سياسة وتاريخ

جائحة كورونا.. وباء وفرصة من ذهب

بالرغم من الكارثة وتوابعها اللتين سببهما فيروس كورونا المستجد القاتل للعالم بأسره، إلا أن هناك من وجد في الأمر فرصة لا تعوض لتحقيق مكاسب سياسية كانت أم اقتصادية أم إعلامية من الدول والأنظمة على حد سواء، واستطاع من خلال انشغال العالم بمتابعة أخبار القاتل الخفي أن يرتب أوضاعه بشكل يخدم مصالحه، ويجعله أكثر أهمية للمجتمع الدولي من ذي قبل، بعدما ينقشع غبار الوباء الفتاك، وتعود الأمور لطبيعتها، عملاً بالحكم العربية القديمة التي تقول مصائب قوم عند قوم فوائد.

أول المستفيدين من الجائحة الكونية هو النظام الصيني الشيوعي الذي خرج الوباء من أرضه، فقد انشغل العالم بمحاولة الوصول لحل للمشكلة التي صدرها الصينيون إليه، فهدأت حربه الاقتصادية الضروس مع الولايات المتحدة، وتوقف النقد الغربي لقمع الصين للحريات وحجبها مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، وأخيراً قتلها الممنهج لمسلمي الإيجور لتزيد من أعداد مواطنيها معتنقي البوذية في مناطق المسلمين، ويتسنى لها نهب موارد تلك المنطقة دون ضجيج.

نظام الأسد في سوريا مستفيد آخر، فمنذ استشراء الكورونا في العالم كالنار في الهشيم، انحسرت الأضواء عن الحرب السورية، فيما أفادت أنباء تتسرب من هنا وهناك شن طيران النظام بضوء أخضر روسي غارات على ما بقي من معاقل الثورة السورية في إدلب؛ للقضاء على الثورة نهائياً، وإعادة السوريين لعهد الحديد والنار، وبالتأكيد الوقت الحالي هو أنسب وقت ليفرض الأسد الابن واقعاً جديداً ينتهي بقبول المجتمع الدولي له على رأس السلطة بعدما رجحت كفته.

نظام الثالث من يوليو في مصر لا يقل سعادة بالكورونا من نظيره الوحشي القابع في عاصمة الأمويين، فمنذ التهى العالم بوباء الكورونا وتبعاته، لم ينبس العالم ببنت شفة ضد النظام، الذي انتقدت كثير من الدول الغربية تعاطيه القمعي مع الصحافة والصحافيين، وانتهاكاته الفجة لحقوق الإنسان التي أزكمت رائحتها أنوف ما يسمى بدول العالم الحر، حتى وصل الحال بالخارجية الأمريكية التي تمثل أهم حكومة غربية تحمي نظام السيسي لانتقاد تعاطي النظام المصري مع الملف الحقوقي، ودعته صراحة لإطلاق سراح الصحفيين المعتقلين وإفساح المجال العام لمعارضيه.

ساكن الإليزيه “إيمانويل ماكرون” استفاد بشكل كبير من هذه الأزمة، فمن المعروف تاريخياً أن الحروب والأوبئة توحد الشعوب خلف قيادتها السياسية، مهما كان حجم الخلافات بين هذه القيادة ومعارضيها من السياسيين من جهة، أو الناقمين على أدائها من الشعب من جهة أخرى، حتى تنتهي الكارثة الوطنية وساعتها تحين ساعة المحاسبة.

لكن كل أولئك المستفيدين من كورونا بنوا فرضياتهم على حسابات خاطئة، وأول هذه الأخطاء اعتقادهم أن عالم ما بعد كورونا هو نفسه العالم قبلها، فالفيروس كما عصف بحيوات البشر سيعصف بأنظمة سياسية فشلت في التعاطي معه، أو استغلته للتغطية على جرائمها، وحتماً سيعود أصحاب السترات الصفراء الفرنسيون للمطالبة برحيل ماكرون، والثوار السوريون سيقارعون بشار حتى التخلص منه، وسيهتز نظام العسكر المصري بعنف بعدما افتضحت أكاذيبه على المصريين والعالم خاصة خلال الأزمة الحالية.

باختصار عالم اليوم مقبل على تغييرات جسيمة لن يعيها الطغاة والمخادعون إلا وهم يسقطون كالأوراق الذابلة التي تعصف بها رياح الخريف، وسيكون الوباء الصيني أول مسمار في نعوشهم التي تحتفظ مزابل التاريخ لهم بأماكن خاصة فيها تليق بجرائمهم وأكاذيبهم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى