سياسة و تاريخ

جمهورية “بلى”

أولا، أقصد بجمهورية بلى دولة لبنان الشقيقة، وقد قرن اسمها بهذا الحرف الاستثنائي في اللغة العربية الذي هو “جواب التحقيق المضاد للنفي” (1) فبهذا الحرف “بلى” تتميز اللغة العربية، فلو كان في نظري اسم آخر للغة الضاد لكان”بلى” لما لهذا الحرف من مكانة مميزة في اللغة العربية، المستمدة طبعا من القران الكريم، ولهذا ربطنا لبنان ببلى باعتبارها( أي لبنان) مهد اللغة العربية، و المجسد كذلك للروح الثقافية في الجسد العربي، وهي أيضا القلب النابض للعروبة في العالم العربي.

فمن لبنان برز كبار المثقفين والأدباء والشعراء ورواد الفكر والشعر والقصة والرواية، ومن لبنان طبعت أهم الكتب والأسفار التي لقيت إشعاعا في العالم بأسره، عملا بالقولة المأثورة: “مصر تكتب، وبيروث تطبع، والعراق تقرأ” فالثقافة والفنون هي أول مقياس لرقي الحضارات والشعوب.

ثقافيا وفنيا، لبنان أنجبت إليا أبوماضي ومخائيل نعيمة وجرجي زيدان  وجبران خليل جبران ومي زيادة وإلياس أبوشبكة وخليل مطران وناصف اليازجي وبشارة الخوري وسهيل إدريس والمعلم بطرس البستاني والمناضل والمؤرخ والأديب شكيب ارسلان ويوسف توفيق العواد وآخرين..

لبنان بلاد الجمال والفن والثقافة والعروبة، وقد اختيرت عاصمة الثقافة سنة 1999، وهي التي يجب أن تكون عاصمة الثقافة على الدوام.

لكن للأسف، اختلاط ما هو سياسي بما هو ثقاقي وفني أبعدها وجردها من خصوصيتها ، ويمكن الجزم أن السياسة هي قاطرة التنمية والرقي والازدهار ،ولكن هذا الدور لا تلعبه السياسة في لبنان، نظرا لتكالب عدد من العسكرين و الجنرلات المطرودين وأشباه السياسيين على الوطن فاستنزفوه، وشوهوا فيه كل ما هو جميل، فإذا استثنينا من ذلك منحكموا لبنان في الفترة مابين1975 -1981 ومنهم فخامة الرئيس إلياس سركس المتوفى سنة 1985، فكل السياسين الذين تعاقبوا على هذا البلد منذ 2001 جردوه من قدسيته وأزاغوه عن طابعه، فهو الآن بين المطرقة والسندان، مطرقة ما يسمى بحزب الله المتجدر في البلد منذ1982، الذي يريد أن يرجع البلد إلى الوراء أي السلفية حتى لا نقول إسلاموية بحشده للجماهير وصغار العقول، وهو المجسد الأول للطائفية إلى جانب الدروز والمسيحين والمارونيين.

لبنان  يجب أن يتميز  بالطابع الحداثي والتقدمي بغض النظر عن هذا التشردم العصبى والديني الذي لم يجن منه البلد إلا الويلات، يجب أن ينصهر تحث عباءة موحدة بقيادة زعيم حداثي وتقدمي، قادر على السير بالبلد نحو المستقبل المشرق ،ومن جهة ثانية هناك  سندان العسكرين المتقاعدين والمطرودين، الذين نجوا من أو شاركوا في الحروب الفائتة؛ فهو إذن بين مطرقة الطائفية وسندان العسكريين المغضوب عليهم الذين أوصلو البلد الى ما هو عليه، مما أدى إلى تفجيره في الانتفاضة الأخيرة ،التي أتت على الأخضر واليابس.

انتفاضة لبنان الأخيرة والتي لا سابق لها، هي القشة التي ستقسم ظهر البعير كما يرى ذلك المحللون، باعتبار لبنان مهد الثقافة والفن والجمال، فبسقوطها سيسقط العالم العربي بأسره، وللتذكير فالأزمة الاقتصادية بلغلت أوجها في لبنان سنة 2018، ولم تنفجر إلا بعد مرور أكثر من سنة، والبلد في المرتبة 138(2)عالميا  في مؤشر النزاهة إلى جانب العراق والصومال نظرا لتفشي الرشوة والمحسوبية والفساد.

لقد دفن المفسدون البلد وشيعوه، فكما يقول الفيلسوف الفرنسي شارل موريس دوتاليران” لو كنا نعلم حجم صغر وخسة من يحكموننا لثرنا وانتفضنا في أقرب وقت ممكن ”  ولا حل في لبنان في ضوء الأحداث والظرفية الاقتصادية الراهنة سوى ثورة حقيقية للوطنيين الشرفاء والجوعى والمقصيين وانتفاضة شعبية ضد الطغاة والمفسدين وأصحاب الألسن الطويلة.

إن الطبقة السياسة برمتها قاطبة هي المسؤولة عن ما آل إليه الوضع في بلد الأرز وعلى حرمان الطبقة الشعبية ومعاناتها، وطغاتها هم الذين تركوا الشعب بدون وعي(3)،مما أذى  الى الإ نفجار العظيم الذي عرفته البلاد منذ حوالي أسبوعين، متى كان الإحتجاج والانتفاضة والتظاهر يأخذ شكل السلاسل البشرية حتى رأيناه في لبنان ؟ وقد تزامن هذا الحراك الشعبي مع ذكرى اندلاع أكبر أزمة اقتصادية عرفها العالم ألا وهي  24 أكتوبر، تاريخ الأزمة الاقتصادية العالمية.

فهل ستنقذ الانتفاضة الشعبية والروح الوطنية جمهورية “بلى”؟

—————————————

1) مختار الصحاح، الإمام الرازي ،طبعة 1986، ص65.

2) جريدة l’économiste لمغربية عدد 3نونبر 2019ص 30.

3) من أقوال كارل ماركس” الطاغية مهمته أن يجعلك فقيرا وشيخ الطاغية مهمته أن يجعل وعيك غائبا”.

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق