مدونات

جماليات القناع في شعر سعيد عقل

يظهر قناع الذات في الشعر الحديث عبر تقنية الغياب والحضور؛ هذه التقنية التي حملت كثيراً من المضامين الأسلوبيّة، واصطبغت بها الكلمات الشعريّة عبر صورها ورموزها وكلماتها؛ فالحضور والغياب وجهان لقناع شعري غارق في الدلالات والمفاهيم، وتتحدَّد هذه العلاقة القائمة في النص الأدبي من خلال وجود علاقات التوازي والتماهي بين شخصية المبدع والنص المُنتَج، الذي نجد “أن قراءته تمنحنا لذة إعادة كتابته وإنتاجه بشكل مغاير، دون أن ننسى أن طبيعة العلاقات الغيابية علاقات معنى وترميز، أمّا علاقات الحضور فهي علاقات تشكيل وبناء.

  1. 1. الغياب:

ظهر مشهد الغياب الشِّعري في كثير من الأعمال والأوساط الشعريّة والأدبية، وكانت له دلالات وسياقات متعددة، وظفها الشعراء في رسم ملامح هذا القناع، وليس الغياب بمعناه الشمولي وليد المصادفة والعفويّة، بل هو مصطلح أدبي شعري عميق حتّى لنجد مجموعاتٍ شعريةً كاملةً  قد وسمت به، كما (في حضرة الغياب) لمحمود درويش.

لعل الغربة هي أوضح صورة عن الغياب الذي عاشه الشاعر سعيد عقل ، والذي تمثل في غيابه الجسدي عن بلاده التي نشأ فيها ، ومضى أيامه على ترابه ، وضفافه ،وبين. أشجاره ونسماته. والأكثر من ذلك ، وغيابه الروحي والعاطفي عن الذكريات والأيام الممتازة التي كرّس لها حتى الآن ويتألم، ويعطي  نغمة أخرى ، لا يعرف نغمات مختلفة ، بل يستمد منه تضامنه وقدرته على تظليل الذات المفقودة ، و صقل صورتها في بلده ، حسب قوله

رُدَّني إلى بِلادي

في النَّياسِمِ الغَوادي

في الشُّعاعِ قد تَهَاوى،

عِندَ رَبوَةٍ وَوَادي

مِن هَوَاها طِبْ وَطَيِّبْ

تُربَها, ومِن وِدادي

مَرَّةً وُعِدتُ, خُذني،

قد ذَبُلتُ مِن بُعادِ!

اِرمِ بي على ضِفافٍ

مِن طُفولَتي بَدادِ

نَهرُها، كَكَفِّ مَن أَحبَبتُ

خيِّرٌ وَصَادِ

لم تَزَل على وَفاءٍ

أنا مِن الوَفاءِ زادي.

وسعى سعيد عقل، في ترسيخه لقناع الغياب الذاتي أن يبتعد عن التقليد الواضح؛ إذ ركز على بناء صورته التعبيرية بجعل النص مسرحاً لكثير من الأقنعة ، فظهر الغنى الشعري في شعره بغنى الصور التي يستخدمها ، وتضاعفت الأنماط والصور إلى درجة تغلق شعره. معه بسبب اعتماده الكبير على الصورة التي تحرر العقل المبدع. آية ، أو عمق موضوعاتها …. أو ربما ، ثروة من الصور والأساليب التي تدير الموضوعات في أي حال كما يفترض أن تكون مألوفة، يقول:

عَلِمَت أمِّي بِنَا

وَبِأشعارٍ على طِيبِ فمي

مرَّةً في المُنحَنَى

وَمرَّةً إحدى

فلِمَ لم تكتمِ؟

كنتُ لوناً وانمَحَى

ذاتَ قالَتْ لي: ضُحىً أَمْ في الغِيَاب؟

قُلْتُ في الشِّعرِ ضُحَى

وَحَوَالَيْ مَغرِبِ الشَّمسِ الغِيَاب.

فهذه القصيدة تظهر قناع الغياب والانفصال المفتوح عن واقعه عندما يخلو بنفسه إلى قراطيسه ومداده، حتى أن والدته تحاول عبثاً أن تفهم شيئًا مما يدور في خاطره ، إلا أنه يجيبها بأنّه موجود وغائب في الوقت ذاته.

ويحمل سعيد عقل بعداً آخر لقناع الغياب الذاتي بإسقاطه على غياب الآخر ، الوجود الجسدي والذاتي ، وهو أعز ما يكون في انعطافه الواهي الصريح بأسلوب سهل لا يمس “. أنت تلوم – أنا غيابك -(أنا أحلامُكَ الرُّجُعُ)” فالألفاظ يتردد صداها بالصور والإحساس بالصور. أيضًا ، لم يتبق لها أي شيء باستثناء النطاق الذي يعود إليه ليشعر به، في أي وقت يتألم بها، والتخيلات التي يحتاجها للعودة إلى الأحلام، لأن حبيبته أصبحت طيفاً وأحلاماً، والمرأة موجودة في شعره كمصدر للروعة والعطاء الأبدي، يقول:

تُعاتِبين؟…عِتابي أنتِ والوَجَعُ…

واآهةَ العُودِ من نائينَ ما سَمِعُوا!

أنا،غيابُكِ, إنْ أغرَقتِ, آخُذُهُ

بِالجَفنِ, أَخلُقُني مِنهُ وَأَبتَدِعُ

فَكيفَ مَرُّكِ طَيفاً لِمامَ كَرى

وَتَهمِسينَ:(أنا أحلامُكَ الرُّجُعُ)

طَوَّقتِني مَرَّةً, خِلتُ الرَّبيعَ حَكى

حكايَتي لِنُجُومٍ قُربَنا تَقَعُ.

ب- الحدث والمكان:

يلمِّح القناع  بصوره وأكوانه إلى إشارات قد تتطابق مع مكان أو وقت أو مناسبة أو فرد. هذا لإعادة تشكيله ليقضي على الاستفادة منه في الصورة الشعرية ، وقد اتخذت تلك السعة مقاييسها بالتعبير عن حالة الشخصية أو المناسبة المؤرخة ، والتلميح إليها بما يحتاج إلى قوله ، وإرسالها إلى المتلقي ، من خلال الامتدادات التي تربطه بين الماضي والحاضر ، فإن له دورًا فعالًا وهامًا في رسم النقاط البارزة لهذه الأغلفة ، والمشي بخطوات متسقة للتنقل بين حواف المحتوى والصورة الجميلة للقناع، وقد تحولت تجربة الحياة عند سعيد عقل إلى قناع متعدد الأوجه مرتبط بالتاريخ وتغيراته ، حيث تشع تعابير محتواه الرائع بصور القسوة التي يعيشها، يقول:

قَسَوتَ أم لِنتَ

ما همَّنِي الضَّنَى

قصيدةٌ أنا

مطلِعُهَا أنتَ!…

فالكلماتُ جَمرْ

تَظُنُّني أقرأ

كحلوةِ الفُصول

لا, وأنا الذُّهول

سِرِّي لا يُدرَى…

… أنا هَوَى الصَّلاة

كن أنتَ ما كنتَ

مطلعُهَا أنت

قصيدةُ الحَيَاة.

وسعيد عقل لا يتوقف عند الواقع الحالي. إنه يشعر أنه “لا يكفي إثبات تصوراته ، ويذهب إلى أساطير التاريخ … وشعره هو بدوره مركب أسطوري يطير فوق الحياة ، ولا يتعارض مع جوهرها الترابي ، بؤسه المرهق وصراعاته اليومية “وحياة الحب البشري لا تقتصر على رؤيته لأي مكان أو زمان بل هي قصة طويلة تبدأ من نشوء جذور التاريخ” حتى أن تشكو و يتذمر – ويخبر من السر ما قيل – ومن الذي وضع المشتهى “حيث تم العثور على الشخص الأول وينتهي بوفاة آخر شخص. وهي تحمل سمات الأساطير والقصص الغارقة في العصور القديمة، يقول:

أنا قلتُها؟… لا يا ضَفِيرةُ زَقزِقي

على إصبَعِي وَاروِي من السِّرِّ ما يُروَى

وإنْ ساءَلَت فيكِ العَشِيَّاتُ:” مَن تُرَى

تكونين”؟ قولي: الهَمَّ والضَّمَّ والنَّجوى

ضَفِيرةُ شَعري, لِمَ تذكَّرتِ ما جرى

لنا معه, ذَيَالكَ الزَّارعيّ بَلوى

أمَا هوَ مَن كفَّاهُ بعثَرَتَاكِ.. لا

تكفَّانِ, حتَّى للضَّنى أنتِ والشَّكوى؟

ومَن بِي حَطَّ المُشتَهَى والتَقَى فمي،

وراقصَنِي كالشَّمسِ راقَصَتِ الصَّحوا؟

ويبدو أن أقنعة التاريخ بالنسبة لسعيد عقل قد اتخذت رموزاً دينية ذات أهمية عميقة. حيث أن مكة المكرمة تمثل لنا مرجعية دينية وإرثاً حضارياً وتاريخياً. .. وعقولنا تمتد عبر البعد التاريخي والحضاري الذي استخدمه الشاعر لإظهار مشاعره وأفكاره. وفي كل هذا لا ينكر الدور الكبير للرمز في صورته الشعرية، يقول:

غَنَّيتُ مَكَّةَ أهلَها الصِّيدا

والعِيدُ يَملأُ أضلُعِي عِيدا

فَرِحُوا فَلَألَأَ تحتَ كُلِّ سَمَا

بَيتٌ على بَيتِ الهُدَى زِيدَا

وَعَلى اسمِ رَبِّ العَالمينَ عَلا

بُنيانُهُم كَالشَّهبِ مَمدُودا

يا قَارِئَ القُرآنِ صَلِّ لَهُم

أَهلِي, هُناكَ, وَطَيِّبِ البِيدا

مَن رَاكِعٌ وَيَدَاهُ آنَسَتا

أنْ ليسَ يَبقى البابُ مَرصودا

أنا أينَمَا صَلَّى الأَنَامُ رَأَت

عَيني السَّماءَ تَفَتَّحَت جُودا

لَو رَملَةٌ هَتَفَت بِمُبدِعِها

شَجْواً لكُنتُ لِشَجوِها عُودا.

  1. الحضور:

تعددت أقنعة الجمهور وقضاياه النقدية والأدبية في الشكل الشعري ؛ وبما أن لون الوجود يمتد بقناعه فلا يتوقف عند حد الخالق وتأثير الشعر عليه ، بل ينطلق إلى المتلقي الذي لديه قراءات وتفسيرات. لإحداث حضور في القلب ، أو العين ، أو الخيال ، أو العقل ، أو الميل نحو الواقع المنشود المراوغ ، فيكون حضور النص في حضور خالقه ، وهذا الحضور هو نهج الشعراء وأفرادهم. الدين في التعامل مع هذه الأقنعة والتعبير عنها بأساليب ورؤى عميقة استخدمها سعيد عقل من خلال القناع الدرامي، يقول:

بعيداً على شاطئِ الذَّات،

في غَمضةِ الأَشهُبِ،

حوالي مطَلِّ الوجود،

في العَبق الطَّيب،

شددْتُ يدا السِّرَّ وَهُوَ

على المَهدِ بعدُ غبي.

أَنَا ابنُ الدُّهورِ، ابنُ لبنانَ،

وعيُ الخليفةِ بي،

أَنا جُبتُ ذاتِي وأَفرغتُ

أُغنِيَّةَ المَطلبِ،

نهلْتُ الذُّهولَ، نهلتُ

شحوبَ الفتى المُتعَبِ…

نهلْتَ الشَّقاءَ المُهِلَّ

جميلاً كوجهِ نبي.

وفي تقنية القناع ينسج سعيد عقل لغة شاعرية عميقة للتعبير ومخاطبة المتلقي، كما أشار في محتواه إلى الكلمات الدلالية في إنشاء الصور، والتي هي أكثر دراماتيكية، وبهذا ترتفع قصيدته عند أدونيس، فقد جعل لسعيد عقل مكانة مهمة في تنقية اللغة الشعرية، يقول:

خَطَرَت لِي في صَحوِ بَال

أم رَوَاهَا وَهمُ الخَيَال؟

أم شَجَى العُودَ لَحنه

فَمَضَى يعزفُ المُحَال؟

أنا خِلتُ الأفقَ التَقَى

أفقاً آخرَ, وَشَال

هَزِجَاً لِارتِحَاله

عبرَ أهدابِهَا الطِّوَال

فَتَعَافَت دُنيا, وَلَم

تَهدَأ الهدأةَ الزُّلَال

وَأَلمَّت بالمُنحَنَى

غيمةٌ تفرِشُ الظِّلَال.

وجوهر الحضور عند سعيد عقل هوالذات، حيث عبر عنها بقلمه وأسلوبه وتصويره الواقعي. والبهجة بالذات لا تؤتي ثمارها إلا في وجودها المنطوي تحت العشق والظمأ للقاء دمشق ، حيث لا مكان ، وقد اكتشف جوهره في واقعه ، فهو الوسط والأطراف ، مالك العالم وموفره معًا … تتويج الفرحة والمتعة الوجودية ، التي تتحقق في الخلاص وفرصة إثبات الذات ، كما تمثله سعيد عقل شعرياً، يقول:

مُرَّ بي، يا وَاعِداً وَعدا

مِثلَما النَّسمةُ من بَرَدَى

تَحمِلُ العُمرَ تُبَدِّدُهُ،

آهٍ مَا أطيبَهُ بَدَدَا!

رُبَّ أَرضٍ مَن شَذاً وَنَدَىً

وَجِرَاحَاتٍ بِقَلبِ عِدَا

سَكَتَتْ يَوماً, فَهَل سكتت؟

أجملُ التَّارِيخِ كَانَ غَدَا!

واعِدي، لا كنتَ من غضبٍ،

أعرفُ الحبَّ سنًى وهُدى.

  1. الألم:

منح سعيد عقل الفن – كبناء وتركيب – الاهتمام الذي يستحقه دون المبالغة في قيمته واستخدامه ، حيث قوّى قناع الألم وجعله مصدرًا للعديد من الصور للآخر ، لذا فإن كلماته مع معاني الم. شيء – استجابة مخلصة – ماذا؟ “يتجسد بقناع الندم على خيانة الآخر ، وينتهي بجمال موسيقي فريد وإيقاع فني جذاب يجعلنا نتنقل بين أشعارها ومقاطعها بكل لطف وخفة، وهذا يدل على براعة الشاعر في إظهار صور مختلفة لفكرة واحدة،يقول:

ماذا؟ انتهى كلُّ شيء؟!

وَمَا قُلتَه أمس لِي

بأنِّي غدُ البُلبُلِ

وَقَدِّي من صَندَلِ

وَمِن كَدسِ وَردٍ وَفِيّ؟

ماذا؟ انتهى كلُّ شيء؟!

ماذا؟ انتهى! لَا إلهْ

على الصَّخرِ يُضفي الحَيَاهْ

من الشَّمسِ يأخُذُ بِذرَهْ

ومن سُمرَةِ اللَّيلِ سُمرَهْ.

وتُظهر صور حجاب الألم قصور الآخر لسعيد عقل من خلال للدموع ، وقدرة القلم على إحياء المحبوب بغض النظر عما إذا كان قد مات. وبالفعل يندب الفنان ويتحمل رحيل رفيقه الذي يشاركه التأملات والآلام والضغوط. فهو يبكي ويبكي معه ، وكذلك “آية – ينابيع – أزهار …” البكاء هو طريقة المضمون في كشف الظروف والمشاكل ، إلا أنه لا يستطيع التعبير عن حجمها وعمقها. بغض النظر عما إذا كان يبكي ويبكي معه على الكوكب أم أنهما هادئان إلى حد كبير ، فإن العذاب يبقى في الروح البشرية يشبه غطاء الوجه. يقول في ذكرى الأخطل الصغير:

لا مُذ بَكَيتُكَ, لكن قبلُ مُذ سَكَتَتْ

يراعةٌ لكَ, قَلَّ الهَمُّ في الغُصُنِ،

غَصَصتُ بِالدَّمعِ, هل فرَّت بَلابِلُنا

طُرَّاً, فَمَا من شَجِيِّ بَعدُ أو لَسِنِ؟

أنا الذي قَالَ: يا شِعرُ اِبكِهِ وَأَجِدْ

مِن قَبلِ مَا كَانَ لا، يا شِعرُ, لم تَكُن!

من اليَنَابِيعِ، مِن عَينَيَّ صَوتُكَ, مِن

ضَوعِ البَنَفسَجِ أَضلَاعٌ لَهُ وَحِني،

سِرُّ الرَّنِينِ, وَهَل إِلَّاكَ يَفضَحُهُ

يا نَاقِرَ العُودِ مِنهُ العُودُ في شَجَنِ!

ولـ سعيد عقل مكانة مهمة في تجربته الشعرية، ولكن يجب أن نأخذ في الحسبان مرحلة القلق الشعري في خمسينيات القرن الماضي التي أسهمت في منح القصيدة بعداًر جديداً من خلال توظيف الرموز والأقنعة، يقول:

أَسكنُ في تأوهاتِ نايْ

تفتحُ بابِي أُذُن السَّامعْ

تقول: أنتَ الشِّعرُ، ياطالعْ

كقمرٍ من كُتبِ وآي….

أَسكنُ في مَدِّ يدِ الزارعْ.

القناع والموروث: 

يتم عرض صور التراث من خلال استدعاء الشخصية والتاريخ والمناسبة؛ إذ تؤدي الشخصية دورًا مهمًا في العديد من الأقنعة الشعرية ؛ التي تدمج في الشخصية وتغلفها برمزيتها، لتغدو الأقنعة سببًا في بعث الشخصيات التراثية،  وبالمثل، فإن للتاريخ دجوره في فرض استعداء شخصية ما دون غيرها من الشخصيات التاريخية.

أ- استحضار الشخصية:  

سعيد عقل ينسج قناع الشخصية من خلال مفردات تحمل شحنة رمزية لها تأثيرها ودلالاتها. لأهميتها الرمزية والفنية في التراث الفكري والفني والأسطوري للشعب. تمتلئ لغة سعيد عقل الشعرية والأسلوبية بالرموز والأقنعة. إذ “كان يُعتبر أباً للرمز في الشرق العربي في ذلك الوقت ، وقد تجلت ملامحه الواضحة في جوانب عديدة ، أولها اختيار الشخصية الأسطورية ، وكل منها يرمز إلى فكرة سامية، يقول:

كَغَابِ ياسمينْ

ظَلّ, ولا تَظَلْ

في أُذُني غَزَل،

في أضلُعِي حنين!

وَبَعدُ, يا بَاعِدْ

تُريدُني أرسمْ؟

مَاذَا؟ أَبالقُمقُم!

سأحبِسُ المَارِد؟

قلمُكَ الحَجَرْ

وَقَلَمِي الوُلُوعْ

تكتبُني دُمُوعْ

أكتبُكَ القَمَر!

وَمُنذُ أزمانْ

نسيتَه وَعدَك

مِن كُتًبِي بَعدَك

فَرَّ مليكُ الجَان!

ويوظف سعيد عقل شخصية الأمير، الذي يمثل الثورة والحرية، ليطهر فيها كل ما يحاول أن يراه امتحانًا وواقعًا في جمهوره ، ويصور عن قصد جزيئات دقيقة ، لذلك فقد حيوية عينيه السيطرة. . ثم يغلق جفونه باستمرار. هدوءه هو انعكاس ومجلس ، وربما هذه التفاصيل الدقيقة التي أشار إليها بمودة وتبجيل ما هي إلا فكرته وحافزه لإنهاء صورة الشخصية التي احتاجها ليكون حجابًا لأفكاره وأهدافه. هذه السوناتة “تعتمد كليًا على الانحرافات التي تتدخل فيها رؤية فنان السرد لتغييرها، يقول:

يا اندِفَاعَ الأموَاجِ على شاطِئِ البُوسفُور

رِفقاً بذِكرَيَاتِ الأمير…

هو فخرُ الدِّين, الفتى, يقرأُ الأيَّام

في قَولِ خَازِنيٍّ وَقُور

فَيَرَى الأمسَ في مَذَابحَ حُمرٍ

نافِرَاتٍ على مَمَرِّ الدُّهُور

جّدُّهُ قِبلَةُ الشُّموسِ قَتِيلٌ

وَأَبُوهُ دُنيا أَسَىً في حَفِير….

وإذا وجهُ عينٍ صَوفَرَ أشياء

وآفاقُها بلونِ الزَّفِير

ويَغُضُّ الأميرُ طَرفاً وَيُخفِي

خلفَ جَفنَيهِ هَزَّةً للعُصُور…

أرضُ لُبنانَ حَفنةٌ, إنَّما ملعبُ

عينيهِ بَعدَ بُعدِ الضَمير

عَصَرَت قلبَهُ حدودٌ دَوَانٍ

فَرآهَا على شَفَا المَعْمُور.

بغض النظر عن كثرة الأقنعة التي ينسجها سعيد عقل في تصوير أبرز المحن ، فإنه لا ينسى  “تمجيد الشعور بالذات ، حيث يقوم الفنان بزيارة أفق متطرفة في تجربة ثرية حماسية وعلمية ينطلق منها لقد قام فقط بتشويش التجسيد الصافي لسونيتة التظلم الخاصة به ، حيث وجد في هذا الندم فرصة غير عادية لإظهار مشاعره التي بثها في ثنايا السوناتة ، لذا فإن الشخص الذي ينظر إلى الآثار المترتبة على ذلك لاحظ بشكل أساسي أن الشوق للفرصة وحرية المجتمع بأسره في حال استطاع ذلك، يقول:

تَصَبَّاكَ شِعري قُلتَهُ قِممَ المَجدِ

سلامٌ عليهِ السَّيفُ أُعجِبَ بالغِمدِ!

وقُلتَ بهِ: ما صَيَّرَ الآهَ وردةً

وأنتَ جِراحُ الآهِ يا نسمةَ الوردِ!

حَببتُكَ يا حُبِّي الشَّهامةَ؟ ما الغِوى

بأهلي وبالقِمَّاتِ من جَبَلِي الفَردِ

أنا بعدَ ما علَّمتَنيهُ تطَلَّعَت

جِهَاتي إلى نَفسي, وَنَفسي إلى الزُّهدِ

هُنَاكَ التَقَينا وافتَرَقنا,… جِرَاحُنا

لِتبنيَ, لكن أنتَ تَسكُرُ بالوَعدِ

وَأقسُو أنا, أَقسُو، أريدُهُمُ لَهَا

فإنْ جَبُنُوا طَلبتُ الجَنَاحينِ لي وَحدِي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى