سياسة وتاريخ

«جلجامش» الملحمة التي قدمت للبشرية سر الخلود

من أرض الرافدين انطلقت ملحمة جلجامش التي تُعتبر من أقدم النصوص الأدبية في تاريخ العالم، وتصنف أنها أقدم قصة وصلت إلينا بشكل منسق بهيئة قصيدة ملحمية، تم تدوين الملحمة بالخط المسماري على ألواح طينية.

انقسم المؤرخون حول ملحمة جلجامش منهم من رجح أنها قصة حقيقية ومنهم من وصفها بالخالية، كان اسم كاتب القصة واضح في أسفل بعض الألواح الطينية، لهذه الملحمة أهمية كبيرة حيث إنها أصبحت مرجع علمنا، أساسيات تدوين القصص وسردها في تاريخ البشرية. إضافة إلى ذلك، فالملحمة بها كم من المغامرات والتشويق والحكمة والموعظة جعلتها خالدة إلى يومنا هذا.

لطالما تعلق الإنسان بالحياة منذ القدم، وكان الموت العدو الأكبر الذي يسرق منه الحياة، كانت فلسفة الموت تحظى عبر البشرية والحضارات بتفكير عميق ودقيق وغامض. سنسرد قصة ملحمة جلجامش بشيء من الإيجاز ومحاولة للتركيز على أهم الأحداث التي نستلهم منها الحكمة والموعظة.

يُحكى أن جلجامش ملك مدينة “الوركاء” السومرية، ذلك الملك القوي والذي يمتلك قوة جسمية لايقدر أحد على مصارعته والذي جعل مدينته من أفضل وأقوى المدن في ذلك الزمن، ولكن على الرغم من جميع إنجازاته لصالح أرضه وأُمته، كان جلجامش ملك ظالم لشعبه ومستبد، ويذكر أنه من أب ملك وأم إله وعلى هذا الأساس يعتبر جلجامش يحمل دم الآلهة ولكنه أيضاً بشر وتسري عليه الحياة البشرية.

ومع مرور الوقت، بحسب ملحمة جلجامش فإن شعب الملك أصبح لا يستطيع تحمل ظلمه؛ لهذا قرروا الذهاب إلى الآلهة وطلبوا منها أن ترفع عنهم ظلم جلجامش، فقررت الآلهة خلق كائن يضاهي قوة جلجامش، وهذا الكائن اسمة “أنكيدو”، شخص قوي ويعيش في البراري والغابات، يصنفه بعض المؤرخون أنه “طرزان الأول”. ومع الأيام أصبح “أنكيدو” يعيش مع الحيوانات ويدافع عنها ويمنع الصيادين والتجار من دخول الغابة، فذهب مجموعة من الصيادين والتجار والعاملين في الغابة إلى الملك جلجامش وشرحوا له قصة ذلك الكائن الوحشي والغريب المتواجد في الغابة والذي بسببه فقدوا أشغالهم.

قرر جلجامش إرسال فتاة لأنكيدو تلين قلبه وتتعامل معه وتحاول نقله من البرراري والغابات لأجواء المدينة والتحضر، وبالفعل تغير أنكيدو على يد هذه الفتاة وأصبح يتعلم منها الكثير من الأمور الحضرية، ولكن بقى أنكيدو يحمل قيم ومبادئ سامية ضد الظلم والعدوان، وعندما سمع عن ظلم جلجامش قرر الذهاب إليه ومنعه من ممارسة الأمور الظالمة لشعبه، ودخلا الاثنان في صراع قوي جداً شاهده الشعب وكل لحظة يرواد في أذهان الشعب أن واحدًا منهم انتصر.

ومع استمرار المصارعة أو ما أطلق عليه ملحمة جلجامش التي دامت لوقتٍ طويل، استطاع الملك الظالم التغلب على أنكيدو ولكنه لم يقتله، ومع مرور الوقت والنقاشات التي دارت بينهما اكتشف جلجامش سمو القيم والمبادئ التي يحملها أنكيدو، ووجد كل واحد منهم الصداقة في الشخص الآخر ونشأت بينهما صداقة قوية وصادقة، وأصبحا يتشاركان المغامرات والحروب، وتعلم الملك من غريمه الكثير من الأمور وأصبح محب لشعبه ورفع ظلمه عنهم.

مع مرور الأيام، سمع جلجامش عن وجود كائن وحشي في غابة الأرز اسمه “خومبابا”، فأراد الملك إعادة ملحمة جلجامش مجددًا عبر قتله ليوسع ثرواته وحصونه وموارده ويزداد سمعة بين الناس وشجاعة، واستطاع أن يفعل ذلك بمساعدة “أنكيدو”.

وعندما عاد جلجامش إلى المدينة، أعجبت الإلهة الشابة “عشتار” بقوة جلجامش ووقعت في حُبه وطلبت منُه أن يتزوجها ولكن الملك رفض ذلك، فقررت الإلهة عشتار الانتقام منه، وأرسلت إليه ثور سماوي للانتقام منه، ولكن استطاع أنكيدو الدفاع عن جلجامش وقتل ذلك المخلوق السماوي. ومن هنا بدأ كره جميع أعضاء الآلهة لجلجامش وأنكيدو، وفي نفس الوقت تدرك الآلهه أن جلجامش يحمل دم الآلهة فلا تريد قتله، فقررت الانتقام منه بواسطة قتل صديقه المقرب أنكيدو، وبالفعل أصيب أنكيدو بمرض جعله يموت ويفارق الحياة.

تقول ملحمة جلجامش إن الملك حزن حزنًا كبيرًا لفقدان صديقه العزيز، ومن هنا أدرك جلجامش أن البشر في حاجة لشيء ليبقوا أحياء وأن أكبر عدو لا يستطيع أن ينتصر عليه هو الموت؛ لهذا انطلق جلجامش باحثاً عن سر الخلود في هذه الحياة برحلة مليئة بالمغامرات والتحديات والتشويق والغموض، وكانت غايته من هذه الرحلة الوصول الى شخص يدعى “أوتنابشتيم” وهذا الشخص فقط يعلم ما هو سر الخلود.

وبعد رحلة شاقة، وصل جلجامش لـ”أوتنابشتيم” والتقى به وسرد له الأخير الكثير من القصص والحكم والفلسفة عن الحياة، وكلمه أيضاً عن طوفان كبير حدث في زمن من الأزمان، ترجح بعض المصادر أن قصة الطوفان المذكورة في ملحمة جلجامش هي قصة الطوفان التي حصلت في عهد النبي نوح علية السلام.

وعندما طلب جلجامش من أوتنابشتيم سر الخلود رد عليه أن كان بإمكانه ألا ينام لمدة ستة أيام وسبع ليالي سيصبح خالداً، حاول الملك ذلك ولكنه فشل وغلبه النعاس ونام، وعندما استيقظ حزن كثيراً لأنه فشل في الأمر، وطلب من أوتنابشتيم أن يصفح عنه ويعطيه فرصة ثانية، ولكن أوتنابشتيم رفض وطلب من جلجامش أن يحزم أمتعته ويعود لمدينته.

ولكن زوجة أوتنابشتيم حزنت على جلجامش الذي جاء من مكان بعيد وتحمل مشاق الطريق وأخطاره فشفعت له عند زوجها، وقرر أوتنابشتيم أن يعطي لجلجامش فرصة أخيرة للحصول على الخلود فأخبره أن هناك عشبة تخرج في أسفل البحر ووصف شكلهان وقال له إن تناولت منها فستصبح خالداً في هذه الحياة.

استعد الملك بحسب ملحمة جلجامش للذهاب إلى البحر والحصول على العشبة، ونجح في ذلك ولكنه لم يتناولها فكر أن يأخذ هذه العشبة إلى مدينته ويزرعها ويطعم منها شعبه وأهله ليبقوا في صحة جيدة وشباب ويبقوا في هذه الحياة خالدين، فوضع العشبة على جانب الطريق وذهب ليغتسل وفجأة جاء ثعبان تناول العشبة، لم يستطيع جلجامش إنقاذ العشبة وحزن كثيراً لخسارته لعشبة الخلود فقرر العودة إلى مدينته وأن يستسلم للقدر ويتوقف عن البحث عن سر الخلود.

وأثناء طريق عودته إلى بلاده شاهد من بعيد سور مدينته الذي أنشأة منذ زمن، وهنا أدرك جلجامش أن إنجازاته وتصرفاته ستجعله خالداً في أذهان الشعوب والعالم بأسره، فحرص بعد أن أدرك هذا الأمر أن يحقق العدل والأمان والإنجازات العظيمة لبلده وشعبه.

ملحمة جلجامش هي الأساس الذي تعلمت منه البشرية الكثير من الحكمة والموعظة والأدب والفن وحتى سرد القصة والحبكة والعقدة، من ملحمة جلجامش استلهمت البشرية منها الكثير والكثير من الفوائد والنصائح في جوانب عدة. تبقى هذه الملحمة خالدة عبر العصور لأنها قدمت سر الخلود في هذه الحياة.

في النهاية، سر الخلود هو ليس بطول العمر وعدد السنوات التي تعيشها، بل بعملك الصالح وإنجازاتك.

اقرأ أيضًا: اللغز الأعظم (4) ما الغرض من اختلاف ترتيب بعثنا مع بعث آدم

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

آمنة المولى

مهندسة / العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق