ثقافة وفنون

ثقافة العصر الحجري القديم الأوسط: كيف عاش الناس قبل 200000 سنة؟

العصر الحجري القديم  -‏ Paleolithic أقدم العصور الحجرية وأطولها (2300000-12000 ق.م). سمي بالعصر الحجري كون الإنسان استخدم الوسائل الحجرية، وقد اعتمد الإنسان في تأمين عذائه على الصيد والالتقاط (جمع الثمار). ونظرًا للطول الزمني للعصر الحجري قسمه العلماء لثلاثة فترات:

  1. باليوليت أدنى (2.5م سنة- 200000 سنة)
  2. باليوليت أوسط (200000 -40000)
  3. باليوليت أعلى (40000-12000 ق.م)
حملت تلك الفترة الكثير من القصص لنرويها، تحكي عن أسلاف بشرية اضطرت لتقاوم وتكافح في سبيل البقاء ومواءمة نفسها مع أرض كانت تختلف جذريا عن أرضنا اليوم. حيث يقدم العلماء صورة أرض تجتاحها أنهار ثلجية حينا بعد آخر. كانت المناطق التي نسميها اليوم معتدلة، متجمدة منذ آلاف السنين، وكونت جلاميد صخرية كالهملايا والألب. وبينما كان الجليد ينكفئ في المراحل التي تتوسط العصور الجليدية ،ربما قبل، اكتشف الإنسان، ذلك المخلوق المبدع، النار التي ستغير حياته إلى الأبد، كما طور فن نحت الحجارة والعظام صانعا منها أدوات وأسلحة، وزينة ربما. تلك الابتكارات والاكتشافات كانت الرحم الذي ولدت منه المدنية فيما بعد.
عام 1848 عثر في جبل طارق (اسبانيا) على عظام امرأة متحجرة، حجم دماغها 1080سم مكعب. تبعه عام 1856 اكتشاف أتى من وادي نياندر (دوسلدروف،ألمانيا) جمجمة متحجرة أثارت ضجة كبيرة تزامنا مع نشر داروين كتابه أصل الأنواع ودارت نقاشات حادة. سمي هذا الإنسان “هومو نياندرتال”، والذي عثر عام 1900 على هيكل كامل له في ملجأ صخري بموقع ‏la chapelle aux-saint‏. لتتوالى الاكتشافات التي أعطت تصورا شاملا حول هذا الكائن الرائع. النياندرتال كان الرائد في تلك الحقبة وطور إمكانات كبيرة، قطع مسافات طويلة، أنتج الثقافة الموستيرية.
لمئة ألف سنة كان النياندرتاليون هم الوحيدون من البشر الذين استوطنوا القارة الأوروبية بشكل مكثف، تأقلموا مع المناخ البارد بأجسام غليظة مكتنزة، لابد أنهم ارتدوا جلود الحيوانات (خاصة الدببة). يعتقد كثير من العلماء أن المعتقدات الدينية بدأت بشكلها الفعلي مع الممارسات الروحية بشكلها الطوطمي في عبادة الدببة، على الأغلب ارتبطت عبادة الحيوان عموما بطقوس الصيد، حيث أثبتت الكشفيات أن بشر النياندرتال كانوا يصطادون الدب ثم يقتلونه بسهم في الرئة ويدفن بشكل شعائري إلى جانب دمية طينية تغطى بفرائه، وتدفن عظامه بشكل منفصل عنه.
لقد كان للنار أهمية قصوى في تشكيل الجماعات في العصر الحجري القديم فقد قدمت الدفء والأمان والطهي الذي كان يتطلب تجمع الأفراد حول الموقد (نواة جماعة متماسكة) هذا يمنح إحساسا بروح الجماعة التي لو لم يمتلكها النياندرتاليون لما حققوا ما حققوه.
روح الجماعة تتطلب لغة، فما الذي يخبرنا العلماء في هذا الشأن؟
تعد اللغة أهم عناصر تطور الحضارة البشرية وانتشارها وهي تخص البشر وحدهم. يحتوي الدماغ البشري في الصدغ الأيسر على مركز يدعى بروكا (‏Broca‏) يقوم بتنظيم العلاقة بين اللسان والحلق والفم أثناء النطق. لا نعرف شيئا عن لغة الهوموهابيل، وبالنسبة لهوموإريكتاس الذي عاش ضمن جماعات ووصل مناطق بعيدة فإن الباحثين مقتنعون بأنه كان يملك لغة واضحة المفردات شكلت الرباط النفسي القوي بين جماعاته، التي تناقلت تجاربها بوساطة اللغة التي بينهم.
أما إنسان نياندرتال فقد دلت المكتشفات الأثرية أنه يمتلك الجزء المسمى بروكا بشكل أوضح من سلفيه، كما يملك خاصية أخرى حسمت مسألة الكلام عنده وهي العظم اللامي الموجود في الحنجرة تلتصق عليه العضلات المتحكمة بالأوتار الصوتية (مكتشفات مغارة كبارا/فلسطين).
كان النياندرتال يدفنون موتاهم بشكل منفصل عن الجمجمة التي تحظى بمدفن خاص. وقد دفنت بجوار بعض الجثث عظام حيوانات ثدية إضافة لأدوات حجرية، وبعض المواقع كشفت عن مدافن جماعية مما يوحي بالروابط النفسية العميقة بين أفراد الجماعات النياندرتالية. في كهف كبارا الآنف الذكر حين نقبت بعثة يابانية من جامعة طوكيو عام 1961-1962م. عثر على هيكل عظمي مكتمل دفنت بوضع الانثناء على الجانب الأيسر باتجاه الغرب. يعود لشاب عمره 20 عاما عند وفاته. وضمن تجويف طبيعي في الكهف عثر على هيكل طفل دفن برفقته فك مكتمل لأيل أحمر (قربان). يعتقد أن توزيع الدفنات كان مقصودًا.
إلا أن المكتشفات الألطف والأروع جاءت في كهف شانيدار (كردستان العراق) عثر على تسعة هياكل بينها هيكلان لطفلين. وهيكل لرجل بالغ عاش مايزيد عن 40 عام مشلول اليد اليمنى، أعمى سمي “شانيدار1” وعلى الرغم من هذه الإعاقة عاش هذا الإنسان تحت رعاية أفراد الجماعة أربعين عاما. أظهرت الحفريات أن النياندرتال كان يتمتع بحس عالي تجاه أبناء جنسه الأحياء أو الأموات منهم وأحاطهم بعناية فائقة وهل يوجد دليل أبلغ من زهور الأقحوان والخبازيات الموضوعة على ألواح خشبية قرب الموتى؟! أظن أنه اعتقد بحياة هانئة تنتظره بعد الرحيل.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق