سياسة وتاريخ

“جائحة كورونا” بين الموقف العربي والغربي

داهم كورونا العالم -تقريبًا-، وكان لوقع المفاجأة ردود فعل متباينة بين تنافر وتجاذب في آلية التعامل مع معطيات وقاموس هذه الجائحة، التي انتشرت وبات دفعها القطب الشاغل لدى جموع الناس على اختلاف درجاتهم وطبقاتهم، حيث هبَّت دول وشمَّرت عن ساعد الجدِّ والسَّخاء، بينَّما تورات أخرى، ليس هذا فحسب؛ بل كشفت النقاب عن أثرة بغيضة حتى في المُلمات، وأسفر موقفها هذا عمَّا تضمره من حقد دفين على الإنسانية في أحلك الأمور سوءًا.

على هذا تراوحت مواقف الدول بين المنح والمنع، وكان كورونا خير شاهد على هذا كله، يسمع ويرى وترجم ذلك؛ فارتدَّ فعله هيِّنًا ليِّنًا في بعض الأحيان، بيْد أنه ارتدَّ عاصفًا قاصفًا في أحايين أخرى جرَّاء ذلك التفاعل.

كورونا والمنح العربي

تبوأ العرب المسلمون المشهد الحاتمي -كالمعتاد- على الرغم ممَّا يشهده واقع الحال الاقتصادي من عوَز، وصدَق فيهم قول الله سبحانه وتعالى: “وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (الحشر:9).

فهذه مصر تنبري تقدم مساعدات عديدة؛ تشمل أطنانًا من الأدوية والأغذية والكمامات، وكل ما من شأنه التخفيف من آلام وإيلام شعوب، وبلغت حدًا من التقدم مبلغًا عظيمًا ماديًّا وعلميًّا، مثل الصين وإيطاليا موطن الغائلة ومتصدرة الجائحة على الترتيب.

ها هي المملكة العربية السعودية رمز السَّخاء والفيض الإلهي، وذات اليد الطولى على العالم أجمع يتسارع كرمها النبوي، حيث وجه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز دعماً ماليًا قدره 10 ملايين دولار لمنظمة الصحة العالمية لمكافحة كورونا، وقدم مركز الملك سلمان بالتعاون مع المساعدات الإماراتية والصحة العالمية 81 سيارة إسعاف و6 عيادات متنقلة لـ13 محافظة يمنية ومساعدات صحية لليمن بقيمة 3.5 مليون دولار، وتابع “التقرير” أن أمدت المملكة العربية السعودية جمهورية الصين بمساعدات طبية لمواجهة كورونا، وجاءت المساعدات الإماراتية بأكثر من 100 شحنة لأكثر من 53 دولة حول العالم، شملت الصين وباكستان وأفغانستان وسوريا وإيران “وجاءت المساعدات الإماراتية بأكثر من 100 شحنة لأكثر من 53 دولة حول العالم شملت الصين وباكستان وأفغانستان وسوريا وإيران، ووفرت دولة الكويت 60 مليون دولار لصالح تمويل برامج الاستجابة للتصدي لفيروس كورونا عالمياً، وتضامن الأطباء العُمانيون المتدربون في المستشفيات الفرنسية مع زملائهم الفرنسيين لعلاج مرضى كورونا” (نقلاً عن تقرير قناة «مداد نيوز» السعودية- الأحد 5-4-2020).

حتى الصومال -البلد الأشد فقرًا- غازلته السليقة السخائية؛ فبادر بتقديم مساعدات طبية إلى إيطاليا على الرغم ممَّا قاساه من الهيمنة الإيطالية إبَّان القرن المنصرم، حيث كان قد شرع في تفتيت هذا البلد، واستولى على جزء منه فيما أُطلق عليه “الصومال الإيطالي”، وهنالك دولة قطر حيث وجّه أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بإرسال مساعدات طبية إلى إيطاليا، لدعم جهودها في مواجهة واحتواء تفشي وباء فيروس كورونا المستجد، وتشمل الدفعة الأولى من المساعدات إرسال طائرتين عسكريتين تحملان مستشفيين ميدانيين لإسعاف المصابين.

لقد أزمعت الدول العربية أمرها على بذل يد العون، صديقًا كان أم عدوًا كان قد استحال صديقًا بتقادم الأزمات وتقلب الأغيار، وتمثل فيهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس”.

بعيدًا عن هذا السياق، جاءت دول تتمتع ليس بنظام اقتصادى متقدم فحسب، بل باقتصاد متعاظم بلغ حدَّ الرفاهية، فإذا بهذه الدول تتعاطى مع  مستتبعات تلك الدَّاهمة تعاطيًّا سماته الجشع والغطرسة، سماته أنا ثمَّ أنا الأنا السلطوية، وعلى قمة هذا الهرم البغيض تترائى الولايات المتحدة الأمريكية، التي استولت على 200 ألف كمّامة طبية خاصة بألمانيا وفق ما ذكرته (بي بي سي) البريطانية.

كما أعلن وزير التجارة في تونس بوكالات محلية عن سرقة إيطاليا باخرة شحن محملة بالكحول الطبي، كانت متجهة إلى تونس من الصين، وذكرت وسائل الإعلام الإيطالية أن السلطات التشيكية استولت على أقنعة واقية صينية مُرسلة إلى مستشفيات إيطاليا، وكشف موقع (شبيغل أونلاين) الألماني عن اختفاء ستة ملايين كمامة طبية في أحد مطارات كينيا.

مسلسل الاستيلاء لم يتوقف، فقد أعلن وزير الصحة الألماني ينس سبان أن مشترين أميريكيين استولوا على شحنات كمامات صينية الصنع، كانت موجهة لفرنسا عن طريق دفع الأموال، وفي السويد، اتهمت شركة مولنليك الطبية السلطات الفرنسية بمصادرة ملايين الكمامات والقفازات الطبية التي استوردت من الصين لصالح إيطاليا وإسبانيا، ولم تستطع أوكرانيا شراء الكمامات من الصين بسبب دفع روسيا وأمريكيا وفرنسا الأموال نقداً للشحنات، كما أقدمت حكومة مدريد على مصادرة أدوية كانت موجهة إلى عدد من الدول وعلى رأسها المغرب، وهو إجراء شبيه بما أقدمت عليه دول أخرى، (نقلاً عن القدس العربى-8-4-2020).

لم يكن كورونا بمنأىً عن هذه الأحداث، لذا تلاحظ أنه لا يسير بوتيرة كارثية واحدة، با كلُّ حسب تجاوبه مع الحدث، مهما يكن من أمر فقد تأكد صلابة الموقف العربي الإسلامي، موقف لا تثنيه العقبات حتى لو كانت كئودًا، ورسَّخ مبدأ الشهامة العربية الذي أفرزته الأيادي البيضاء ذات المِنن وقت المِحن، في الوقت ذاته وبعيدًا عن هذا النسق، يتضاءل الرصيد الغربي الإنساني -في معظمه- ويتعاظم لديها الاتجاه الميكافيللي؛ الغاية تبرر الوسيلة شعارها دومًا.

صفوة القول، هنيئًا نحن العرب المسلمين حكومات وشعوبًا أن نزهو تيهًا، لا استكبارًا وتعاليًا، لكنما أصالة معدن وطيب محتدّ.

لهذا كُلِه، جِيء بالرد الكوروني عنيفًا مخيفًا على الجانب الغربي، وأتى مُتهاديًا حفيفًا خفيفًا على الجانب العربي؛ خانعًا خاضعًا؛ حيال المنح السعودي، وما خلفه ممن انتهجته رسْمًا ووسْمًا، جبارًا عتيًّا حيال المنع الأوروبي الأمريكي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

محمد عبد الله

الاسم: محمد سعيد محفوظ عبد الله دكتوراه فى البلاغة والنقد والأول فى مواد الفرقة الرابعة قسم اللغة العربية بآداب المنصورةعام 1994 بنسبة 81.54%-درس مواد امتياز-نشر ابحاثًا وكتبًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق