سياسة و تاريخ

جماعة الإخوان المسلمين في الأردن: مستقبل على المحك

تواجه المملكة الأردنية الهاشمية في السنوات الأخيرة صعوبات جمة على مستوى النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي و تحديات عديدة و خاصة على المستوى الاقتصادي، حيث أن الاقتصاد الأردني على وشك الانهيار، و كذلك الصراعات العسكرية والسياسية في الدول المجاورة للأردن سواء في سوريا أو العراق، مما يؤثر بشكل مباشر على الوضع الداخلي للبلاد ، و من جهة اخرى فإن نمو المشاعر الإسلامية المتطرفة يشكل خطراً على هذا البلد بشكل خاص، حيث و في ظل هذه الظروف ، أصبحت علاقة الدولة الاردنية مع الأحزاب والحركات الإسلامية الشرعية مصدر قلق خاص للحكومة.

ظهر فرع حركة الإخوان المسلمين الدولية في الأردن عام 1946، أي بعد حوالي عشرين عامًا من تأسيس المنظمة الأم في مصر عام 1928.

تميزت علاقات الإخوان المسلمين بجميع الأنظمة السياسية الملكية بالهدوء، على عكس حكومات مصر جمال عبد الناصر، أنور السادات، وحسني مبارك ، التي كانت على مستوى عال من الصراع.

وفي الأردن تم بناء هذه الحركة في النظام السياسي للبلاد، و منذ البداية وحتى فترة طويلة كانت حليفة للنظام الملكي، و كان هذا واضحًا بشكل خاص في حقبة الملك حسين الطويلة (1952-1999)، لكن على الرغم من حقيقة أنه من 1957 إلى 1992 تم حظر أنشطة كافة الأحزاب السياسية في البلاد بشكل رسمي، إلا أن جماعة الإخوان المسلمين كانت تعمل في الأردن تحت ستار المؤسسات الخيرية والمنظمات الدينية، كان تحالف النظام مع “الإخوان” يحدده الحاجة إلى مكافحة مظاهر القومية العربية، التي نشرها جمال عبد الناصر في الستينيات والسبعينيات.

و في سبتمبر سنة 1970، حيث كان ذلك العام  عبارة عن وقت حرج للنظام الاردني بسبب انتفاضة منظمة التحرير الفلسطينية في الأردن، عندما وصل الأمر إلى حرب أهلية في الأردن و مرحلة حرجة للدولة الأردنية ، عندها دعمت جماعة الإخوان المسلمين – بما في ذلك بالسلاح-  الحكومة الملكية، و ساعدت حركة “الإخوان” النظام الملكي في كبح توسع الأحزاب والجماعات السياسية القومية واليسارية.

وكان الأردن أحد الأمثلة القليلة على التعايش السلمي للنخب السياسية وحركة الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط، و  في عام 1992 تم تشكيل حزب سياسي تحت مسمى  “جبهة العمل الإسلامي”.

يجب إضافة أن العنصر الديني جزء مهم من الثقافة السياسية الأردنية، حيث يتم ضمان شرعية السلالة الحاكمة من خلال انبثاقها من عائلة النبي محمد صلى الله عليه وسلم(بنو هاشم)، و من المعروف أن الملوك الأردنيين هم حماة الحرم الشريف الاقصى، مما يجعلهم “حماة” القدس في عيون العديد من المؤمنين، و بناء على ذلك، فإن الإسلام هو أساس شرعية الدولة في الأردن وعنصر مهم في السياسة الخارجية، وهذا التحالف هو أساس شراكة النخبة الحاكمة مع جماعة الإخوان المسلمين، وهو أمر لا يمكن تصوره في بلدان أخرى في المنطقة، على سبيل المثال، في مصر.

استمر التحالف السياسي بين “الإخوان” والسلالة الهاشمية في التسعينيات، على الرغم من النزاعات السياسية البسيطة، على سبيل المثال: احتجاجات الإخوان المسلمين ضد إبرام معاهدة السلام الأردنية مع إسرائيل عام 1994 والاعتراف باسرائيل من قبل الأردن.

و بدأ الوضع يتدهور بعد أن احتل الأمريكيون العراق عام 2003، وبدأت الحركات الجهادية المعادية لأمريكا بالظهور إلى العلن.

ففي نوفمبر من سنة 2005 حصلت انفجارات في العديد من فنادق عمان، مما أسفر عن مقتل 60 شخصًا وإصابة 150 آخرين، نفذت الهجمات من قبل تنظيم القاعدة التي كانت تنشط في العراق، و بقيادة الأردني أبو مصعب الزرقاوي،و  أظهرت هذه الهجمات انشقاقًا كبيرا في المجتمع الأردني، حيث من ناحية، كانت هناك موجة من الغضب في البلاد ضد السلفيين، و من ناحية أخرى، أبدى العديد من الأردنيين تعاطفًا جهاديًا قويًا، وازداد الوضع سوءًا في عام 2006 عندما تم انتخاب سعيد همام أمينًا عامًا لجبهة العمل الإسلامي وزكي بني ارشيد السياسي الراديكالي نائباً له، بالإضافة إلى ذلك، شعرت العائلة المالكة بالقلق في ذلك الوقت من انتصار حركة حماس، التي انبثقت أيضًا من جماعة الإخوان المسلمين في قطاع غزة الفلسطيني، حيث كانت هناك مخاوف من أن جماعة الإخوان المسلمين الفلسطينية قد تساعد شعبها الأردني المتقارب في الفكر في الاستيلاء على السلطة في البلاد.

نتيجة لذلك، وفي الانتخابات البرلمانية لعام 2007 ، شغلت جماعة الإخوان المسلمين فقط 6  مقاعد من أصل 110 في مجلس النواب الأردني بعد معارضة شديدة للاخوان.

في الوقت نفسه، القاعدة الإقليمية لدعم جبهة العمل الإسلامي بدأت تتغير شيئا فشيئا، حيث يتكون سكان الأردن من عنصرين مهمين: الفلسطينيون و أبناء العشائر و القبائل البدوية.

و في العقود الأولى من وجود حركة الإخوان ، اعتمدت جماعة الإخوان المسلمين بشكل أساسي على البدو، ولكن منذ أواخر الثمانينات، أصبح الفلسطينيون مهيمنين بشكل ملحوظ في الحركة، إذ تم انتخاب 16 نائبا من أصل 22 نائبا في البرلمان من جماعة الإخوان المسلمين في انتخابات عام 1989 في المناطق التي يقطنها غالبية البدو من الضفة الشرقية لنهر الأردن، ثم في انتخابات عام 2003، تم انتخاب 5 من أصل17 نائبا في المناطق ذات الغالبية الفلسطينية من قبل السكان، حيث كانت الملكية في القرن الماضي مدعومة من قبل أحفاد القبائل البدوية، الذين خدموا في الجيش والشرطة والمؤسسات الحكومية، وكان الفلسطينيون يتعرضون للتمييز، فبعد ظهور البرجوازية الفلسطينية الغنية وقربها من العائلة الحاكمة من خلال الملكة رانيا، أصبح البدو هم الذين يعانون من انخفاض في الدخل.

وعلى مدى السنوات العشر الماضية، بدأت الاحتجاجات بشكل أساسي من قبل الحراك الأردني ، بدعم من المناطق البدوية بشكل رئيسي، حيث تشكلت حركة الاحتجاج الاجتماعي التي اصبحت تهديدًا مباشرًا للنظام الحاكم، في حين تشكل جماعة الإخوان المسلمين وحتى الإسلاميين المتطرفين تهديدًا بعيدً المدى، هذه الحقيقة مهمة أيضًا لفهم طبيعة التركيبة الاجتماعية والسياسية في الأردن.

عند بداية الاحتجاجات الجماهيرية الكبرى بما يعرف بالربيع العربي كان للأردن نصيب من ذلك، جرت المظاهرات الأولى في عمان في فبراير 2011، لكن غضب المتظاهرين لم يكن موجها ضد الملك، بل ضد رئيس الوزراء سمير الرفاعي وحكومته بشكل أساسي، وتمت إعادة الاحتجاجات عن طريق زيادة الدعم الجماهيري، و تمت إقالة رئيس الوزراء من منصبه.

قاطعت جماعة الإخوان المسلمين انتخابات 2010 و 2013، لكن مطالبهم ظلت معتدلة إلى حد ما مثل: بعض القيود على السلطة الملكية، وخاصة سلطة الملك بحل البرلمان، وتعيين الملك لرئيس الوزراء دون موافقة البرلمان، و بدأت صعوبات كبيرة للإخوان المسلمين في الأردن، ففي نوفمبر 2013 ، أُعلنت حركة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية في المملكة العربية السعودية، وفي عام 2014 في الإمارات العربية المتحدة. بعدذلك أدت اتهامات شنها زكي بني ارشيد أحد قيادات الإخوان في الأردن على الإمارات العربية المتحدة إلى رفع دعوى جنائية ضده في عمان بتهمة “التحريض على النزاعات مع الدول الأجنبية” .

و أيضا من بعض الخلافات الجوهرية بين النظام الملكي الحاكم في الأردن وحركة الإخوان فمثلا, أيد الأردن تحالف 14 آذار في لبنان الذي تم تشكيله بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري ، بينما انحازت الحركة الإسلامية إلى تحالف 8 آذار بقيادة حزب الله.

و ايضا أيد الأردن التغييرات في مصر في عام 2013 ، ووافق على جميع التدابير التي اتخذها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بينما وقفت حركة الإخوان الأردنية مع محمد مرسي و ضد السيسي..

لاحقا, استخدمت السلطات الأردنية أسلوب فرق تسد من خلال تقسيم جماعة الإخوان المسلمين إلى ثلاثة أحزاب كإجراء وقائي.

ففي عام 2014، بدأ التنافس بين التيار الراديكالي من مجموعة زكي بني ارشيد والمعتدلين، حيث في فبراير 2016، حظرت الحكومة الأردنية جبهة العمل الاسلامي، تحت حجة قانونية من خلال انتهاء صلاحية وثائق التسجيل لأنشطة حركة الإخوان المسلمين “القديمة”، حيث ظهرت ثلاث مجموعات سياسية في البلاد التي انبثقت من جماعة الإخوان المسلمين:

جماعة الإخوان المسلمين القديمة، برئاسة بني ارشيد، الذين لم يخضعوا لإعادة التسجيل ويعملون تحت اسم جبهة العمل الإسلامي.”الإخوة” الجدد، و مجموعة زمزم التي يقودها الزعيم السابق للمنظمة رحيل غرايبة،       و في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في سبتمبر 2016، حصلت جماعة الإخوان المسلمين على 25٪ من الأصوات، لكنهم حصلوا على 15 فقط من أصل 130 مقعدًا في برلمان البلاد.

بالإضافة لهذا كله، فإن هنالك مقاربة جديدة بين الحكومة الأردنية و حركة الاخوان المسلمين، ربما تشير إلى نية الحكومة استخدام “الإخوان المسلمين” في الأردن من أجل إقامة قنوات تواصل في المستقبل مع حركة “حماس” الفرع الفلسطيني للإخوان المسلمين في حال حدوث ما يعتبره الأردن “أسوأ الاحتمالات” في المنطقة  أي أن تصبح “حماس” عبارة عن جهة اتصال فلسطينية رئيسية مع الإسرائيليين و الأمريكان من خلال عملية سلام ناشئة عن “صفقة السلام الأمريكية”..

و كذلك في ظل احتمال قيام “حماس” بدور إقليمي بارز، فربما تجد الحكومة الأردنية في فرع “الإخوان المسلمين” الأردني أملا للبقاء على اتصال بحركة “حماس” باعتبار “حماس” أحد السُّبل الكفيلة في تلك الحالة بضمان مصالح الأردن السياسية، وخصوصًا الرعاية الهاشمية للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

و مع ذلك من الضروري التفكير في الوقع الذي ستخّلفه مقاربة الأردن على مستقبل “جماعة الإخوان المسلمين في الأردن”.

حيث تسعى الجماعة لكسب ثقة الشعب الأردني بكافة اطيافه، و من المحتمل في الوقت الراهن أن تحصر حركة الاخوان تركيزها بالأهداف الخارجية مثل “صفقة السلام الامريكية” من أجل تعزيز قاعدة دعمها في الداخل، حيث من جهة يبقى مستقبل الاخوان المسلمون في الأردن مجهولا ، و أن هذا الانقسام داخل حركة الإخوان المسلمين قد يدعو البعض الى الاتجاه الى التنظيمات الاسلامية العنيفة مثل داعش و القاعدة مما قد يؤثر على مستقبل الجماعة بشكل سلبي.

و من جهة أخرى تمكنت المملكة حتى الآن من مواجهة الحركات الإسلامية المتطرفة ، بما في ذلك السلفيين، وذلك بفضل علاقتها بالإخوان المسلمين وسياسات فرق تسد.

و من المرجح أن تفعل الحكومة كل ما في وسعها لإبقاء الحركة شرعية و الامتناع عن إعلانها جماعة إرهابية، على الرغم من ضغوط حلفائها في الخليج العربي للقيام بذلك.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

رامي دباس

رامي دباس هو كاتب و محلل سياسي مختص بالشأن الامريكي و الشرق اوسطي.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق