سياسة وتاريخ

ثورو .. وفلسفة اللاعنف في الولايات المتحدة

فلسفة اللاعنف في الولايات المتحدة .. ازدهر الأدب الأمريكي بعد الاستقلال وبلور شكلًا فريدًا خاصًا، وتميز بتمجيد المثل العليا، والاعتماد على الذات، واحترام الإنسان وحب الطبيعة والخروج على التقاليد الأدبية، والفكاهة. وقد ألهمت مقاومة الاسترقاق كتابات كثير من المثقفين.
وفى عام 1863، نشر رالف والدو إمرسون، عمل رعب غير روائي تحت عنوان “الطبيعة”، حيث زعم أنه من الممكن الوصول إلى حالة روحية مرتفعة بالاستغناء عن الدين المنظم، عن طريق دراسة عالم الطبيعة والتفاعل معه. لم يؤثر عمله فقط في الكتاب الذين تجمعوا حوله وكونوا الحركة المتعالية، ولكن تأثيره امتد إلى العامة. أكد المتعالون على أن بصيرة الإنسان وحواسه تسمو على المعرفة التي تأتي عن طريق المنطق أو الاستنتاجات.
وسرعان ما انضم هنري ديفيد ثورو للحركة وطبق أفكارها وسجَّل تجربته في كتابه “والدن”. عاش ثورو في كوخ على الشاطئ الشمالي لبحيرة والدن بوند، وألَّف الكتاب الذي تكلم فيه عن فلسفته المتعالية إلى جانب وصفه لما يوجد في البحيرة التي كان يقيم فيها. تتمحور أفكار المتعالين حول أن الإله يوجد في كل شيء: في الإنسان، والطبيعة… الخ.
فلسفة اللاعنف في الولايات المتحدة .. فقد كانت الطبيعة كتابهم المقدس. وانقسم المتعالون إلى قسمين: الأول: اهتموا بالإصلاحات الاجتماعية، والثاني: اهتموا بالفرد وضمنهم أنصار إمرسون وثورو. وكان بينهما قواسم مشتركة عديدة جعلت ثورو يعيش في بيت إمرسون مدة عامين. وقد كتب ثورو مقالا تحت اسم “العصيان المدني” حول المقاومة السلبية في مخالفة القوانين غير العادلة، وقد تأثر بأفكاره كل من تولستوي وغاندي ومارتن لوثر كينغ.
انصب اهتمام ثورو على كيفية صد الفرد لمجتمع طفيلي، يتودد للمرء بلا مناسبة، ويتدخل في شئونه بلا داع.
إن تاريخ اللاعنف طويل بالولايات المتحدة. فهذا الفكر اللاعنفي انتقل إلى أمريكا من أوروبا القرن 16 ونضج وتطور في أمريكا، ومنها انتقل إلى آسيا وأفريقيا.
وحقيقة ما حدث في أمريكا أن الشعب همَّ بتغير الوضع الاجتماعي فكان أمامه إما أن يستخدم العنف أو اللاعنف، ولكن الشعب قرر استخدام سبيل اللاعنف رغم قدرته على استخدام العنف.
بدأت فكرة اللاعنف في أمريكا عندما انخرط الأمريكيون في مقاومة الاستعمار البريطاني قبل الاستقلال، فقد تكونت جماعة الأصدقاء التي عرفت باسم الكويكرز Quakers رفضوا دفع ضرائب الحرب، والرق، واضطهاد الهنود الحمر. إن نقطة التحوُّل الكبرى جاءت في العشرينات والثلاثينات القرن 19، عندما بدأت مجموعة تطالب بإلغاء الاسترقاق في الولايات المتحدة.
كان هؤلاء المطالبون بالإلغاء جميعهم تقريبًا من المسيحيين، ولم يكونوا جميعهم ملتزمين السعي وراء أهدافهم بوسائل لاعنفية.
فلسفة اللاعنف في الولايات المتحدة .. لكن الملتزمين منهم شكلوا أول مجموعة حول هدف التغيير السياسي الاجتماعي ثم اختاروا اللاعنف وسيلة لهم. كانوا يؤمنون بالإله الحاكم للكون. لذلك قالوا إنه: لا يجوز مطلقًا لأي إنسان أن يمارس سلطة على إنسان آخر. وعلى هذا الأساس شجبوا الاسترقاق. لكن لما كان العنف دائمًا هو الطريق لممارسة السلطة، فقد انقادوا بصورة منطقية إلى نبذ العنف أيضًا. وفي هذا الجو من الفكر اللاعنفي ظهر ثورو الذي مارس الفكر اللاعنفي في مواجهة الحكومة سواء حكومة الدولة أو الولاية، لقد آثر حريته على ما عداها، وآثر ضميره الفردي على قانون الحكومة. ويبدو ذلك واضحًا في العديد من مقالاته؛ بخاصة مقالته عن العصيان المدني التي كتبها في عام 1849.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى