سياسة وتاريخ

جهود الأمم المتحدة في مكافحة جريمة الاتجار بالبشر (2)

تلعب المنظمات الدولية دورا كبير في مكافحة الجريمة الدولية العابرة للحدود خصوصا التي تتعلق بالاتجار بالبشر باعتبارها من أخطر الجرائم التي تنصب على الإنسان وحقوقه.

نظمت المنظمات الدولية مجموعة من الأنشطة بهدف تعزيز القضاء على الجريمة المنظمة ومعها جريمة الاتجار بالبشر، وفي هذا الإطار سنحاول أن نتناول أبرز الهيئات الدولية التي تعمل على تعزيز مكافحة الجريمة المنظمة.

الجمعية الدولية للقانون الجنائي

المؤتمر الدولي الرابع عشر للقانون الجنائي الذي عقد في أكتوبر 1989 بفيينا نادى بتوسيع حدود العقاب الجنائي بما يتماشى ومتطلبات المجتمع الدولي ودراسة مشروع المحكمة الجنائية الدولية التي تختص بالنظر في طائفة من الجرائم الخطيرة بما فيها الجريمة المنظمة لما تشكله من تهديد للأمن والاستقرار الدوليين.[1]

وقد طرح في المؤتمر عدة موضوعات للنقاش أبرزها:

السياسة الوقائية الفعالة الرامية لدراسة أبعاد الظاهرة الإجرامية، وأن الجريمة هي ظاهرة لا تقتصر على مناطق دون أخرى.

للجمعية الدولية دور هام ومتميز في تطوير القانون الجنائي من خلال مناقشة القضايا التي تتجسد في مجال العدالة الجنائية وتنفيذ القوانين بصورة دورية وما تتوصل إليه من توصيات يمكن الاهتداء بها، ووضعها موضع التنفيذ من قبل الأجهزة المختصة بمكافحة الجريمة والعدالة الجنائية التابعة للأمم المتحدة.

وقد عقد في الفترة من 8 إلى 12 نوفمبر 1997 والمؤتمر التحضيري الأول بالإسكندرية لمناقشة أبعاد الجريمة المنظمة غبر الوطنية وموقف القوانين الوطنية منها.[2]

في الفترة الممتدة من 13 إلى 16 مايو 1998، عقد المؤتمر التحضيري الثاني بهولندا حيث طرح على بساط البحث موقف القوانين الجنائية الوطنية للدول المشاركة في المؤتمر من الجريمة المنظمة ومدى نجاعتها في مواجهتها.

كما عقد مؤتمر بودابست في الفترة ما بين 5 و11 سبتمبر 1998 لإقرار استراتيجية لمكافحة الجريمة المنظمة غبر الوطنية على ضوء ما توصل إليه كل من مؤتمر الإسكندرية وهولندا من نتائج.

كما تناول عددا من الموضوعات أبرزها تطور قانون العقوبات الدولي والمتابعة الدولية للجرائم وتفعيل التعاون الدولي وسبل توقي الجريمة والتصدي لها وتوحيد سياسة التجريم التي تحول دون إفلات المجرمين من العقاب، وتجريم الصور المتنوعة التي ترتكبها المنظمات الإجرامية.[3]

الشرطة الجنائية الدولية الأنتربول

أنشئت منظمة الأنتربول سنة 1923 ومقرها يقع في مدينة ليون بفرنسا، ولها مكاتب وطنية بجميع الدول الأعضاء فيها والتي يبلغ عددها 177 دولة، هذا وتساهم المنظمة بشكل فعال وهام في مكافحة الجريمة المنظمة غبر الوطنية، وذلك بالعمل على تزويد الدول الأعضاء فيها بمعلومات مهمة عن المجرمين المطلوبين للعدالة.

والجدير بالذكر أن شرطة الأنتربول ركزت أنشطتها على الجريمة المنظمة والأنشطة الإجرامية ذات الصلة، وفي أكتوبر 1995 وخلال الدورة الرابعة والستين للجمعية العامة لهذه المنظمة، تم الإجماع على إصدار قرار لمواجهة غسيل الأموال وذلك لأول مرة في تاريخ المنظمة.

هذا وتملك منظمة الشرطة الدولية شبكة اتصالات لاسلكية مؤمنة تغطي كافة أنحاء العالم، حيث تربط الدول الأعضاء ومن خلال مكاتبهم الوطنية الرئيسية، بعضها مع البعض ومع فرع الأنتربول في مدينة ليون الفرنسية، وتلعب هذه الشبكة دورا رئيسيا في مكافحة الإجرام المنظم عبر الدول، حيث إنها تشمل النقل السريع للرسائل الإلكترونية والتي تصل إلى مليوني رسالة كل عام، ولها دور فعال في أداء عمل المنظمة بكفاءة وفعالية.

ولا تزال منظمة الشرطة الدولية تعمل على تفعيل دورها في مكافحة الإجرام المنظم عبر الدول، فقد أنشأت عام 1989 فرعا لجريمة المنظمة، ثم إلحاق بالسكرتارية العامة، وقد أسند لها هذا الفرع مهمة دراسة كافة الجوانب المتصلة بالجريمة المنظمة، بحيث تكون هناك قاعدة معلومات شاملة عن هذه المنظمات من حيث تكوينها وعدد الأعضاء فيها ومجال تحركها بهدف العمل على شل حركة الجريمة المنظمة من خلال تحليل المعلومات التي تتوافر لديها بانتظام للوقوف على عصابات الجريمة المنظمة غبر الوطنية وملاحقة أعضائها ومحاكمتهم.

وفي مارس سنة 1993 أنشأت منظمة الشرطة الدولية الجنائية وحدة لتحليل المعلومات الجنائية، ثم إلحاقها بالسكرتارية العامة هدفها وضع طريقة شاملة لتحليل الجريمة المنظمة وظيفيا ومهنيا بهدف استخلاص قدر من المعلومات المناسبة من مجموعة المعلومات الضخمة التي يتم جمعها من مصادر متعددة، والعمل على وضع تلك المعلومات في متناول هيئة الشرطة الدولية في السكرتارية العامة والدول الأعضاء فيها، لكي يكون لهذا الفرع الدور البارز في ملاحقة العصابات الإجرامية أينما حلت[4]

فالأنتربول يبذل جهودا مهمة وفعالة في مكافحة الجريمة المنظمة، وهذا من خلال ممارسة عدد من المهام الخاصة بمكافحة ظاهرة الاتجار بالبشر في الوقت الحالي سواء من ناحية المبدأ أو من حيث التطبيق الفعلي أيضا.

أولت المنظمة اهتماما خاصا بمكافحة الجريمة المنظمة ومعها جريمة الاتجار بالبشر من خلال العديد من القرارات الهامة التي تم اتخاذها على مستوى الجمعية العامة للأنتربول، ومن أهم هذه القرارات نجد:

القرار رقم AGN/57/RES/17 الذي تم اتخاذه خلال دورة الجمعية العامة 57 الذي تم عقده في بانكوك عام 1988 بعنوان الجريمة المنظمة والقرار 8/AGN/62/RES الذي تم تبنيه في دورة الجمعية 62 المنعقد في أوروبا سنة 1993 تحت عنوان “التعاون الدولي والحرب ضد الجريمة المنظمة”.

كما أعلنت الجمعية العامة للأنتربول في جلستها السابعة والستين في القاهرة عام 1998 بأن محاربة الجريمة المنظمة يمثل إحدى أولويات الشرطة الجنائية الدولية في قيامها بالدور العام المتمثل في التنسيق بين الشرطة الدولية ضد الجريمة المنظمة.

فالأنتربول يضطلع بكثير من الإجراءات المتعلقة بمكافحة الجريمة المنظمة من خلال الدراسات التي تعدها الأمانة العامة بشأن الأشخاص المطلوبين لضلوعهم في منظمات إجرامية، وتتضمن الكراسات الصور والبصمات وكذا الأسماء المستعارة وتفاصيل الهوية لهؤلاء الأشخاص، وتوزع هذه الكراسات على جميع المكاتب الوطنية المركزية للأنتربول في الدور الأعضاء.

