مدونات

جائحة كورونا ونظرة في العقاب الجماعي

نجحنا نجاحًا باهرًا في إقامة الطقوس الدينية، وفشلنا فشلًا ذريعًا في العلاقات الإنسانية؛ فكانت كورونا عقاب جماعي يليق بنا، لتضعنا في حاجة ملحة إلى تصحيح مفهوم العلاقات الإنسانية من وجهة نظر إيمانية.

منذ شهور مضت كنت أشاهد ما يجري حولي من تصرفات البشر على مرأى ومسمع من الجميع. كنت أتعجب من السرعة المهولة من تلهف الكثير من الناس على المناصب والمال والجاه والسلطان حتى أصبحت ضربات قلب الحياة سريعة جدًا وارتفع ضغط الدم للمعاملات الإنسانية إلى معدلات قياسية كاد يتسبب في انفجار شبكة شرايين الحياة مرة واحدة. كان المشهد أمامي عجيبًا ويستحق التدبر فالمصلحة الشخصية قد علت عند معظم الناس على المصلحة العامة وأصبحت الغاية تبرر الوسيلة حتى لو تم إقصاء المتميزين والكيد لهم.

الكل نسي الكل عن قرب وعن بعد حتى وصل سوء الحال وارتفاع وتيرة الأنا إلى نسيان الشخص نفسه لنفسه وما يريد وما يحتاج وما يسعده حقًا ويرضيه بعيدًا عن متع الحياة، حتى وصل الأمر إلى نسيان معظم الناس علاقتهم بأهليهم وأصدقائهم وأولادهم وذويهم، فتحولت المشاعر الإنسانية إلى مجرد كلمات جوفاء خالية من أي مشاعر حقيقية، بل أصبحت الكلمات نفسها بلا روح ولا طعم ولا لون كنشرة الأخبار. أصبح معظم الناس يصفقون لأي موجة  عالية في الكون فجعلوها صفة سائدة وفي نفس الوقت أهملوا أي عادة حسنة فجعلوها صفة متنحية.

أصبحنا لا نبحث في أنفسنا أو في الآخرين عن الإبداع والإتقان كما أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الشريف “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”. بل أصبح الشكل أهم من المضمون حتى أصبح الهم الأكبر للجميع هو كيف يكون الشكل رائعًا حتيى ولو كان خالي من كل مضمون ولو أدى الحفاظ على الشكل استهلاك كل ما لدينا من إمكانات. إنه شيء مرعب ومخيف أن يصل الحال بمعظم الناس إلي هذا المستوى بل ويفعلونه بضمير يظنون أنه حي. وقد أدى ذلك إلى أن أصبحنا نبدو وكأننا نمتلك كل شيء من تكنولوجيا ومبان وسيارات وجامعات ومستشفيات ومدارس وقنوات ومواقع وشهادات ولكنها أصبحت مجرد أسماء كيانات لا تقوم بوظيفتها فأصبحت عبئًا وليس عونًا. والعيب ليس أبدًا في الكيانات الجامدة بل في الإنسان الذي أؤتمن عليها.

وتفاقم المشهد وازداد سوءًا حتى وصل الأمر إلى أن أصبحت علاقة الناس مع الله مكانيًا حدودها المسجد أو سجادة الصلاة، وحدودها زمانيًا بوقت الصلاة من خلال طقوس دينية تؤدى في مواعيدها أو تُقضى كنوع من الواجب المنزلي ليس إلا. وتحول المشهد العام في العلاقة بين الناس بعضهم البعض وبين الله كمشهد تمثيلي مملوء بالنفاق أو على أقل تقدير بالسطحية التي لا تغني ولا تثمن من جوع الحاجة إلى المشاعر الإنسانية الحقيقية التي تغذي القلب والعقل والروح، ذلك الثالوث الذي لا يهدأ إلا بعلاقة طيبة مع الله وعلاقات طيبة مع الناس، فكانت كورونا عقاب جماعي نستحقه.

وهكذا رأيت المشهد المأسوي الذي لا أخلي نفسي منه، وإن كنت قد حاولت عمل كل ما أستطيع وعن عمد، والله على ما أقول شهيد، أن أترفع عن ألهث خلف مطامع الدنيا الزائلة دون أن أفقد الحماس والهمة والعزم والإخلاص وأتقبل عطاء الله أيًا كان بالمنح أو المحن. وكنت أتسائل دومًا، هل يترك الله الناس على ما هم عليه وما تعودوا عليه حتى أصبح الفساد واللهو والغيبة والنميمة والبهتان والظلم والكبرياء والنفاق والرشوة والمحسوبية والاحتكار والغش والتنطع وسوء الخلق والألفاظ واللامبالاة والتفاهة وغيرها من سلوكيات لا يحاسب أحد عليها بل يعتبرها الكثيرون حقًا مشروعًا، حق من حقوقه لكي يأخذ ما يريد ويعطي لمن يريد. وكنت أجيب علي نفسي دائما بأن الحال لا يمكن أن يستمر هكذا ولابد أن يأتي الله بشيء ما علمناه أو جهلناه، فربك يُمهِل ولا يُهمِل.

وكأنني كنت أشعر بما هو قادم، فها قد أصبنا جميعًا على مستوي العالم وفي مصر، بهذا الفيروس التافه ليحبسنا في بيوتنا ويقصينا عمدًا عن بعضنا البعض ويصيبنا ببعض من الخوف وبنقص في الأموال والأنفس. وأصبح كورونا عقاب جماعي وحديث المدينة، هذا الفيروس وما يحدثه في الخلية والجسم والإنسان والمجتمع والعالم أجمع. فيروس لا نراه ولكن نؤمن به ونصدقه رغم شراسته. وهذا الفيروس ما هو إلا نموذج من نماذج السماء وقد يكون أضعفهم حيث أنه أحدثهم. ولكن الكون مليء بالمفاجآت التي قد تحل علينا في أي وقت، مفاجآت قد لا نعرف كينونتها أو قدرتها. ففيروس كورونا عقاب جماعي لا يمثل إلا مثال لما  قد ترسله السماء في أي وقت وفي كل مكان حتى يحتار الناس في أمرهم ولا يدرون ماذا هم فاعلون.

فهل يجعلنا ذلك نؤمن بقدرة الله على الثواب والعقاب الجماعي في الدنيا والفردي في الأخرة. ومع أن العقاب الجماعي شديد القسوة على النفس الا أن العقاب الفردي أشد قسوة لأن النفس لا تجد أحدًا يشعر بها أو يتعاطف معها أو يشاركه ويقاسمها نفس العقاب فتصبح رهينة العذاب والوحدة، والأخيرة أشد من العذاب.

أتمني أن يفكر الناس جيدًا في مصلحتهم الحقيقية ولا ينظرون تحت أقدامهم. والمصلحة العامة والخاصة تتطلب العودة إلى طريق الله وإنهاء المشهد التمثيلي الذي نعيشه علي مسرح الحياة نؤدي فيه دور الصالحين ونحن بعيدًا عن الإصلاح. وأنا هنا لا أتحدث عن الصلاة والصوم والحج والزكاة فمعظمنا يؤديها وبإتقان شديد، ولكني أتحدث عن العلاقات بين الناس بعضها البعض من ناحية، ومع مؤسسات العمل من ناحية أخرى، والتي فشلنا فيها فشلًا ذريعًا لا يتناسب مع الحضارة ولا التقدم التكنولوجي والمعلوماتي والرفاهية التي نعيشها مقارنةً بالسابقين.

قد أكون مخطئًا ولكن بعين المحقق والمحلل الذي عاش أكثر من 15 عاماً في الخارج باليابان وأمريكا يدرس ويعمل، وزار العديد من الدول في الشرق والغرب، أستطيع أن أقول أن المقارنة ليست أبدًا في صالحنا، اللهم فيما تقوم بيه الدولة ذاتها بكل ما تستطيع من مشروعات قومية قد لا نجني ثمارها إلا بعد سنوات. ورغم قولي وحكمي هذا إلا أنني أجزم أن لدينا فرصة هائلة لنعود بقوة ونخرج من شرنقة صنعناها بنفسنا لنقود العالم بما لدينا وليس بما يصنعه الآخرون لنا. ولنا في الأوائل عبرة خاصةً أن لدينا كل شيء.

فلنتخلص من المحسوبية والرشوة والنفاق واللامبالاة والفهلوة والغيبة والنميمة ولنعود إلى الإخلاص والإتقان والاحترام والالتزام حتى لو أصبحنا فقراء. هذه هي شروط رفع البلاء عنا بعد أن أصبحت كورونا عقاب جماعي فإن لم نفعل واستمرت الغالبية فينا على ما هو كائن فسوف تعود والعياذ بالله الجائحة وأسوأ شئنا أم أبينا. أصبح جليًا أنه من الذكاء الإيماني أن نعود للإخلاص في العمل رغم كل ما نعاني منه من الظروف القاسية فقط لنرضي الله وليس الناس. علينا أن نتخلى عن أداء العمل شكلاً وبأي وسيلة وأي درجة لأنه غش كما حذرنا الرسول الكريم وأخبرنا “من غشنا فليس منا”، ومن يهمل في عمله فهو غشاش بحكم الرسول وليس حكم  الناس.

الحل سهل وواضح وهو في أيدي الناس والقرار قرارهم. أرى أننا في حاجة ملحة إلى تصحيح مفهوم العلاقات الإنسانية وعلاقات العمل من وجهة نظر إيمانية، وهذا هو دور المساجد المدارس والجامعات والإعلام.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

د. محمد لبيب سالم

نبذة عن الكاتب ولد د. محمد لبيب سالم في 28 ديسمبر 1962 في قرية دهتورة مركز زفتي محافظة الغربية. ويشغل د. لبيب حاليا أستاذ علم المناعة بكلية العلوم جامعة طنطا ومدير مركز التميز لأبحاث السرطان والمدير السابق لمركز المشروعات والابتكارات ونقل التكنولوجيا بـجامعة طنطا والمشرف على مركز تنمية إقليم الدلتا التابع لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ورئيس مجلس ادارة الجمعية المصرية لأبحاث السرطان. حصل د. لبيب علي وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولي من السيد رئيس الجمهورية في 2019 وجائزة الدولة التقديرية لعام 2018 وجائزة الدولة للتفوق لعام 2009 وجائزة الدولة التشجيعية لعام 2003 وجائزة جامعة طنطا التقديرية لعام 2015. حصل د. لبيب علي بكالوريوس العلوم عام ١٩٨٤، وماجستير العلوم في ١٩٨٩، والدكتوراه في ١٩٩٥ من خلال بعثة إلي جامعة كيوشو باليابان. حصل علي منحة باحث بعد الدكتوراه في الفترة من ١٩٩٧ -٢٠٠١ ثم أستاذ زائر بالجامعة الطبية بكارولينا الجنوبية بأمريكيا الفترة في من ٢٠٠١ -٢٠١٠. د. لبيب باحث في علم المناعة له أكثر من 120 بحث وخمسة فصول في كتب علمية. و أكثر من 30 مشروع بحثي و 85 رسالة ماجستير ودكتوراه وشارك في 90 مؤتمر دولي والقي اكثر من 80 محاضرة علمية في مصر والخارج. د. لبيب عضو في اتحاد الكتاب مصر ومستشار علمي لمنظمة المجتمع العلمي العربي وعضو في هيئة التحرير والتقييم للعديد من الدوريات العلمية. قام د. لبيب بتأليف 8 اعمال ادبية من 2014 حتي الآن عبارة عن 4 روايات واربعة مجموعات قصصية وله أكثر من 70 مقالا في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية. كما يلقي د. لبيب محاضرات عامة في الجامعات والمدارس والجمعيات الأهلية عن الادب والعلم وتبسيط العلوم والإعجاز العلمي في البيولوجيا عامة والجهاز المناعي خاصة. كما أن له قناة على اليوتيوب يقدم فيها محاضراته. تأليف 56 مقال باللغة العربية في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية مثل الفيصل، العربي والعلم وكذلك على العديد من المواقع العربية مثل موقع منظمة المجتمع العلمي العربي وموضوع والصحف مثل روز ليوسف والديار والسبورة. أهم الأعمال الأدبية المنشورة : 1. رواية بعنوان "الرصاصة الجينية " – الناشر: دار النابغة –مصر 2019 2. كتاب "زواج بويضة" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2019 3. كتاب "سفاري إلى الجهاز المناعي" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2018 4. راوية بعنوان "وقت للبيع" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2014. 5. رواية بعنوان :كاندليه" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2016 6. مجموعة قصصية بعنوان "العشق الحلال" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2015 7. مجموعة قصصية بعنوان "زحمة مشاعر" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2015 8. مجموعة قصصية بعنوان "مشاعر لا تعرف السقوط". تحت الطبع. الناشر: دار النابغة –مصر 2019 9. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي اليابان " من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 10. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي امريكا" من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 11. كتاب بعنوان "تأملات في الجهاز المناعي – تبسيط العلوم - تحت الاعداد 12. كتاب بعنوان "تأملات في بيولوجيا النفس" – تحت الاعداد البريد الإلكتروني [email protected] [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق