مدونات

جدلية الجدلية في الفلسفة والقرآن

في الأصل كان القرآن..

اخترت هذا العنوان على هذه الشاكلة الفلسفية على غرار عنوان “تهافت التهافت” للفيلسوف لابن رشد، وارتأيت به قضية فلسفية ومصطلحية في آن واحد، وهي في غاية الأهمية فلسفياً ووجوديًا ومنطقيًا.

الجدلية

ورد لفظ الجدل أو بعض مشتقاته في القرآن الكريم سبع عشرة مرة، وجاء أيضًا في الآية 27 من سورة آل عمران قوله تعالى “يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي”، فانطلاقاً من القرآن الكريم الذي يعتبر مصدر المراجع، يتضح لنا أن الجدلية بمفهومها الأدبي أو الفلسفي قد أخذ القرآن الكريم السبق في التطرق إليها.

الجدلية تعني تضارب الرؤى والأفكار المتداخلة والمتناقضة في ما بينها في مسألة معينة، وهي مشتقة من “الجدل” أي النقاش ،السجال أو الحجاج، وفي معناها الأصلي هي مصطلح فلسفي خالص.

أبسط مثال نستدل به عن هذا المفهوم -كما في مخيالنا نحن العرب- نقول مثلًا على سبيل الاستئناس: من الأسبق في النشوء البيضة أم الفرخ؟ فيكون الجواب على وجهين: البيضة والفرخ في نفس الوقت، وهذا ما أشار إليه القرآن في عدة أيات بقوله “يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي” كما ورد في تصدير هذا المقال.

والأمثلة على ذلك كثيرة لا تعد ولا تحصى، كما أن الكون أو الناموس الطبيعي كله أو جله مبني على هذه التداخلات والتكاملات، فمن الليل يخرج النهار، ومن النهار ينسلخ الليل، ومن نطفة يخلق الإنسان ومن الإنسان تخلق النطفة.. إلخ، وفي الفلسفة الكونفوشوسة الصينية القديمة هناك مبدأ أو مدرسة فلسفية فيه تجسد العلاقة بين الرجل والمرأة فيما يسمىyin/yong؛ فالرجل والمرأة في تكامل وتأثير وتأثر متداخل ومرتبط، فالمرأة مثل ترمز للضعف والرجل للقوة.

جدلية الجدلية

هي طريقة للتفكير La dialectique بادئ ذي بدء، الجدلية تعترف أو تقوم على تلازم وترابط المتناقضات (الفرضية أو الطريحة وعكس أو نقيض الفرضية)، والتي يمكن توحيدها في شكل أعلى في توليفة حصيلة أو خلاصة، وهذا التعريف الذي ينسب للفيلسوف فردريك هيغل فنده عدد كبير من الفلاسفة، مما خلق حجاجاً وتضاربات في مفهوم الجدلية.

فمثلاً بالنسبة لأفلاطون الفيلسوف اليوناني الذي ولد أربعة قرون قبل الميلاد، والمعروف بالمثالية يقول صاحب “الجمهورية “و”السفسطائي” و”المأدبة” بأن الجدلية هي” فن حوار يرتقي به العقل من المحسوس إلى المعقول”، وهذا يشمل المفهوم أو التعريف الهغلي، ولكن بطريقة ربما أعمق وأكثر استبطاناً.

أما بالنسبة لأرسطو فالجدلية بالنسبة له هي” استدلال على وجه الاحتمال”، وعند إيمانويل كانط رائد الفلسفة النقدية الجدلية هي “منطق الوهم”، ويبقى رأي فردريك هيغل الأقرب إلى الصواب، حيث يعرفها فردريك هيغل صاحب كتاب “فنومينولوجيا الروح” بأنها “استدلال يعتمد المتناقضات وتفاوت الأفكار، ليصل من بعد إلى عملية تركيبية” ، ولكن هيغل هو أيضا انتقد من طرف ابن بلدته “كارل ماركس” بكونه مثاليًا أكثر من اللزوم، وذلك عندما أخذه في مفهوم الذي يعتبر matérialisme historique “الجدلية التاريخية” من ركائز النظرية الماركسية، والتي عليها بنى المنظر كارل ماركس نظريته “الاشتراكية العلمية”.

مراجع:
  • قاموس المنهل، د. إسماعيل إدريس ود. جبور عبد النور.
  • Rachidi(Ibrahim), Epistémologie et méthodologie économique ; .Afrique orient,Maroc, 1996
  • مباهج الفلسفة، كتاب التلميذ، الأولى باكلوريا، أفريقيا والشرق، المغرب 2007.
  • الفاض القرآن، فؤاد عبد الباقي، 1938.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

حمزة خليف

ذ حمزة خليف باحث وكاتب منذ ٢٠١٦ ، مغربي من مواليد ١٩٧٧،له عدة مؤلفات لم تنشر بعد بصفة رسمية من بينها : .مقالات ومنشورات( بالعربية والفرنسية )؛ لغة الكلام ؛ معطفي قال لي ؛ عبد الملك بن مروان (في طور الإنجاز )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق