سياسة وتاريخ

ثمن الخلاص الفادح

بعدما انشغل العالم بأنباء فيروس كورونا القاتل الذي خرج من الصين، عادت وكالات الأنباء لتتداول أنباء احتجاجات العراق المستعرة، والتي سارت حكومتها على درب حكومات القمع العربية في قتل المتظاهرين والالتفاف على مطالبهم.

حاولت حكومة بغداد استغلال التوتر الذي ساد الأجواء عقب اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس على الأراضي العراقية؛ لصرف الأنظار عن احتجاجات العراق من ناحية، ومن ناحية أخرى للظهور بمظهر المحافظ على مصالح العراق وسيادته، بتبني برلمانها قراراً يطالب القوات الأمريكية بالجلاء عن الأراضي العراقية، لكن تلك الخدعة الساذجة لم تنطلِ على المحتجين الذين طالبوا بوطنهم حراً بدون تلك الصيغة المقيتة والفاشلة التي حكمته منذ ستة عشر عاماً.

خلال الفترة الماضية حاولت السلطات العراقية فضَّ الاعتصامات في بغداد والبصرة بحرق خيام المعتصمين، ولم تكتفِ الحكومة المدعومة والمنصبة من إيران بتلك المحاولة الوحشية لإعادة العراقيين لحظيرة القمع، بل استخدمت قوات الأمن قنابل الغاز والرصاص الحي موقعةً عشرات الشهداء ليلحقوا بإخوانهم الذين سبقوهم إلي العالم الآخر، كقرابين على مذبح الحرية.

حاول عادل عبد المهدي رئيس الوزراء المستقيل ورئيس حكومة تصريف الأعمال الحالية تجميل وجه حكومته الطائفي والإجرامي، فدعا لسرعة إجراء استشارات نيابية لتسمية خلف له، وعلى نفس المنوال سار الرئيس برهم صالح، لكن ما فات الإثنين أن العراقيين يدركون أن القرار ليس بيد هذا ولا ذاك، إنه بيد الولي السفيه القابع على الحدود الشرقية للعراق.

إنها الحقيقة المؤلمة التي يدركها العراقيون جميعاً، من رئاسة الجمهورية إلى أصغر طفل في جادات محافظات البلاد، أن إيران هي الحاكم الفعلي لبلادهم وليس “س” أو “ص” من رؤساء الوزراء، الذين لا يزيدون عن موظفين تختلف رتبتهم حسب الموقع الذي عينوا فيه من علي خامنئي، وينفذون الأوامر الصادرة من سفارة طهران بالبلاد، أو مندوبي الحرس الثوري، أو وزراء الخارجية، أو مبعوثي المخابرات الإيرانية للعراق المنكوب.

منذ اندلعت احتجاجات العراق قبل نحو أربعة أشهر، تكرر تصرف ذو دلالة من العراقيين ثلاث مرات، ألا وهو حرق القنصلية الإيرانية في بغداد، وإنزال العلم الإيراني من عليها، ورفع العراقي بدلاً منه، علاوةً على هتاف المحتجين المتكرر “إيران برة برة” في دلالةٍ على رغبة أبناء العراق في بناء وطن لا وجود للمحتل الفارسي فيه.

وبالرغم من وقوف الحكومة الإيرانية موقف المتفرج من الناحية الرسمية تجاه ما يجري على أراضي بلاد الرافدين، إلا أن الحضور الإيراني في السر كان ضخماً؛ فقد ارتدى العديد من المقاتلين الإيرانيين ملابس قوات الأمن العراقية تسهيلاً عليهم في قتل العراقيين، ليبدو الأمر في النهاية مجرد اشتباكات بين شرطي يؤدي عمله ومتمردين يخلون بالنظام العام.

لم تتوقف المخططات الإيرانية الخبيثة عند هذا الحد، فقد أدخلت عناصر الحرس الثوري مدرعات وعسكريين لوأد المظاهرات قبل نحو شهرين، كما كان المقبور قاسم سليماني يتابع عن كثب مستجدات الوضع العراقي؛ ليناقش مع المرشد سبل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإحكام السيطرة على بلاد الرافدين من جديد.

هذه الحقيقة الواضحة كالشمس في كبد السماء، وهم مستعدون لبذل الغالي والنفيس لتحطيم القبضة الفارسية على بلادهم، بالرغم من فداجة الثمن الذي سيدفعونه والذي قد يمنح العراق لقب بلد ملايين الشهداء.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق