الدولية المتخصصة وصياغة الاتفاقيات الدولية بهدف تعزيز التعاون الدولي والوصول إلى محاربة هذه الآفة.

إن تطور نشاطات الجريمة المنظمة في صورة المتاجرة بالبشر واستعمالها للتقنية الحديثة وغسيل الأموال المحصلة من هذه المتاجرة ونشر الفساد وتدويل مظاهره نجم عنه آثار مدمرة، دفع الأمم المتحدة إلى المبادرة لاتفاق الإجراءات والوسائل  والتدابير الكفيلة لتعزيز التعاون الدولي، والحث على إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية ودفع الدول إلى التعاون على إصدار المزيد من الصكوك الدولية وعقد المؤتمرات المعنية بهذه الجريمة.[1]

أولا: المواثيق والاتفاقيات الدولية

المجهودات الفعلية للمجموعة الدولية في مواجهة الجرائم الدولية، بدأت إرهاصاته في بداية السبعينيات، حيث أبرمت العديد من الاتفاقيات الدولية من أجل مكافحة هذه الجريمة نذكر منها:

أ-الاتفاقية الخاصة بمكافحة الاتجار بالرقيق المبرمة سنة 1904.

ب- الاتفاقية الدولية الخاصة بمكافحة الاتجار بالرقيق الأبيض المبرمة عام 1901.

ج- الاتفاقية الخاصة بمكافحة الاتجار بالنساء والأطفال المبرمة عام 1921.

د- الاتفاقية الخاصة بإلغاء الاتجار في الأشخاص واستغلال الدعارة الغير المبرمة عام 1950.

هـ- اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة الجريمة المنظمة غير الوطنية التي دخلت حيز التنفيذ في سبتمبر 2003.

و- بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال المقررة في مؤتمر باليرمو الإيطالية في ديسمبر 2000، يذكر أنه ملحق باتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة الجريمة المنظمة، وقد وضح البروتوكول الأول مرة مفهوما قانونيا لجريمة الاتجار بالبشر.

س- بروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين عن طريق البر والبحر والجو، والملحق أيضا باتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة الجريمة المنظمة وقد دخل حيز التنفيذ عام 2004.

وعلى ضوء هذه الاتفاقيات بذل المجتمع الدولي جهودا مضنية لمكافحة هذه الجريمة كان من أبرزها:

قيام مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة بإطلاق مبادرة في مارس 2007، بالتعاون مع منظمة الهجرة الدولية ومنظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للأطفال، والمفوضية العليا لحقوق الإنسان ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، نوقش فيها تحديد أركان الجريمة وأسبابها ووضع أطر لكيفية التعامل مع هذه الجريمة.

ثانيا: أهم المبادئ والمعايير التي وضعت للحد من جريمة الاتجار البشر

نظمت الأمم المتحدة في فيينا المنتدى الأول لمكافحة الاتجار بالبشر، والذي يأتي لتنامي هذه الظاهرة التي باتت الوسيلة الأسرع للثراء، والتي يتم من خلالها إجبار الأفراد على العبودية، وأقيم هذا المنتدى بمشاركة 1000 مندوب يمثلون 164 دولة والعديد من المنظمات.[2]

وقد كانت جهود المؤتمرات السابقة تصب في وضع مبادئ وخطط لمواجهة هذه الجريمة، حيث وضعت خمسة أهداف رئيسية وهي:

1- منع الجريمة بين الدول وداخل الدولة نفسها

2- السيطرة على الجريمة على مستوى الدولة وعلى المستوى العالمي

3- تدعيم التعاون الإقليمي والدولي في منع الجريمة ومكافحة الجريمة عبر الدول

4- التكامل بين الدول وتدعيم جهود الدولة في منع ومكافحة الجريمة الخاصة بالمتاجرة بالبشر.

5- إدارة أفضل وأكثر فعالية للعدالة فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان.

ومما تجدر الإشارة إليه أن التعاون الدولي من أجل مكافحة الجريمة المنظمة ومعها جريمة الاتجار بالبشر يواجه جمل من المعوقات وجملة من الإكراهات والتحديات من أبرزها: [3]

– عدم الاهتمام المبكر بمكافحة جريمة الاتجار بالبشر

–  قلق الدول من القانون الجنائي

–  العلاقات السياسية وتأثيرها على التعاون الدولي

– الفساد المؤسساتي

– ضعف إمكانات بعض الدول

– احتفاظ الدولة بمجال واسع لتشريعاتها الجنائية[4]

على ضوء ما سلف فإن الأمم المتحدة تعد من أهم المنظومات المعنية بمجال مكافحة الجريمة الدولية العابرة للحدود، إلا أنه بالرغم من المجهودات الجبارة التي تقوم بها، إلا أنها ليست كافية للحد من هذه الجرائم التي تنتهك البشرية، لهذا ينبغي على الدول أن تنخرط  جميعها في إعداد سياسات قوية،  ليكون لها آثار على الجريمة وصورها خصوصا ما يتعلق بجريمة الاتجار بالبشر.

  • المراجع المعتمدة :

[1] – عامر مصباح الجدال: “الجريمة المنظمة المفهوم والأنماط وسبل التوقي“، منشورات اللجنة الشعبية العامة للثقافة و الإعلام، طبعة 2010.

[2] – محمد علي جعفر : “الإجرام المنظم العابر للحدود و سياسة مكافحته“، بحث في مجلة الأمن و الحياة الصادر عن أكاديمية نايف للعلوم القانونية، الرياض ، العدد 270، سنة 2007.

[3] – عبد اللطيف عبيا – كريمة حنين، السعدية بوغارس: “الجريمة المنظمة دراسة ومقارنة“، دار النهضة العربية – القاهرة، 2010.

[4] – محمد سامي الشوا : “الجريمة المنظمة ومداها على الأنظمة العقابية“، دار النهضة العربية، القاهرة،  2009 .

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

منى دلوح

منى دلوح طالبة باحثة في سلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة عبد المالك السعد -طنجة ، حاصلة على دبلوم الماستر في حقوق الانسان، موازاة مع مساري الدراسي فأنا ناشطة في العديد من الجمعيات منها مركز ليكسوس للدراسات القانونية والسوسيولوجيا، متطوعة بشبكة حقوق الانسان بمعهد بروميثيوس للديقراطية وحقوق الانسان، رائدة بالفضاء المدني... كذلك مشاركة في برامج تدريبية وتكوينية سواء على المستوى الوطني وكذا الدولي من بينها أكاديمية المجتمع المدني، منتدى شباب العالم في مصر، سفراء نوابك...
زر الذهاب إلى الأعلى