سياسة و تاريخ

جدلية الثورة والمعرفة أو من الوعي الثائر إلى العقل الثوري

مرت منذ أيام (31 أكتوبر) ذكرى وفاة مفكر الحضارة الكبير مالك بن نبي، دونما أن تلقى ما يليق بمقام هذا المشرح لأسس قيام وانعدام الحضارة ولا بتراثه الفكري والفلسفي المتصل جدليا بواقع الأزمة الأصيلة للمجتمع السياسي الجزائري، لكونه عاش في محضن تشكله السياسي والثقافي في ظلمة الكولونيالية الاستئصالية للجذور باعتبارها المؤسسة للقطرية الجديدة التي تشكلت واستشكلت في فضائنا العربي والإقليمي.

عدم استدعاء وأحيانا استعداء فكر مالك بن نبي في كل مناسبة تطرح فيها الأزمة الجزائرية المركبة على نحو يأبى التسطح في سياق محاولة النظر إليها وتقديم ما يكمن تقديمه من حلول، إنما يكشف في حقيقة الأمر عن حالة من الانفصام المعرفي للوعي الوطني الثائر الذي عرفت به شخصية الجزائري، بالمعرفة واعتوار للعقل الثوري الذي ما إن انصرم من فضاء الحقل النضالي الميداني، حتى انسجن داخل مثاليات ونظريات الثورة بقوانينها العلمية وفعاليتها العملية في التجارب العالمية، وهو ما كان المفكر مالك بن نبي يرفضه على اعتبار أن مسألة النموذج الحضاري يظل بعناصره الأساسية الناجمة عن تراكم التجربة الثقافية للأمم تفرض دائما أسئلتها على تلكم القوانين العلمية والنظريات القارئة لسنن التاريخ.

كيف كانت علاقة الثورة والمعرفة في التجربة الوطنية الجزائرية؟ لماذا ارتد النظام البوتفليقي كلية عن التوصيات الثورية التي لا يزال الكثير يقرأها بكونها محددات ملامح دولة الاستقلال وبانتفائها يتلاشي وجه هاته الدولة؟

نماذج مؤسسة وأخرى في التأسيس

إذا كانت الثورة في التجربة الإنسانية الواعية لدى الامم التي تنتج التاريخ هي المؤسس لهذا النموذج في التحول السياسي والاجتماعي، فإنها في تجارب الأمم التي لا تنتج شيئا لا تعدو أن تكون تأسيسا على التأسيس، لذا مضت التجربة الثورية المؤسسة وفق مسارات متطورة فيما ينعت بالنسق الثوري، في حين ظلت التأسيسات الثورية للنموذج المحاكي مجرد محاولات تمضي أحيانا وتكبوا في أحايين عدة تتعسكر في غالب التجارب وتتمدن في أندرها.

والواضح هنا أن لعالم الأشياء أثره في “النمذجة” الثورية، كون السبق الثوري إنما يتأسس عن تفاعل الوعي بأشياء التاريخ وهو ما أنتج وأنضج الرؤية الثورية “المؤسسة” تلك، في الثورة الصناعية الفاتحة لعهد الحداثة، في الثورة الفرنسية القاطعة مع سلطان الملكية، والإنجليز المستردين لسيادة الشعب على مصيره من القصر، في حين بقي تفاعل التجارب المحاكية مع صاحب الوفرة الشيئية وما تخلقه من تناقضات والأسئلة تاريخية على العقل الإنساني.

لهذا تظهر عندنا كعرب التجارب الثورية سطحية لا تنفذ إلى الأعماق، ويصدق تحليل مالك بن نبي في موضوع البناء النموذجي الحضاري وفق المشترك البشري لإبعاده الكونية، لكن مع الارتجاع الحتمي للشروط التاريخية المكونة للذات الخاصة والمركبة لعناصرها.

حدود الاستعارة الثورية

الهوس بالكونية كأفق نهائي للتدافع والصراع الإنساني، مثلما عبر عنه فرانسيس فوكو ياما بنهاية التاريخ، أهمل كل الخصوصيات وتنمذج في الوعي النخبي العربي بالأخص كبناء جاهز، ما أفقد المسألة الثورية لديه باعتبارها محكا دائما، ببعدها الحقيقي الكامن في الخصوصية، فتثويرات الفلاحة والصناعة والثقافة التي سلكتها نخب فوقية، آلت جميعها للفشل الذريع، وبدل الاستبصار في التحليل عن الأسباب الموضوعية أدت إلى ذلك الفشل، واستراح بعض الدارسين النظريين لمحاكمة المجتمعات كونها بحسبهم، من تأبى بفكرها التقليدي ونزعتها الرعوية أن تسموا هي إلى حيث شروط النجاح الثوري!

في الجزائر نهضت ثورة التحرير من الاستعمار على أساس مفاهيم ووسائل ثورية عدة، تنظيميا كانت الثورة ثمرة لمسار من الوعي الثائر الذي حازته الحركة الوطنية بمختلف فصائلها من احتكاكها ومحاكاتها مع الغير، لا سيما على صعيد الفكر الاشتراكي الذي كان سندا لكل قوى التحرر في العالم في فترة الحرب الباردة، وروحيا كان الإسلام بحمولته الروحية مولد الدافعية والحماس للشهادة من أجل الأرض والعرض، وثقافيا التفت حول معاني الذات المتصلة بالعمق التاريخي للجماعة الوطنية “اللغة العربية والإسلام”، وهكذا تشكلت حالة من الوعي الثائر أتاح للجزائري فرصة إيجاد مرتجع ثوري له يقوم على أساسه بثورته التحريرية.

خلود “التجربة” من الوعي الثائر إلى العقل الثوري..

الوعي الثائر لا يفضي بذاته إلى بناء ثوري، لارتباطه أكثر بالجدوى الحماسية منها إلى الفكر العميق، ثمة تجارب مشهودة حول الإخفاق الثوري في موضع انتقاله من عنف التأسيس إلى هدءة البناء، فالطبيعة كما يقال لا تحتمل الفراغ، هذا ما تجل في تجربة الأفغان الذين قاوموا التواجد الروسي على أراضيهم بالحماسة الثائرة، لكن سقطوا في مطب انعدام العقل الثوري الذي يفترض أن يقود مرحلة ما بعد العنف الثوري، فباتوا بما زعموا من جهاد حكايا من ماض مطوي منزوٍ في الذاكرة الإنسانية.

أما عن تجربة الجزائر، فإذا كانت القوة أداة فعالة في حسم الفوضى الثورية التي تسبب فيها العسكر بتدخلهم الانقلابي وسحقهم للشرعية عشية الاستقلال 1962، فإن العقل الثوري الذي يفترض أنه يشتغل بعديا على تجربة الوعي الثائر وما سبقه وما تلاه من واقع، كان قد شلَّ بفعل هيمنة السياسي/العسكري على التاريخ وعلى كل معاني الوطنية، حالة التجميد تلك خلقت صدام بين المعرفة المتجددة الوافدة والحمولة في عقول الأجيال، وبين وعي ثائر محتبس ومنكبس في الزمان والمكان، باحتباس السياسة وآلية ونظام الحكم وعدم خضوعهما للتغير وفق شروط التاريخ، الأمر هذا مكن بوتفليقة من تجاوز بوهمه الكاريزمي مقومات الثورة واعتلائها بدوافعه المرضية المتأتية عن جنون العظمة الذي ظل يسكنه، وصار يفسد في التكوين الجيني للخارطة الثورية للبلد على كل المستويات الرمزية، الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية والمؤسساتية، في ظل صمت ناجم عن فراغ في الإنتاج العقلي الثوري الذي كان سيحدد نسق الثورة الخاص الذي ضمن الخلود الثوري ويفرض بإنتاجه المتوالي نفسه على الكل وعبر كل الأجيال كما حدث في فرنسا، إنجلترا وأمريكا.

من هنا يتضح سبب ارتجاع الحراك الثوري في الجزائر من خلال الشعارات التي رفعت لفضح التجربة الوطنية الفاشلة لسلطة الانقلابات التي حكمت البلاد منذ ستة عقود، إلى مبادئ التأسيس الأولى التي ثار على قواعدها وعي الجيل الأول، وذلك من أجل تحرير “المنطلق الثوري” المنصوص عليه في بيان أول نوفمبر 1954 والمحتجز في قمقم النظام القديم الذي استولى على البلد ثورة وثروة ومعنى، فالحراك، بهذا المعنى، ليس فقط سعي لخلاص من جزء من النظام، أو حتى من النظام كله، بل هو وعي ثائر جديد أشعلت شرارته التناقضات بين مشروع نظام غير شرعي تاريخا وفلسفة وقانونا، وبين فكر إنساني جديد تحمله عقول أجيال جديدة وتحلم بتنزيله في واقعها المعاش، بيد أنه سيظل وعيا ثائرا في حدود الدافعية الحماسية التي قد تفضي إلى ما انتهت إليه التجربة الأولى، إذا لم يصاحبه عقل ثوري ناضج يعمل على معرَفته حتي يرقى إلى مستوى التأسيس الذاتي للتجربة تتيح له الخلود الثوري الذي لا نكاد نصله.

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق