سياسة وتاريخ

جذور الليبرالية العميقة وصعوبة انهيارها

إن الحديث المتزايد عن انهيار النظام العالمي وسقوط الليبرالية يشعرك أن النظام جامد وغير قابل للتكيف والتطور، لكن المتصفح للتاريخ وكيف تطورت الليبرالية يجعلك تعيد التفكير ألف مرة بانهيارها، ويكفي أن تأخذ مثالين توضيحيين عن مدى المرونة التي تتمتع بها الليبرالية؛ الأول مثال يشرح قدرتها على التكيف حتى على صعيد مبادئها الأساسية، والآخر قدرتها على التكيفات التكتيكية لحل المعضلات التي تعرض لها في مسيرة تطورها.

فمن منا لا يذكر الكساد الكبير الذي نتج عن سياسة الليبرالية الكلاسيكية لآدم سميث، والتي كانت تقدس الروح الفردية وتسعى جاهدة للحد من دور الدولة في العبث بآليات السوق التي تنظم الحياة الاقتصادية دون تدخل الدولة، لكن بعد الكساد الكبير، وقفت الليبرالية عاجزة عن إصلاح نفسها بآليات السوق، لكن سرعان ما جاء من بين صفوف الليبرالية من أصلح ما ينتج عنها من مشكلات، وجاء كنز بنظريته التي نادت بتدخل الدولة في حالات الأزمة من أجل دفع الاقتصاد للتخلص من شوائب الدورة الاقتصادية العادية؛ كالركود أو من المشكلات العظيمة كالكساد.

أما في مثالنا الآخر عن القدرة التكيفية لليبرالية مع العوارض التي تعيق عملها، ولنأخذ مثالًا كالتالي؛ إن أحد المعضلات التي تواجهها الليبرالية الجديدة في بناء المؤسسات الدولية التي تنظم العلاقات الدولية، وتجعل العالم مترابطًا بصورة تعزز من فرص السلام وزيادة النمو الاقتصادي، وتقلل من أسباب الصراع؛ هو غياب الشفافية الدولية، وهذا يدفع الدول إلى التكهن في النوايا المستقبلية للأطراف الدولية.

وكلما كان تكهنًا سلبيًا، كلما كانت توقعاتها كارثية، وهذا يدفعها لتبني سياسات هجومية مبنية على تبني سيناريوهات متشائمة أساسها النظرة المؤامراتية، ولكي نفهم تشكل هذا الفكر لا بد من استعراض معضلة السجينين؛ والتي هي باختصار تقوم على أن هناك سجينين لا توجد أدلة كافية لإدانتهما، فيوضعان في مكانين معزولين ويعرض عليهما كل على حدا، إما أن يعترف على شريكه وفي هذه الحالة يخفف عنه الحكم ويثقل الحكم على شريكه، أو يؤثرا الصمت فيخرجا براءة، أو يحكم عليهما بحكم متوسط إذا اعترف كل واحد على الآخر.

وهنا تلعب ثقة كل طرف بالآخر دورها في حكم كل واحد منهما، في ظل عدم توفر العلاقات المباشرة بينهما ليتفقا على حل، ولكي تحل الليبرالية هذه المعضلة اخترعت ما يسمى المؤتمرات الدولية لزعماء العالم من أجل التشاور والاتفاق كمؤتمر دافس وقمة الثمانية وقمة العشرين وغيرها، فهنا تتضح نية كل طرف للآخر، فلا يتبنى أي طرف قرارًا كارثيًا مبنيًا على الأخذ بالمعطيات السلبية المبنية على قلة المعلومات، والمأخوذة من التكهن بالنوايا.

لكن ومن المؤكد أن علينا التفكير بحجم المرفقات التي جاءت كملحقات لليبرالية قبل التفكير بهذه السهولة بانهيارها، فمثلًا كانط عندما نظر لليبرالية كان يقصد الثلاثية الشهيرة له؛ المتمثلة بالاعتماد الاقتصادي المتبادل، والمنظمات الدولية، والديمقراطية التي تمثل الهيكلية التي تبنى عليها الليبرالية، ولك أن تتخيل الشكل الذي سيتحول له العالم إذا انهارت المنظومة الكنطية كاملة، هذا سيعيدنا إلى الجدلية الماركسية والحتمية التاريخية، وشخصيًا لا أعتقد أن المستقبل سيكون مبنيًا على قطيعة مع الحاضر، بل سيبنى عليه من أجل بناء نظام أكثر تطورًا، لكن من المؤكد أنه ليس بعيدًا عن الليبرالية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Bahaa Hariri

اجازة في العلوم السياسية دبلوم في تخطيط الدولة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية دبلوم في الادارة المحلية ماجستير في العلاقات الاقتصادية والدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى