أسلوب حياة

جرّمتها بعض التشريعات.. السخرية على ميزان الأخلاق

السخرية كسلوك لم يعد يُوصف بكونه سلوكاً لا أخلاقياً في بعض المجتمعات اليوم، ولكن ما هي الحقيقة؟ هل السلوك الساخر حقاً سلوك عابر ومُعبّر كما يدعي البعض؟ هل السخرية كسلوك يؤثر بالإيجاب على المجتمع؟ كي نوضح الأمر ونضع حدوداً لمفهوم السلوك الساخر، سأوضح بقصة اعتبارية.

في منتزه للأطفال كانت هناك عائلة مكونة من أب وأم وطفل، بينما كان الطفل يلهو كانت أسرته تراقبه في انسجام، وحينما جاء وقت الرجوع إلى البيت قامت الأسرة بالنداء على الطفل وإخباره أنه جاء وقت الذهاب إلى البيت.

جاء الطفل إليهم وأشار إلى تمثال زينة كان في منتصف المنتزه وقال “أين سيذهب ” قالوا له في ضحك “لن يذهب إلى أي مكان”، فقال “أليس له منزل” قالوا له “كلا ليس له”. فحزن الطفل وقام بالجري ناحية التمثال واحتضنه، ما المغزى من هذه القصة؟

هنا، يأتي سؤال في ذهني، هل يجوز السخرية من سلوك الطفل؟ في الحقيقة، لا بكل تأكيد؛ لأن السخرية من جهل الطفل يعتبر جهلاً. إن السلوك الساخر في أحيانٍ كثيرة ينم عن جهل صاحبه.

السلوك الساخر  والرفض المجتمعي

أحيانًا تكشف السخرية جهل صاحبها، فتجد شخصاً يغطي جهله بالسخرية من الناس وجهلهم، فالسلوك الإنساني يقسم إلى قسمين؛ صواب أو خاطئ، حيث إن اعتبار السخرية من السلوك الصائب هو قمة الجهل والتغييب الفكري واللا عقلانية. والسلوك الخاطئ يقسم إلى قسمين؛ سلوك متعمد أو سلوك غير مقصود، والشخص الذي يقوم بسلوك متعمد فيه جهل أما أن يكون جاهل يحتاج للتعلم، حيث إن السخرية منه جهلاً وتضييع لفرصة تعليم شخص.

وقد يكون شخص متكبر جاهل يرفض التعلم فالسخرية منه لا تفيد بل تزيد الأمر سوءاً. فإن كان هنالك أمل في أن يتعلم ويتغاض عن كبره فأنت بسخريتك منه تضيع الفرصة إلى الأبد. أما الشخص الذي يقوم بسلوك خاطئ عن غير قصد أو عمد فذلك من الحماقة السخرية منه حيث إنه يضعك أنت في المشكلة ويضعك في موقف الجاهل لجهل الناس أي تجهل أن بعض الناس يجهلون بعض الأمور.

إذن الاستنتاج أن في كل الحالات السخرية من سلوك البعض يعد أما جهلاً أو فجوراً فمن على صواب لا يصح السخرية منه ومن على خطأ ليست الطريقة الصحيحة في تعليمه أن تسخر منه.

موقف الأديان من السخرية

وعن موقف الأديان من السخرية، فإن ديننا له موقف من السخرية، ففي الإسلام حرم الله -سبحانه وتعالى- السخرية وربط الله بين السخرية و الجهل في قوله تعالى “وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ”.

وما كان من سيدنا موسى – عليه السلام – حين اتهمه قومه بالاستهزاء بهم إلا أن أنكر موضحاً أنه ليس من القوم الجاهلين أي أن هناك رابط بين الجهل والسخرية ويتضح الأمر أكثر في قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون”.

إن ذلك لأكبر مثال على تحريم الدين للسخرية وذلك الأمر لم يقتصر على الدين الاسلامي بل إن نفس الأمر في المسيحية ففي سفر يشوع “الاِسْتِهْزَاءُ وَالتَّعْيِيرُ شَأْنُ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَالاِنْتِقَامُ يَكْمُنُ لَهُمْ مِثْلَ الأَسَدِ.”

السخرية في المجتمع الفني

إنه لأصبح من المسلمات في السينما الرديئة أن تجد سخرية من شخص لشكله أو لجنس أو لحجمه أو على أي شيء وذلك ينتج مجتمع متنمر سلبي، إنه لمن المؤسف أننا لمن نعد ننظر بعين الاعتبار لمدى تأثير مثل تلك السلوكيات في الوسط المرئي والمشاهد.

إنه لمن السخيف أن نعتبر السخرية والاستهزاء من البعض أمراً فنياً أو يستحق الإشادة. يجب علينا ننقي المجتمع من شوائب الأفكار الفاسدة.

اقرأ أيضًا: التربية ما بين تأملات مثالية وواقع مجتمعي مؤلم

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Omar Sobhy

صحفي بمجلة عربي 22 ليسانس اداب جامعة الإسكندرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق