ثقافة وفنون

ثلاثية غرناطة.. واقع الهوية العربية اليوم ونظرة على تاريخ الأندلس

كثيراً ما نتحدث عن الفردوس المفقود نحن كمغاربة؛ لأننا نعتبره جزء مهماً من تاريخ حضارتنا العريقة، لقد شكل تاريخ الأندلس قوة وإشعاعًا فكرياً، وعلمياً وفنياً، وثقافيًا، وطبياً، وفلكياً، وتحول مركز الإشعاع الإسلامي العربي من المشرق إلى المغرب الأقصى، فكانت الأمة تقاس بمقدار ما تستطيع المحافظة على هذه القطعة الأرضية من بلاد الإفرنج، لكن السقوط كان بداية إنهيار الدولة الإسلامية العربية، من الأندلس بدأ عكس الانحطاط والانتكاسة الكبرى للأمة، وبداية صعود الغرب الإفرنجي المسيحي.

لقد سقطت الأندلس بعدما قسمت إلى دويلات صغيرة متناحرة ومتصارعة، سميت بملوك الطوائف، وإلى اليوم ما تزال كتابات كثيرة تحيي فينا هذا التاريخ، وتعيده بأقلام تبعث فينا روحًا جديدةً من بين الرماد المنسي، ولذلك وجدت كتابات كثيرة تبكي هذا المجد التليد وتترحم على الزمن الضائع، أحببت كتابات الكاتب المغربي حسن أوريد في ربيعه بقرطبة وسيرته التاريخية مع الموريسكي، هذا الاهتمام من كاتبنا حسن أوريد مبرر بحكم أن جزء من كياننا وتاريخنا نتقاسمه مع الأندلس والموريسكيين، لكني وجدت أن القضية الأندلسية والحضارة التي بنيت هناك استلهمت كتابًا كثرًا من المشرق أيضاً.

وفي حديثي عن هذا الموضوع، سوف أتوقف عند رواية ثلاثية غرناطة للكاتبة المصرية رضوى عاشور، أحببت الرواية منذ العنوان، فغرناطة هي آخر معاقل السقوط، ومنها تبدأ مرحلة جديدة من مراحل التراجع العربي الإسلامي، فالرواية وإن كانت مشرقية، وصاحبتها بعيدة عن موطن الأندلس، وغير متحكمة في أحداث ما جرى في الضفة الغربية بشكل كبير، إلا أنها نجحت في نقل مشاعر الحزن والأسى التى صبتها الكاتبة صبًا في قالب من المعاناة والظروف الصعبة التي مر بها العرب والمسلمون هناك.

إنها تجسيد لمشهد من مشاهد متعددة تصور نهاية المسلمين في الأندلس، كما فتحت بوابة شرقية أطلت بها عما جرى في الغرب، من اهتمامات المسلمين بالحياة العامة والأجواء التي كانت سائدة هناك، الموريسكيون تأذوا حد الإيذاء من سقوط الإسلام هناك في الفردوس المفقود عوضًا عن الكلام عن الخاصة، فجاء خطاب الرواية عاماً لم يهتم بشخص معين أو بطل إشكالي واحد، لقد خلقت الكاتبة أبطالًا من مسلمي الأندلس، وأصبغت عليهم صفات معينة في ظروفهم القاسية وأندلسهم المفقود بعد السقوط المريع.

في هذه الرواية تحاول الكاتبة رضوى عاشور النبش في تناول تاريخ الأندلس حيث استطاعت أن تغط فترة مهمة من فترات التاريخ الإسلامي في هذه المنطقة، لكن كان تركيزها الكبير الذي جذب القراء بشكل كبير، كونها وظفت الشخصيات النسائية التي تعتبر مركز تلك الرواية، هذه الشخصيات المتداخلة في نسج الأحداث والمتواليات السردية غير اعتيادية، فلكل امرأة من نساء الرواية ما يميزها عن باقي الشخصيات الأخرى، مما يجعلها أكثر أهمية من شخصيات الذكور.

وهذا أمر طبيعي؛ فالكاتبة بحكم جنسها ستنتصر إلى المرأة وتعلي من شأنها، لكنني لا أنكر شخصية نعيم المتميزة؛ ذلك المهاجر إلى أمريكا والمتزوج من فتاة من الهنود الحمر، خطف الأضواء وشكل شخصية منفتحة على ثقافات أخرى، قابل للتعايش مع عالم آخر، لربما يتقاسم معه هموم التجريد من الهوية والوطن، فالهنود الحمر كما الموريسكيون تم نفيهم وتجريدهم من كل ما يملكون، وأصبحوا ضحايا وهم أهل حق.

كما الفلسطينيون الذين يعيشون على أرضهم معذبين من كيان صهيوني غاصب اغتصب أرضهم وكرامتهم، هذه الشخصية بعيدة عن الشخصية المحورية التي تدور حولها الأحداث، لكن الأوضاع التي عاشتها والإثارة التي رافقتها، هي التي حولته إلى شخصية مثيرة، فغطى بذلك على ذاتية الكاتبة النسائية لرضوى عاشور.

وفي حديثنا على شخصيات الرواية المثيرة هي شخصية سليمة، وهي أقرب شخصية إلى قلم الكاتبة رضوى عاشور التي نجحت أن ترسم ملامحها في أبهى صورها، جعلتها البطل الإشكالي في الرواية، حيث أضفت عليها صفات الحكمة والمعرفة والشخصية العارفة بدواليب ما يعيشه المجتمع الأندلس، بعمقه وغرابته أيضاً، وهذا ما يجعل شخصيتها أكثر إثارة، لكن هذه الشخصية سيتم حرقها لتموت كما ماتت الأندلس بمعارفها وعلمها وحكمة وفكر علمائها.

سليمة لم تسلم من محاكم التفتيش العسكرية للقشتاليين، أحرقت كما أحرقت ملايين النساء بعد سقوط الأندلس بحجج واهية لا أساس لها من الصحة، حجج السحر والشعوذة التي ألصقت بهن رغما عنهن من طرف رجال الدين والكنيسة بهدف التخلص منهن، فمحاكم التفتيش في ذلك العصر تخلصت حرقًا وتعذيباً من الكثير من المسلمين النساء، تاركة وراءها أبشع محرقة عرفتها البشرية، حيت أحرقت الكنيسة ما يزيد عن 20 مليون إمرأة.

هذه الرواية الطويلة ركزت كثيراً على المسلمين وجزء من حياة الهنود الحمر، لكنها أغلقت الباب أمام اليهود الذين شكلوا كياناً كبيراً وجزءً من هوية بلاد المسلمين في تاريخ الأندلس.

تركيز الكاتبة عاشور على المسلمين الهدف من وراءه لأنها تريدنا أن نقوم بنظرة تأملية للواقع الذي نعيشه اليوم، كما فعل الكثير من الكتاب -خاصة المغاربة- منهم، هذه النظرة نطل بها لنستبصر القادم والمستقبل، ونتجاوز أخطاء الماضي، لا سيما سقوط الكثير من أبطالها في الفاحشة سواء كان ذلك حسن أو نعيم، فالكاتبة وظفت هذه الأشياء بهدف إظهار ذلك لبيان ابتعاد المسلمين عن التمسك بدينهم رويداً رويداً، لربما كان سبباً للسقوط وعدم نجدتهم بعد ذلك، ليستمر السقوط المر عاماً بعد عام، حتى يومنا هذا.

هان علينا الأندلس ومن بعده فلسطين والقدس ولربما أراضٍ أخرى كثيرة، المسلمون يتعرضون يوميًا منذ سقوط الأندلس إلى النكبات والنكسات والهجرة والتهجير، الغربة والضياع، الموت في البر والبحر وفي كل مكان، كما مات مسلمو الأندلس من قبل،
إنهم يتخلون عن جزء من تكوين هويتهم العربية الإسلامية رويداً رويداً، حتى يجدوا أنفسهم بدون هوية أو ثقافة، حتى يستطيعوا العيش في المجتمعات الجديدة التي بنيت لهم على أنقاض ماضيهم العريق، سيعيشون بدون وطن ولا هوية كما عاش الموريسكيون.

يفقد الإنسان العربي هويته سواء أكان ذلك بترهيب من المحتل أو مسايرة للحياة الجديدة، والعالم العربي يقف متفرجًا لا يستطيع فعل أي شيء، إنه عاجز تمام العجز على إصلاح أموره الداخلية ومواجهة القوى الخارجية، ولربما سيصبح المسلمون موريسكيين جدد يوماً مًا، ولربما قد نفقد أراضينا كما الأندلس.

الكاتبة عاشور رضوى ختمت الرواية بالتركيز على حب الوطن مهما كانت الظروف ومهما كان الثمن، لأن الوطن مهما كان مؤلماً لن يكون أكثر ألماً من أوطان أخرى، على الإنسان أن يعيش في وطن هوياته، وأن يحافظ على ثقافته، حتى تظل هذه الأوطان العربية حاضرة في الوجدان الحي، لا أن ننساق وراء أوطان أخرى تسلبنا كل شيء جميل فينا يميزنا عن الآخر.

اقرأ أيضًا : هل العلوم الإنسانية تعرف الإنسان؟

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق