سياسة و تاريخ

ثنائية المعرفي والسياسي كطارئ في الأوليات اللاتاريخية بالجزائر

1.
إذا كان الجدل الفلسفي هو مسألة أسبقية من السياسة كإنتاج تاريخي والمعرفة قد شكل أساس النقاش المعرفي في العلم، فإن السؤال عن طبيعة الانفصال والانفصام التام في الحجم وفي الزمن الحاصل بين السياسة والمعرفة في الجزائر قد طغى على كل النقاشات لما أحدثته عملية تسييس الثورة، ثم الاستقلال ثم صراع التحولات التي ما إن تفتر حتى تعود إلى أجيجها الأول وأحينا بنسق مهول في الحدة وفي المدة على شاكلة ما نعيشه اليوم في سياق أزمة الراهن التي عدت الأخطر في المسار التاريخي للوعي الوطني.

فما الذي يحول دون أن تتداخل المعرفة في الصناعة السياسية؟ لماذا يتم كبح جماح الكتابة السياسية بوصفها مولد المفاهيم من قبليات التجربة بما يخدم بعدياتها؟
2.
لعل النموذج الجزائري كان الأول في العالم الذي سيَّس التاريخ عوض أن يؤرخ للسياسة بسبب تجريد النشاطين (السياسة والتاريخ) من العقل وإلحاقهما بالوهج الوجداني الثوري المنصرم عن المكابح الموضوعية للوعي، إذ اعتبرت “الحقيقة” لعبة بين التاريخ والسياسة، وعليه تم قبر العديد من الملفات التي تعتبر حجر الزاوية في البناء الثوري الأول، ودونما تفتيحها لا يمكن فهم ما حدث وما يحدث حاليا وما سيحدث مستقبلا، ذلك لأن المنطلق التأسيسي للوطن لا يزال بلحظته القلقة الأولى هو من يوجه دفة الأحداث وهو من يعيد توليد نكسات الانطلاقة التي تحول دون تصحيح المسارات والشروع في بناء “الوطنية الجديد” كوعي متجدد قبل أن ننتظم في مشروع سياسي كبير اسمه الجمهورية الجديد أو الثانية.

وهنا لا زلنا كجيل متأخر نتساءل هل ما كتب عن السياسة ونشاطها وطبيعة سيرها في الحركة الوطنية، هو سياسة أم تاريخ؟ ذلك لأن لا السياسة اليوم كشفت عن أصولها التأسيسية ولا عن آفاق تطورها وتحولها في واقع الجزائر، ولا التاريخ ترك لروحه الموضوعية، فلربما ظل الجزائري الإنسان الوحيد يجهل عن ماضيه القريب (التاريخ الوطني) ما أدى به إلى العودة إلى سحيق الأزمنة ليعرف عن تاريخ أسلافه ابعيدين غير الملوثين بصراعات انبلاج الدولة القطرية، في زمن غير زمن والوعي وجغرافيا غير جغرافيا السياسة.

فبداعي الخوف من الانقسامات التي كانت تتهدد الوحدة الوطنية تم الحجر عن العقل الوطني الفتي وأزيح التاريخ عن المعرفة و وألحقت هاته الأخيرة بالشعرية الوطنية، والنتيجة أننا وصلنا بالوطن إلى حالة من العته السياسي الذي شمل المجتمع على المستويين الأفقي والعمودي نخبا وشعبا، الأمر الذي عقد من إمكانية الانتقال السياسي على الجميع سلطة، معارضة وشعب.

لقد فلتت السياسة من أيدي كتاب التاريخ وفلت التاريخ من أي كتاب السياسة لأن الفاعل السلطوي الذي مرق ببطشه وحركاته عن المجالين استدام في التحكم فيهما، عبر وسائل لا تاريخية ولا سياسية وهذا مد قطع مع مسار تطور نشاط الحركة الوطنية وميراثه الوطني الغني بأطاريح، ورؤى للتاريخ الوطني كانت خلاصة لنشاطات عقلية شكلت الإرهاصات الأولى للوعي والوطني، ومن مؤسسات حزبية عكست مبلغ التحديث الذي انتهى إليه جيل السياسة الأول في الجزائر.

3.
ما الذي حدث بعد أن انتفى التهديد بالحرب الأهلية سنة 1962، هل أعاد النظام النظر في رؤيته وفك الاشتباك الذي حبكه بين السياسة والمعرفة؟ طبعا لا فالتهديد الذي تخوف به على المجتمع صار يستشعره على كيانه ومن ثم أصر على أن يأخذ خطابه طباع الديمومة ونزاح كلية عن الاستثنائية التي حمل عنوانها لعبور مرحلة القلق الوطني الأولى، فواصل تكميم العقل ودعم خطاب الشعرية الوطنية على حساب الشرعية السياسية، وانتصرت الكتابة الكاذبة على الحقيقة المؤودة، وسط ظروف دولية اقتصادية والسياسية مريحة، منحت للنظام فرصة الاستمرار المضي فوق الحقيقة التاريخية لعقدين من الزمن، غييب فيها شكل الجزائري عن مرآة التاريخ فلم يكن يعرف عن نفسه ومصيره إلا ما يسمعه من أصداء الآخر، ونتيجة كانت السقوط في جحيم حرب أهلية لعشرية كاملة، ظل يتحجج ويتبجح بكونه ضامن عدم وقوعها ودرءها عن المجتمع.

ولأن الفاعل السلطوي في الجزائر، المغتنم للوطن بعد الاستقلال، المعتم لصوت الوطنية الحقيقية، ظل مارقا عن السياسة والمعرفة وتطورهما في التاريخ، سقط وفي وحل اللا تطور وصار يجتر لحظة انبثاقه الأولى ويحاول بلا جدوى الانخراط والتموضع في أحايين حاضر بدا فيها متغرب هو عن طبيعته، وهذا كله مع الإصرار المستمر على عدم الانزياح وال استسلام والانقذاف من الى العدم حيث طفا على السطح أول مرة، فاعل سلطوي مارق عن السياسة والمعرفة لا يتطور وارتهن معه في لا تطوه ذلك، مجتمع متطور بطبعه، بمسارته وتفاعلات نخبه وأجياله، وهو ما أبرز حالة الاحتباس السياسي والوطني الكبرى التي يعرفها المشهد الجزائري مذ سقطت تجربة بوتفليقة الذي مثل التجسيد الفعلي للفاعل السلطوي المارق عن السياسة والمعرفة، في قعر الوهم.

4.
لقد أدت حالة الحجر السياسي على “العقل الوطني” بالسيطرة على المعرفة وأساسها الأبرز الكتابة، تعطيل ظهور كتاب سياسيين كبار يقفزون على “الشعرية الوطنية” والنقد الصوري لنشاط السلطة غير الشرعية منذ الاستقلال، لينفذوا إلى أعماق الجينات المكونة للجسد السياسي للوطن والوطني للسياسة بالجزائر، فيعملوا بالتالي على تقديم الحقائق من أحقاب والولادة الأولى للوعي الوطني ثم نموه إلى راهن لحظته لحالية.

في العالم المتقدم حيث السلط محترمة تشتغل بمبدأ الانفصال والاتصال وفق المعنى الوظيفي للمفهومين، لا يكاد مجتمع يخلو من كتاب شكلوا المرجعية الوطنية في فضاء المعرفة السياسية والتاريخ، صحفيين، أدباء، محللين، صاروا يمتلكون مصداقية فوق العادة في الأوساط الشعبية تفوق بكثير مصداقية السياسي أو الحاكم، إلا عندنا نكاد نعدم تجربة في هذا الحقل، رغم مرور ستة عقود عن الاستقلال، حتى لأنه يستعسر علينا عمل تصنيف جيلي للكتاب الصحفيين، بسبب انتفاء “الميزة الجيلية الوظيفة” وانتفاء الانجاز الوظيفي الذي يمكنه معْلَمة جيل عن باقي الأجيال، وهذا رغم الزخم الحدثي الذي افرزه الصراع الطويل بين مجتمع متطور في أسئلة الوعي مع فاعل سلطوي لا يتطور بسبب لا تاريخية ظهوره ولا مشروعيته ولا مشارعيته.

فواضح إذن هو أن أزمة الجزائر لا تزال مستقرة في لحظة قلق سؤال أولوية من عمن، وفي كل مرة نكتشف بأن الفاعل السلطوي المارق عن السياسة والمعرفة، قد وسع من دائرة سؤال الأولية ذلك، فبعد السؤال عمن أولى من الأخر بين المدني والعسكري، الداخلي والخارجي، المستقل والحزبي ها نحن أما سؤال المثقف والسياسي وهي كلها أولويات مفتعلة كونها في حقيقة الأمر تتصل وظيفيا إذا ما انفصلت عضويا، بمعنى أنها لا تصارعية ولا متصارعة في سياقاتها المعرفية، بل بالعكس مكملة لبعضها البعض، وعليه يتوجب فك ارتباط بخطاب المأزق الوجودي الوطني الذي تسببت لنا فيه حركة الانقلاب الأولى على الشرعية، التي لم تكن فقط شرعية سياسية بل تاريخية باعتبارها جسدت مبلغ التطور السياسي الطبيعي للمجتمع الجزائري وحالة الوعي التي كان على عتبات متقدمة فيها بتنوعه وتعدده، وهذا ما سيحرر العقل الوطني نهائيا من أصفاد سلطة الفاعل السلطوي المارق عن السياسة والمعرفة.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق