أسلوب حياة

جدلية الإرادة: لم نخلق أحرارًا بل الحرية خيار باهظ الثمن

هناك أشياء خارج نطاق سيطرتك، منها ما حدث في الأزمنة التي سبقت مولدك، وطبيعة الكون، وسماتك الخاصة، ومنها موعد الوفاة، وحتى الكثير من الرغبات والمشاعر التي تنتابك فهي تبتعد عن حرية الإرادة وتدخل ضمن قائمة الأقدار.

وفي المقابل، هناك أشياء أخرى تتحكم فيها؛ وهذه هي أفعالك الحاضرة والمستقبلية التي يئول إليك أن تفعلها أو تمتنع عن فعلها. لكن هل نتحكم حقًا في أفعالنا؟ وهل طريقة تصرفنا تئول إلينا؟ وهل نمتلك حرية الإرادة في أفعالنا؟ لكن علينا أن نبدأ بالسؤال الأهم ما هي حرية الإرادة؟

حرية الإرادة هي القدرة على الاختيار بين تسلسلات مختلفة من الأحداث بحرية، وأن يتصرف الإنسان ويعمل بناءً على اختياراته الذاتية دون أن يكون مجبرًا أو مسيرًا من قوى خارجية.

وتعتبر حرية الإرادة من أقدم المشكلات الفلسفية وأعقدها، منذ فلاسفة اليونان وحتى اليوم، ويرتبط مفهوم الإرادة بمفهوم الحرية لينتجا مفهوم “الإرادة الحرة” وتم تعريفه بأنه فعل ما مصدره داخل الإنسان نفسه ويقوم على عنصري العقل والرغبة معًا.

المسؤولية الأخلاقية وحرية الإرادة

يقول الفيلسوف أرسطو في الكتاب الثالث لأخلاقيات نيكوماسي، أنه “بخلاف العوامل غير العقلانية لدينا القدرة على القيام أو عدم القيام والكثير مما نقوم به طوعي بحيث يكون أصله فينا ونحن على دراية للظروف الخاصة للعمل”.

علاوة على ذلك، يتخذ الإنسان خياراته بعد مناقشة الوسائل المختلفة المتاحة لأهدافه. وبالاعتماد على مبادئ العمل العقلانية تتشكل شخصية فاضلة أو شريرة وبمرور الوقت من حقنا أن نكون فاضلين أو أشرار.

نحن نعتقد أن الفعل ما نقوم به بأنفسنا أو نمتنع عن القيام به له أهمية أخلاقية خاصة؛ فجزء أساسي من مبادئ الأخلاق تتمركز حول المسؤولية الأخلاقيه الذاتية أي حول حدود فكرة أن يكون الناس مسؤولين عن الطريقة والتي يحيون بها.

وتقدم لنا الأخلاق مبادئ ومعايير ذات طابع الزامي بحيث نكون مسؤولين في الامتثال لها ونلام إذا لم نلتزم بها. وهذه المعايير تنطبق على تحديدنا للفعل وبالتالي تحتكم إلى حريتنا ولهذا نحن مسؤولون عن أفعالنا لا عن مشاعرنا ورغباتنا فهي خارج نطاق الحكم الأخلاقي طالما بقيت بمعزل عن الفعل، ويتعامل التفكير الأخلاقي العادي على أنهم مسؤولين أخلاقيًا عما يقومون بفعله أو يمتنعون عنه.

وفي هذا الموضع، تصبح فكرة الحرية مهمة لماذا يجب أن نكون مسؤولين عن أفعالنا؟ أو تركنا الأفعال؟ إن الفكرة الطبيعية هي أننا نتحمل مسؤولية أفعالنا لأننا قادرون على أن نحدد لأنفسنا أي الأفعال نقوم بها وأن تصرفنا هو مسؤوليتنا لأن فعلنا هو شيء يمكننا تقريره بأنفسنا ويرتكز التفكير العادي عن المسؤولية الأخلاقية على فكرة التقرير الذاتي وهو التصور الذي يعتبره حرية ففعلنا هو شيء نحدده بأنفسنا ما دمنا نتحكم في هذا الفعل وسنكون مسؤولين لأننا سنكون في موقع التحكم في هذا الفعل.

علاقة حرية الإرادة بالحتمية والضرورة

نشأت مشكلة حرية الإرادة في التاريخ الإنساني عندما بدأ يشك الناس ويرتابوا في أن أفعالهم يمكن أن تكون محدودة عن طريق عوامل مجهولة بالنسبة إليهم وبعيدة عن سيطرتهم وتحكمهم.

وترتكز الحتمية على مفهوم جوهري وأساسي هو أن الحدث مثل الاختيار أو الفعل يكون محددًا عندما توجد ظروف وأحوال وشروط تحصل عليها مسبقًا مثل القضاء والقدر، وأسباب وعلل سابقة، بالإضافة إلى قوانين الطبيعة والحتمية وهي مفاهيم فلسفية تتضمن كل حدث أو حالة من حالات الواقع بما فيها الفعل الإنساني، يكون نتيجة محتومة متعذر تجنبها بمعنى أن أفعال الإرادة والأحداث الطبيعية والظاهرة الاجتماعية والنفسية تكون محددة بطريقة سببية عن طريق أحداث أخرى أو قوانين الطبيعة.

لذلك يعتقد أسبينوزا أن القول بالحرية الإنسانية هو مجرد وهم ناتج من جهة أولى عن خيالنا وحواسنا، ومن جهة ثانية عن جهلنا بالأسباب التي تقف خلف أفعالنا.

ويرى رائد الفلسفة الواقعية بول سارتر، أن الإنسان كائن ينبض بالحياة فاعل وقادر على تجاوز الحتميات المحيطة به فالذات الإنسانية خلقت لتكون حرة وذلك لكونها تحوز على خاصية التعالي بمعنى أن الإنسان هو ذلك الذات الدائمة التجاوز لذاتها حيث تضع لنفسها وضعًا جديدًا في كل مرة فماهية الإنسان ليست ثابتة ومنتهية بل تصنع بالتدريج.

ومن هنا، نفهم تلك العبارة المشهورة للوجودية “الوجود سابق على الماهية”؛ فعندما أولد لا أمتلك ماهيتي بل أصنعها شيئًا فشيئًا، فالذات الإنسانية صانعة لعالمها، وكل ذات لا تستطيع أن تقرر أو تخرج من حالتها المعطاة والجاهزة وتترك العوامل الخارجيه تتحكم فيها وترسم لها ملامح شخصيتها هي ذات ذائفة.

ويعني أن يكون الإنسان إنسانًا هو أن يكون حرًا، وهذه الحرية لا تولد معنا بل نحن نصنعها ما دام الإنسان حين يولد يجد له اسمًا وطبقة اجتماعية ولونًا ودينًا وسياسة لكن بحريته يمكنه معاودة النظر في كل ذلك. لكن حسب سارتر، ثمن الحرية  باهظًا وهو المسؤولية وتحمل الصعاب، فمن يهرب من مسؤوليته يهرب من الحرية، والهارب من الحرية يتنازل عن إنسانيته.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق