سياسة وتاريخ

جدل «الأبويتين»

لا يغيب من الوعي الصريح والصحيح بطبيعة حركة جيش الحدود في سيطرتها على السلطة بالقوة سنة 1962، حقيقة أنها حركة تتجاوز مجرد مصادرة الاستقلال، بحد وصف الزعيم فرحات عباس في كتابه الشهير “الاستقلال المصادر”، بل تأتي بعد عقودٍ عدة من الكفاح والنضال الوطنيين لتغدو مصادرة للتاريخ الوطني برمته. ما جعل الأسئلة المتعلقة بالكينونة الوطنية تتراكم وتتعاظم عبر سنوات الفراغ السياسي الذي نجم عن ممارسة أبوية للوطنية، أوقع نظام “حركة جيش الحدود” الأمة ونفسه فيها، إلى درجة أنه تعذر عليه أن يجد لها حلًا يعطيه شرعية زمنية للبقاء على رأس بلد تقلب فيه الوعي السياسي والوطني تطورًا وتحولًا دون أن تصاحب سياقه التطوري ذلك، الدولة التي باتت حبيسة المنظور العصبوي الشللي الأول الذي احتكر بنيتها وبناءها وشاكلة سيرورتها.

في ذات السياق، يبرز جدل الهوية في أعقاب الكشف عن مسودة الدستور الجديد الذي اتُبِعَ في إعداده ذات الفوقية الوصائية التي أسس لها النظام الانقلابي الأول، بحجة عدم قدرة الشعب على التوافق السياسي، جدلٌ أريد من خلاله تحقيق غايات عدة تتصل بكل الإرادات إلا الإرادة الشعبية في التغيير وهو ما يعمل على تحقيق وفرض لا ثورية الحراك، وبالتالي لا تغيير جذري في بنية الدولة والنظام السياسي.

في مواجهة تلفزيونية، تسبق الحراك بفترة قليلة، جرت بين الحقوقي والناشط الحراكي عبد الغني بادي، وأبو الفضل بعجي الأمين العام الجديد لحزب جبهة التحرير الوطني، الحزب الحاكم، أو الحزب الذي حُكم باسمه، على حد قول زعيمه التاريخي الراحل عبد الحميد مهري.

انتقد أبو الفضل، المحامي عبد الغني بادي؛ لممارسات قيادة حزب جبهة التحرير الوطني، صارخًا في وجهه “جبهة التحرير الوطني هي التي جعلت منك رجلًا” فما كان من الأخير إلا أن رد عليه قائلًا: “أبي هو الذي جعل مني رجلًا وليس حزب جبهة التحرير الوطني”.

يتضح فيما بين الأبوية السياسية والأبوية البيولوجية، اللتين طرحتا في النقاش، قصة الدولة والسلطة والنظام في المجتمع الجزائري لما بعد حركة جيش الحدود صائفة 1962، وهذا من خلال فراغات المعنى الكبرى التي خلقتها تلك الحركة الخاطفة والخاطئة في التاريخ والتي يستميت الأحياء من أبطالها في الدفاع عنها بوصفها “حامية للاستقلال ودارئة للفوضى والحرب الأهلية التي تهددت إبانها الوحدة الوطنية”.

ولا يرى أبو الفضل الجزائري، سوى نبتة متمردة على أرض اسمها جبهة التحرير، في اختزال غير موضوعي ولا منطقي للكينونة الوطنية داخل الرؤية السياسية لهذا الحزب، وكأن الجزائر هي الطارئة على جبهة التحرير الوطني وليس العكس، وكأن الحزب هو من أنجب الوطن وليس الوطن من يفرز الحزب فلسفةً وتنظيمًا، في حين يجسد الأستاذ “بادي” بتأكيده للأبوية البيولوجية حالة البراء من فشل مشروع الوطنية بسبب تحولها إلى “أبوية” تجعل من الوطن محتشدًا ومن الشعب عبيدًا لسادة ظهروا من عدم أو عدمية تاريخية.

طبعًا لم يكن للوطن المحتشد من مصير سوى التفكك كنهاية حتمية منطقية أكدها التاريخ لكل قصة جديلة بين إرادة الأسر وإرادة التحرر، وراحت أبوية الحقوقي عبد الغني بادي تكتسح مناطق الأبوية الوطنية لأبي الفضل بعجي التي أسست لها حركة جيش الحدود في ظل فشل مشروعها الأحادي (الأبوي) في بناء وطن كبير (وليس محتشد) متعدد الرؤى متنوع الأفكار والمشارب.

وبتقلص الأبوية الوطنية وتراجعها صارت الأسئلة المتعلقة بالوطن، المجتمع، الهوية، والمشروع الوطني، تنساب لتفيض وتعتصر الزمن الوطني دون أن تجد لها بالمقابل قوة حجية في الإجابة، لا من قبل النظام ذاته ولا من قبل النخب السياسية التي ظهرت مع التعددية التي أقرها دستور 1989 لكون الفكر والسياسة عاشا تحت هيمنة الوصايا وبالتالي في ظل تاريخ وطني رهين زمن جزائري محتبس.

هذا الحجر على الوعي الوطني وعدم تركه يخرج لفضاءات السؤال المعرفي وتطورات أنساق الاجتماع والسياسة في العالم، أدى بالمجتمع إلى حالة من التشظي والانفراط عن العقد الوطني الذي تنامى وتلاءم وتراكم لأزيد من قرن ونصف جثم فيها الاستعمار على صدر الأمة. فراحت حركات البديل السياسي تنزع عنها كل الرؤى التاريخية والسياسية الرسمية للمجتمع، بحسبانها من مفتريات النظام على التاريخ، لتحاكي تجارب أخرى في الانتماءات الدينية الإثنية واللغوية، تبنى لها معاني قاطعة مع أصول المجتمع التاريخية وترسم لها رموزًا جديدةً لتأكيد رفضها لنموذج الأمة التي فرضها نظام حركة جيش الحدود وهذا في ظل عجز هذا النظام عن طرح نقاشات بخصوص الأسئلة الكبرى المتصلة بالهوية وتاريخية الكينونة الوطنية، واكتفائه بالتحجج ببيان أول نوفمبر وإشهاره كلما اقتضت ذلك الضرورة الخطابية، كإطار تأسيسي للوطن دونما تفسير تحليلي وتأويلي لهذا الإطار ما جعله بحسب البعض يضيق وِسعًا.

وهكذا تصاعد التضاد وتعمقت القطيعة بين مجتمع يتطور ويتغير في سير وعيه، ونظام مستقر في سريره لا يريد بل لا يمكنه أن يتطور أو يتغير إلا إذا تكسر على طريقة معالجة الجبيرة الخاطئة لكون عظمه نمى بشكل خاطئ، وطبعًا أي كسر أو تكسير سيكون بمثابة نهايته في ظل الرفض القاعدي الكبير له وهو ما يجعله يستميت عبثًا في البقاء مهما كلف ذلك من مشاكل للأمة ولو كان ذلك على حساب مستقبل ومصير البلاد.

من هنا، يتضح للجميع سبب إصرار النظام على بقاء جبهة التحرير الوطني في ساحة وعي سياسي وفكري جديدين، إذ يروم من وراء ذلك، الإبقاء على مركزيته القهرية في التاريخ الوطني، والظهور بمظهر السليل الشرعي للنضال الوطني المؤسس للدولة الوطنية، وحتى لا يظل حبيس معركة الماضي مع أسئلة هذا الوعي الفكري والسياسي الجديد ويضيع معركة الحاضر بنى له صنمًا جديدًا سمي بـ”التجمع الوطني الديمقراطي”، جمع فيه قدماء خدام إدارته وبعض من أثريائه وشلة من النخب الانتهازية المهاجرة فصليا من أحزاب إلى أخرى، والحق بالحزبين شريك إسلامي (حركة حمس) كتابل خفيف من توابل طبقه الكلاسيكي وبذلك أعطى معنى ديكوريًا لبيان نوفمبر في عبارته الأكثر إثارة للجدل وهي: “إقامة دولة وطنية (جبهة التحرير الوطني) ديمقراطية (التجمع الديمقراطي) في إطار المبادئ الإسلامية (حركة حمس الإسلامية)”.

عجز هذا المعنى الديكوري غير الفلسفي ولا العملي الذي ينتجه التدافع السياسي والتناظر الفكري داخل إطار حر من الممارسة الوطنية للسياسة والممارسة السياسية للوطنية، عن أن ينقذ النظام من ورطته في اختطاف التاريخ وكان أدنى بكثير من أن يقدم أجوبة عن أسئلة الكينونة الوطنية الكبرى وعلى رأسها الهوية.

هكذا مأزق لسؤال الذات الوطنية سيختزله ويختصر في الإجابة عنه الفقيه الدستوري محمد لعرابة، بالقول إنه على الشعب الاستعداد في التجربة الدستورية القادمة للقبول بخلوها من النصوص المتعلقة بالهوية، وأن قيمة “المواطنة” ستكون كافية للتعبير عن طبيعة الكينونة الوطنية.

معنى هذا أن النظام إذا ما مضى بهذا الاتجاه، أي أنه يريد ترسيخ وترسيم بل وتطبيع حالة الفراغ في البناء المرجعي للدولة التي تسبب بها هو من خلال حركة جيش الحدود والتي تتجلى في صراع الأبويتين السياسية والبيولوجية ما سيكرس بل ويعمق من الشرخ الحاصل في الخطاب الوطني بسبب جوعة الانتماء وظمأ المعنى الذي عاشه مجتمع السياسة جراء سياسة مجتمع سلكها بشكل أحادي استبداي نظام شمولي.

والخلاصة هنا، تؤكد حيوية ومحورية الحراك في زعزعة وعي الاستقرار السريري للنظام وخلخلة البنى القديمة التي يُصار دومًا كما هو صار حاليًا، إلى ترميمها برغم هشاشتها لحمل وطن ثقلت موازينه بفعل أحمال وعي متراكم ومتراكب تم إنتاجه ونسجه خارج الأطاريح الصماء العصماء للنظام، وأي مسعى لتجاوز الحراك ليس كحدث وطني مثلما تمت دسترته مؤخرًا، بل كرؤية وفلسفة جديدة لمعنى الوطن والوطنية خارج نسق الشمول والوصايا غير الواعية على الوعي، سيكون مآله الفشل وسيقود حتمًا الدولة والمجتمع إلى المزيد من إهدار الوقت في محاولة الخروج من مستنقع الخطيئة الأولى؛ خطيئة مصادرة استقلال الوطن ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق