مدونات

ثقافة الشارع

رغم كل ادعاءاتنا بالتحضر والتمدين، إلا أنها لا تزال مجرد مظاهر لا ترقى إلى مستوى الحضارة التي يود الإنسان الحقيقي عيشها؛ تلك الحضارة المتميزة بالقيم التي لا تنحصر في الشعارات فقط، والعالم بصفة عامة لازال يفتقر لثقافة الشارع المُثلى، والعالم العربي بالخصوص نراه في رتبة الفقر المدقع في هذا الصدد.

إن مشاكل الافتقار لثقافة الشارع ناتجة عن عدة أسباب نابعة من المجتمع نفسه وأخرى مصدرها المؤسسات، وبذلك فأهم سبب من أسباب تقلص ثقافة الشارع هو عدم التشجيع على حرية التعبير بشكل كاف من شأنه أن يرضي الجانب النفسي لكل فرد في المجتمع ويشعره أن الضوابط الاجتماعية من أجل مصلحته لا من أجل التضاد.

كما تعتبر التربية بشتى أنواعها عاملًا رئيسيًا يفتقر إلى مجموعة من المفاهيم والتي تجعله لا يستطيع بذلك مواكبة طموحات وانتظارات المجتمعات، فهم ينتظرون طموحاتهم عالية السقف في كل ما يخص التطور والتقدم والتنمية البشرية من حيث الجانب الإنساني، ونرى مجتمعاتنا على وجه الخصوص تعتبر الشارع مكانًا سيئًا في عرفها وفي ثقافتها ولا تقدسه وذلك يتجلى من الناحية النظرية في الأزبال المرمية فيه وكثرة الضجيج و الكلام الفاسق وقلة الاحترام في كثير من الأحيان، فهذا كله دليل قاطع على أن مجتمعاتنا العربية لا تعطي اهتمامًا للشارع ولا تولي أهمية لذلك الطفل على سبيل المثال الذي سينشأ بتربيتهم وتربية المدرسة وتربية الشارع أيضًا .
إننا نجد كذلك أن الإبداع والثقافة غالبًا ما تكون منحصرة في المكتبات والمدارس والمنازل ولا نراها إلا بشكل نادر في الشارع، فكيف إذن يمكن لهذا الأخير أن يكون مجالًا يحتضن الثقافات والإبداع ونحن طالما نبحث في المكتبات والنوادي بين جدرانها الأربعة وتنحصر الثقافة هناك؟! لماذا لا نفكر كثيرًا في الشارع الذي يحتمل أن يكون بدوره أفضل مكان يشجع على الثقافة والإبداع وينشر الوعي والقيم والمبادئ على نطاق أوسع و ربما بشكل يفوق توقعاتنا.

إن التربية هي الحل الأول والأخير الذي يعيننا على نشر وعي ثقافة الشارع لدى الناس وإزالة كل المعارف والمعلومات السيئة الجاهزة في أذهانهم؛ إن الشارع له ثقافة مبنية على القيم والمبادئ والتعاون والتي يفتقر إليها العالم العربي بشكل كبير، وصرنا نفهم مفهوم الحضارة والتمدين بشكل خاطئ نعتقد فيه أن أيًا منا لا يعرف الآخر، وأننا نعيش في ظل عالم لا نعتمد فيه إلا على أنفسنا، وديننا الحنيف أعطى للطريق حقه وللفضاء الخارجي حقه، و ذلك باعتباره ضمن أهم الأماكن التي تجمع المجتمعات البشرية .

ويعتبر العالم الحديث -وهنا أقصد عالم الإنترنت على وجه الخصوص- بكونه ضمن أهم العوامل الأساسية التي تقلص بشكل كبير هوة الثقافة السيئة التي ينظر بها المجتمع إلى الشارع خاصة كل ما يشكل رواجًا على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي من شأنها إما أن تُحدث تغييرًا إيجابيًا أو سلبيًا في المجتمع، فهو يواكب ويتفاعل بشكل كبير مع ما يراه وما يشاركه مع العالم الافتراضي، لذلك نلجأ إلى هذا العالم ليكون بدوره وسيلة مساعدة على حل هذا المشكل وتشكيل وعي جماعي عام.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .
زر الذهاب إلى الأعلى