كما تقوم بدورها في مجال تسليم المجرمين سواء متهمين أو فارين أو محكوم عليهم في مجال الإجرام المنظم.

كما يضطلع الأنتربول بدور هام في مكافحة تزييف العملة باعتباره نشاطا رئيسيا من أنشطة الإجرام المنظم، ويعقد الأنتربول في هذا الإطار مؤتمرات دولية لمكافحة تزييف العملة يسلط فيها الضوء على حجم هذه الظاهرة والأساليب الجديدة المستخدمة فيها.

كما يضطلع الأنتربول بدور هام في مكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات عبر الدول والإجرام المرتبط بالتكنولوجيا، والاتجار بالبشر، وقد خصصت لهذه الجرائم وحدات متخصصة باعتبارها من أهم أنشطة الجريمة المنظمة.

هذه الأدوار التي يمارسها الأنتربول في مواجهة الإجرام المنظم بكل أنواعه، يمكن تفعيلها بواسطة عدد من النشاطات التي تمارسها المنظمة في مجال التعاون الأمني الدولي لمكافحة الجريمة المنظمة ومنها:

1- عقد الندوات والمؤتمرات.

2- التحقق من المجرمين والكشف عن شخص الجثث المجهولة من خلال الشرطة العلمية [5]

3- نشر البحوث والدراسات من خلال ملكية الأنتربول.

4- نشر الإحصائيات الجنائية حيث تقوم المنظمة بنشر هذه الإحصائيات التي تتعلق باتجاهات الجريمة ونشاطها ومعدلاتها.

5- دعوة الدول لتبني تشريعات داخلية تتضمن وسائل فعالة لمكافحة الجريمة المنظمة.

6- يساعد الإنتربول في تدريب العاملين في مجال مكافحة الجريمة المنظمة في مختلف الدول الأعضاء من خلال عقد الندوات المتخصصة في الدول.[6]

مما سلف، يتضح أنه بالرغم من المجهودات التي تقوم بها المنظمات الدولية في مجال مكافحة الجريمة غير كافي للحد من صورها وأشكالها، وهذا يرجع أيضا إلى إرادة الدول في مخاض المكافحة كاستراتيجية لها تحديات وعراقيل تواجهها، لذلك يبقى عمل المنظمات مكملا لبرامج ومخططات الدول التي لها إرادة ورغبة في الحد من الجرائم المنظمة.

المراجع المعتمدة: 

[1]  فائزة يونس الباشا: “الجريمة المنظمة في ظل الاتفاقيات الدولية و القوانين الوطنية“، دار النهضة العربية، القاهرة، 2002.

[2] -وهو ما تنص عليه المادة 21 من الاتفاقية المتمخضة عن المؤتمر اتفاقية باليرمو.

[3] – عامر مصباح الجدال: “الجريمة المنظمة المفهوم والأنماط وسبل التوقي”، منشورات اللجنة الشعبية العامة للثقافة و الإعلام، طبعة 2010.

[4] – عامر مصباح الجدال: “الجريمة المنظمة المفهوم والأنماط وسبل التوقي”، المرجع السابق.

[5] – علاء الدين شحاته: “التعاون الدولي في مكافحة الجريمة”، مطبعة إشراك للنشر والتوزيع القاهرة،  2010.

[6] – عثمان أحمد حسن: “التعاون الدولي لمكافحة الجريمة والمخدرات”، الخرطوم، طبعة 1999.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

منى دلوح

منى دلوح طالبة باحثة في سلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة عبد المالك السعد -طنجة ، حاصلة على دبلوم الماستر في حقوق الانسان، موازاة مع مساري الدراسي فأنا ناشطة في العديد من الجمعيات منها مركز ليكسوس للدراسات القانونية والسوسيولوجيا، متطوعة بشبكة حقوق الانسان بمعهد بروميثيوس للديقراطية وحقوق الانسان، رائدة بالفضاء المدني... كذلك مشاركة في برامج تدريبية وتكوينية سواء على المستوى الوطني وكذا الدولي من بينها أكاديمية المجتمع المدني، منتدى شباب العالم في مصر، سفراء نوابك...
زر الذهاب إلى الأعلى