سياسة و تاريخ

جمهورية الموز الأمريكية.. الولايات المتحدة سابقاً

أسدل مجلس الشيوخ الأمريكي الستار على قضية عزل الرئيس دونالد ترامب بعد جدلٍ استمر حوالي خمسة أشهر؛ فقد برأت الهيئة التشريعية التي يسيطر عليها الجمهوريون ترامب من تهمتي خرق الدستور، وإساءة استغلال النفوذ، اللتان وجهتا لسيد البيت الأبيض أواخر سبتمبر من العام الماضي، بعدما تفجرت فضيحة تهديد ترامب للرئيس الأوكراني بوقف مساعدات بلاده المالية، ما لم يعد فتح التحقيق في شبهات الفساد التي برأت السلطات الأوكرانية هانتر بايدن نجل جوزيف بايدن المنافس الانتخابي الأبرز لترامب منها.

من جانبه انتقد زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر قرار المجلس، ووصفه بالتهديد للديمقراطية العريقة التي تميزت بها أمريكا منذ تأسيسها، لكن كلام شومر لن يغير مما جرى شيئاً، فقد قضي الأمر.

يستطيع ترامب أن يخوض غمار الترشح لولاية ثانية بذهنٍ صافٍ بعد انتهاء ثاني أخطر أزماته الرئاسية، بعد أزمة التدخل الروسي في انتخابات 2016 الرئاسية، بل ويعود لتبني خطابيه العنصري والسوقي، بعدما تأكد بما لا يدع مجالاً للشك أن العودة للبيت الأبيض باتت ممكنةً، وقاعدته الانتخابية ستسانده حتى حصول المراد.

لكن ومما لا شك فيه، أن الملياردير حديث العهد بالسياسة قد أساء كثيراً لصورة أمريكا، سواءٌ في داخل البلاد أو خارجها؛ فالرجل يتصرف بعقلية رئيس من العالم الثالث، لا بتفكير رئيس سيدة العالم الحر، وقد أثار الكثير من الجدل حول أسلوب إدارته الصدامي، والأقرب لجمهوريات الموز منها إلى إدارة ثاني أعرق ديمقراطية غربية في العالم.

وجمهوريات الموز هو مصطلحً سياسيً جغرافي يطلق على بعض دول أمريكا الجنوبية والوسطى مثل؛ الإكوادور، وكوستاريكا، وهندوراس، التى يتغير فيها نظام الحكم بانقلابات عسكرية تشرف عليها المخابرات الأمريكية، ويحكمها مستبدون لا يعبأون بالشعب، ويوردون البلاد المهالك نتيجة قراراتهم الفردية المتهورة.

بدأ ترامب مسيرته المضحكة المبكية بالصدام مع وسائل الإعلام بعد تنصيبه مباشرةً، بأن اتهمها بالمغالطة في أعداد متابعي التنصيب الرئاسي حول العالم، ثم عين ترامب صهره جاريد كوشنير في منصب مبعوث السلام للشرق الأوسط؛ كونه زوج ابنته إيفانكا ليس إلا.

بعدها بفترةٍ وجيزةٍ، اصطدم برئيس مكتب التحقيقات الاتحادي جيمس كومي، بعدما أصر الأخير على فتح تحقيقٍ حول ضلوع روسيا في ترجيح كفة ترامب في الانتخابات الرئاسية، فقايضه ترامب بالبقاء في منصبه والتكتم على الأمر بشكلٍ يعيد للأذهان تصرفات حكام دول العالم الثالث المبتلى بالاستبداد، فاستقال كومي وفضح ترامب بشكلٍ غير مسبوقٍ في تاريخ أي رئيسٍ أمريكي.

شكل ترامب بعد ذلك تهديداً لمصالح واشنطن حول العالم، بعدما هدد حلفاء أمريكا في أوروبا والخليج وآسيا برفع الحماية الأمريكية عنهم ما لم يدفعوا مقابل ذلك، وذهب الرجل أبعد من ذلك باقتراحه حل الناتو، متهماً الأوروبيين بالتقصير في مهامهم داخل الحلف، لكن البنتاجون تجاهل قراره الغبي في إهانة مزدوجة للرئاسة ولأمريكا.

هدد ترامب الديمقراطية الأمريكية كذلك بعدم الرجوع للكونجرس حال اتخذ قراراتٍ مصيريةٍ، كما فعل مع تصفية قاسم سليماني قائد فيلق القدس الأسبق، مكتفياً باعتبار تغريداته على تويتر قراراتٍ واجبة النفاذ، ما دفع الكونجرس للمرة الأولى في تاريخه لاستصدار قرار يربط صلاحيات الرئيس العسكرية بالعودة للكونجرس.

للأسف وحسب رؤية محللين كثر، سيفوز ترامب بفترةٍ جديدة، لكنه سينسف أي أسس ديمقراطية تحكم بلاد العم سام، ومن يدري ربما يصبح آخر رئيسٍ لأمريكا الموحدة!

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق