سياسة و تاريخ

ثورة تراوح مكانها

اشتعلت المظاهرات الغاضبة في مختلف المدن الإيرانية تباعاً، بعدما أعلن قائد القوات الجوية في الحرس الثوري الإيراني “أمير علي حاجي زادة” ظهر الحادي عشر من يناير الجاري مسئولية بلاده عن إسقاط طائرة الركاب الأوكرانية في الثامن من الشهر نفسه، خلال رد إيران المسرحي على مقتل قاسم سليماني بقصف قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار العراقية التي تتمركز بها القوات الأمريكية في بلاد الرافدين.

وكعادة النظام الإيراني عندما يورط نفسه في حماقة من حماقاته التي لا تنتهي، أنكر بادئ الأمر صلته بسقوط الطائرة الأوكرانية من خلال تليفزيونه الرسمي، الذي صدرت الأوامر للعاملين به بتكذيب المعلومات التي أوردتها وسائل الإعلام العالمية بضلوع الحرس الثوري في تلك الجريمة، قبل أن يعترف نظام الملالي بمسئوليته لاحقاً، ما أغضب واحدة من أشهر مذيعات التليفزيون الإيراني التي غردت على تويتر منتقدة الكذب الرسمي.

تلقف الشارع الإيراني التضارب الرسمي بغضب عارم، وتجمهر آلاف الإيرانيين في شوارع طهران ينعتون المسئولين بالكذب، ويسبون الحرس الثوري، وينادون بأعلى صوتهم أن عدوهم داخل إيران، في إشارة لنظام الولي الفقيه وليس الولايات المتحدة، ويتهمون علي خامنئي صراحةً بإعطاء الأوامر لقمعهم ودعم الحرس الثوري في المجازر التي يرتكبها.

لم يقف الغضب الشعبي الإيراني عند هذا الحد، فطفق المتظاهرون يهتفون ضد قاسم سليماني الذي جيّش له رأس النظام العنصري آلاف المشيعين قبل فترة قصيرة، وينعتونه بالقاتل، ويمزقون صوره، ويخطون على الحوائط شعارات مناهضة للنظام تطالب بإسقاطه، وكعادة النظام الفارسي؛ تجاهل أقطاب السلطة الاحتجاجات تاركين كل متخرص يتنبأ بكل ما يجول بخاطرته.

سكب أصحاب العمائم السوداء بتصرفهم ذلك البنزين على نار الغضب المتقد في صدور الإيرانيين منذ ما يربو على العامين، وكبرت كرة الاحتجاجات لتصل للجامعات الإيرانية، التي كانت معقلاً للتظاهرات ضد نظام الشاه؛ لتنتشر انتشار النار في الهشيم في أصفهان، وتبريز، وشيراز، وسمان، وأمل، كلها تنادي بشكل لا يحتمل التأويل بالتخلص من النظام الحاكم، واصفين القائمين عليه بعديمي الشرف والكاذبين.

نفذ صبر العصابة الحاكمة في طهران، وأطلق خامنئي يده لوأد المظاهرات، والجثوم عقوداً مديدة أخرى على صدور الإيرانيين التائقين للحرية التي حرمهم منهت الخميني وخامنئى، ومن لف لفهما من أذناب النظام الحاكم، لكن اعتقاد الولي السفيه في غير محله.

لقد تجرع الإيرانيون الهوان والقمع على يد نظام الملالي بشكل لم يعهدوه حتى في عصر الشاه، وذاقوا مرارة الانقلاب على إرادتهم السياسية، تارة بالعزل الجائر لأبي الحسن بني صدر أول رئيس منتخب، وتارة بتزوير الانتخابات الرئاسية عام 2009، وفرض أحمدي نجاد رئيساً عليهم، علاوة على آلاف الصحفيين القابعين في سجون النظام، وعزل إيران عن العالم بقطع الإنترنت عن البلاد كلما توترت الأوضاع السياسية فيه.

أما عن فساد رأس النظام ودائرته الضيقة فحدث ولا حرج، فقد وصلت ثروة خامنئي الذي ينعته أنصاره بوكيل الله على الأرض لستة وتسعين مليار دولار، فى حين وصلت ثروة ابنه مجتبي لسبعة ونصف مليار دولار، علاوة على مزرعة الخيول التي يملكها المرشد، وكذا نهب المحسوبين على النظام لأموال المودعين في مصارف البلاد، في وقت يعيش فيه آلاف الإيرانيين في المقابر وتمتهن فيه كثير من الفتيات البغاء.

يعصف الغضب بالشعب الإيراني كذلك نتيجة فكر النظام التوسعي الهادف لتصدير الثورة، وإعادة المجد الفارسي الغابر، وفي سبيل ذلك أهدر الملالي مليارات الدولارات، وأهلكوا الحرث والنسل في معارك وتدخلات لا طائل من ورائها، لدرجة إنفاق ما يزيد عن مئة مليار دولار لإنقاذ النظام العلوي في سوريا دون جدوى، كما زادت كراهية إيران في جوارها العربي نتيجة سياسات النظام العنصرية.

تدهور اقتصاد البلاد على يد النظام الإسلامي المزعوم، وتدهور سعر صرف التومان الإيراني، وتضرر القطاع النفطي نتيجة العقوبات التي تفرض على البلاد نتيجة البرنامج النووي العسكري، الذي هدف من ورائه القائمون على النظام لابتزاز الغرب؛ لفرض هيمنة إيران على جوارها، والمضي خطوة جديدة في بناء امبراطورية كسرى، لكن وللأمانة والتاريخ لم يكن ذلك الاحتجاج الشعبي الأول.

تظاهر الإيرانيون في نوفمبر 2019 ضد رفع سعر المحروقات لكن القمع أوقفها، وتظاهروا نهايات 2017 وأوائل 2018 ضد قمع وفساد وغباء النظام، ووصل الغضب بالمحتجين لحرق مقرات الحرس الثوري، وإحراق الحسينيات، في إشارة لرفضهم الصبغة الاستبدادية الدينية للحكم القائم، وسبقتهما مظاهرات 2009 التي نادى فيها المحتجون لأول مرة منذ سقوط النظام الشاهنشاهي بسقوط نظام ولاية الفقيه، وأخمدها الحرس الثوري بعد عناء.

تشتعل الثورة في إيران حيناً وتخبو أحياناً حسب تماسك الثوار واحتمالهم، وكذلك شدة قمع الملالي، لكن المؤكد أنها ستنفجر مرات ومرات حتى ينال الشعب المقهور حريته.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق