مدونات

ثورة الشائعات.. لهذا السبب نحن في حاجة لتحكيم العقل النقدي

جميل أن يعرف الإنسان خطأه والأجمل أن يسعى لتصحيحه، جميل أن يمحص الأمور قبل الحكم والأجمل أن يراجع حكمه إن أحس بالظلم الواقع على الخصوم، فالحقيقة المطلقة بيد الله خالق الأكوان ومن سلم أمره لله ارتاح واستراح، ومن ركن لعقله وحده دون وحي مولاه لن يسلم من هيستيريا الشائعات وتاه في دنيا الله. وقد يكون أبرز الأمثلة على ذلك هو انتشار شائعات حول كورونا مؤخرًا، سواء كان عن العلاجات أو سبل الوقاية وعدد الحالات وتفاعل الناس مع ذلك كله.

شائعات كورونا وثورة التأويلات

حينما دخل الوباء أول مرة وسجلت أولى الحالات بدأ البعض من الناس، يطلق النكت هنا وهناك، متناسين أن الأوبئة والأمراض من أقدار الله، وكل شيء عنده بمقدار، ولا يجوز البتة أن نستهزئ وننتقص من مقادير ربنا، بل المطلوب أن نعود لرشدنا ونتأمل بدل أن نتضجر.
وانتشرت شائعات عن كورونا هنا وهناك وتصدت القوات الأمنية لكل المارقين الذي ينقصون من خطورة الوباء، ويدعون الناس إلى المجازفة بحياتهم، حيث يطلق البعض الكلام كما يحلو له دون رقيب، فمن الناس من يحسب نفسه يفهم في كل شيء، وغالبًا من يستمع لهم يحكم عاطفته أكثر من عقله، فينفعل حينما يفترض أن يهدأ، ويتشاءم حينما يفترض أن يتفاءل.
لم تهدأ ثورة الشائعات حتى خلقت الهلع في النفوس المهتزة أصلا.
أما المتأولون فهم كثر، فالكل أصبح خبيرا في الجيوبوليتيك والكل يفهم في العلاقات الدولية، ويركن لنظرية المؤامرة لتفسير ما يحدث، أو يقوم بتشريح طبيعة الفيروس وكأنه خبير البيولوجيا الجزئية.

الولاء والبراء في عالم السياسة وكرة القدم

تقوم فكرة الولاء والبراء في العقيدة الإسلامية على أن تتولى الصالحين وتتبرأ من الكافرين والمنافقين، وهي إحدى السمات الرئيسية للمؤمن فلا يعقل أن تكون مؤمنًا وأنت تتحالف مع أعداء الله. لكن في عصرنا الحاضر أصبح الولاء والبراء في مجالات أخرى ككرة القدم، فأنصار هذا الفريق يسبون ويشتمون أنصار الفريق الآخر، أما التنابز بالألقاب فحدث ولا حرج، فالكل يبحث عن خطأ الآخر لينتقص منه ويسفه أحلامه، حتى يصل البعض إلى البغض والحب في سبيل الكرة.

وما هي في النهاية إلا رياضة كباقي الرياضات، لا يجب أن ينشغل الإنسان بها كثيرا فيفرط في جوانب حياته الأخرى، إني أرى الكثير من الشباب اليافعين من يضيعون زهرة أعمارهم في تتبع هذا الفريق أو ذاك ويتعصبون له حد التطرف، فيشنون الهجومات على خصومهم بدون تبصر، فيعادون لأجل فريقهم، فيحبون في سبيله ويبغضون في سبيله.

أما السياسيون فالتطاحن على أشده بين التيارات المختلفة، فمادمت من حزبي فأنت منزه عن الخطأ وإن أخطأت وزلت قدمك! ومادمت مخالفًا فنزاهتك على المحك، فصارت الإيديولوجية الخاصة بكل حزب هي الأداة للتمييز بين المتعاطف والخصم.
هي ظواهر مجتمعية تحتاج منا وقفة تأمل، وحركة تصحيحية كبرى نراقب من خلالها أفعالنا وأقوالنا ولا نتأول الكلام، ونبحث عن الحقيقية باطمئنان.

إن العقل النقدي هو الوسيلة الأنجح للحكم على الأشياء، واختيار تصديق أي شائعات سواء عن كورونا أو الكرة أو غير ذلك. فيجب على الإنسان أن يتفحص الأمر من كل جوانبه قبل الحكم وأن يجمع قاعدة معطيات تتيح له الخروج بحكم عام فيتفادى الحكم المسبق المبني على العاطفة الهوجاء، التي تضيع الحقيقة في غياهبها، فلنتعلم من علمائنا القدامى الصبر والحلم والأناة، فلنتعلم ألا نحكم على شخص أو فكرة حتى نقرأ عنه ونكتشفه، حتى لا نظلم ولا نُظلَم ولا نجهل ولا يُجهَل علينا.

 

قد يهمك أيضًا : لقاح كورونا آمن بعد التجربة ووجود الهيدروكسي كلوروكوين قد يزيد من الخطر

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق