سياسة وتاريخ

ثالثهم «آخر الأنبياء» قتله حلم العروبة.. 3 رجال قالوا «لا» لإسرائيل

من أدبيات خطاب التنحي والذي جاء إبان النكسة المصرية، في التاسع من يونيو 1967، حيث قال الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في خطاب متلفز وجهه للمصريين: “إن قوى الاستعمار تتصور أن جمال عبد الناصر هو عدوها، وأريد أن يكون واضحاً أمامهم أنها الأمة العربية كلها وليس جمال عبد الناصر. والقوى المعادية لحركة القومية العربية تحاول تصويرها دائماً بأنها إمبراطورية لعبد الناصر، وليس ذلك صحيحاً؛ لأن أمل الوحدة العربية بدأ قبل جمال عبد الناصر، وسوف يبقى بعد جمال عبد الناصر”.

عباراتٌ بسيطةٌ وسهلة لكنها لخصت ليست مأساة مصر بل مأساة الأمة العربية كلها خلف السطور، كان وجه السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، الشاهد على بتر مصر كلها من خلافته بالاحتلال الإنجليزي عام 1882 في لعبة الأمم وصراع الإمبراطوريات، وظل الشريف بن حسين شريف مكة، ملك العرب المتوهم بخلافة ومملكة عربية في المشرق العربي غير منقوصة بسوريا وفلسطين.

في فلسطين: لعبة الأمم وصراع الإمبراطوريات

شكلت لعنة رقمي 7 و8 مفارقات غريبة في قدر فلسطين، حيث بدا أنهما شقا الرحى، المطرقة والسندان. في عام 1897 عُقد مؤتمر الصهيونية الأول والذي وضع حجر الأساس لبرنامج واقعي منظم قيد التنفيذ، فليكن إذن إنشاء وطن قومي لليهود يضمنه القانون العام. نعم ميلاد وطن قومي شرعي مستقل وليس بالتبني، تحت سيادة الدولة العثمانية. وفي عام 1908 كانت النهاية الفعلية للسلطان عبد الحميد الثاني وتكليف الشريف الحسين بن علي بإمارة مكة وحمل إرث فلسطين (صخرة سيزيف) ضمنيًا.

وصدر وعد بلفور المشؤوم في 1917 وهو اتفاق دولي قاطع بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وفي عام 1918 رحل السلطان عبد الحميد كمدًا، ودخل الإنجليز فلسطين ليدقوا المسمار الأخير في نعش مملكة الأمير الحسين بن عبد الله المزعومة. ويوافق التاريخ ميلاد  ملهم القومية العربية جمال عبد الناصر وريث عبء القضية الفلسطينية.

وقررت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، في 1947، بتقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وأخرى عربية. وفي عام 1948 تقع نكبة فلسطين الكبرى وفرض دولة إسرائيل بالقوة على العرب، فيحينك ان عبد الناصر مجرد ضابط  وأحد شهود العيان محاصرًا في الفالوجا.

وتبتلع إسرائيل فلسطين كلها، في عام 1967 بينما عبد الناصر هذه المرة قائد العرب المنتظر وآخر حملة صخرة فلسطين ولعنة القومية العربية. وكأن التاريخ يخرج لسانه للجميع؛ السلطان عبد الحميد، والشريف الحسين بن علي، ثم الرئيس جمال عبد الناصر.

ظهور جمال عبد الناصر: في لعبة المصير لن يجدي الهرب

يقال إنه في لعبة المصير لن يجدي الهرب. حيث كانت دولتي سوريا وفلسطين (الشام ) باب الشرق، والفخ المنصوب للجميع.

وبدأ قطار الحجاز العثماني من سوريا، في عهد السلطان عبد الحميد، ثم الأردن ثم فلسطين حتى ينتهي في المدينة المنورة حيث خلافة الشريف الحسين بن علي، وخلافة المقدسات الثلاثة للسلطان عبد الحميد الثاني الإسلامية الزائلة، “إن هذا الخط ليس ملكًا لي، بل ملك لجميع المسلمين في جميع أرجاء العالم اﻹسلامي” هكذا أوضح السلطان العثماني وهو واقف على حافة الخروج من الباب العالي، ليس للخلافة العثمانية فحسب بل من الخلافة الإسلامية أيضًا، ولازال يضع آخر أحلامه بخط سكك الحديد الحجاز، حلم وحدوي إسلامي، تدشين واقعي وعملي لآخر أحلام اليقظة قبل الرحيل.

وحينها، سقطت فلسطين وسوريا في يد الحلفاء؛ بريطانيا في فلسطين، وفرنسا في سوريا، في عام واحد 1918 وفي إشارة عميقة لكي تكون صفارة رحيل السلطان، وتذكرة ذهاب بلا عودة لأحلام كل من السلطان عبد الحميد، والشريف الحسين بن علي، وتكريسًا لكوابيسهما، ولتلحق اللعنة بميلاد عبد الناصر في نفس العام 1918 ليقوده إلى نفس المصير المحتوم ذات يوم.

بعد عودة جمال عبد الناصر من فلسطين في عام 1949 يحاول أن يلعق جراح الهزيمة ومرارة الكارثة بما عرف في أدبيات الصراع العربي الإسرائيلي، بنكبة فلسطين.

ولم تكن المعركة الحقيقة في فلسطين، بل في مصر الملكية حيث يحكم الملك فاروق الذي كان على موعد برفقة عُرفت فيما بعد بتنظيم الضباط الأحرار، تحلم بالعودة إلى فلسطين. وبالفعل في عام 1952 أطاح عبد الناصر ورفاقه بالملك فاروق والوقت لم يحن بعد؛ حيث هناك الثورات المضادة والأحزاب الفاسدة وفلول الملكية وحلم إعادة بناء الدولة الجمهورية لا ملكية، استقلالًا كاملًا.

جمال عبد الناصر
صورة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر

مشروع ناصر.. تدشين آخر أحلام اليقظة

وكان البدء ببريطانيا حيث نقرر الجلاء عام 1954، في خطوة نحو التحرر الكامل الذي شمل غلق قناة السويس وما أعقبها من العدوان الثلاثي عام 1956. وكان كل ذلك ليس كافيًا،فعلى الثورة أن تمتد إلى الخارج حيث قارة مستقلة ووطن عربي بلا ذيول استعمارية في خطوة أكبر متعجلة إلى الوحدة مع سوريا في عام 1958.

لم يسلم مشروع الوحدة من المؤامرات العربية الأجنبية بل حتى من النيران الصديقة، الذين صلبوا أحلام ناصر، وقوميته العربية على  أبواب  دمشق في عام 1961. فيما لم يتعلم جمال عبد الناصر الدرس بل اندفع إلى اليمن حيث الثورة هناك هوت بجنوده من أعلى جبالها و منحدراتها وتلالها، وضل في وديانها ما بين بناء دولة جديدة متحضرة مثقفة واعية بكل نهضتها وكبريائها وشموخها واستقلالها وعطائها في الداخل، وبين مدها الثوري في الخارج.

وفتحت على عبد الناصر أبواب الجحيم من كل صوب، وبقدر أصدقائه في الخارج يتزايد خصومه، وفلسطين في القلب لا يتردد في إعلانها صريحة “هذا النبت الشيطاني المسمى إسرائيل لابد أن يقتلع من جذوره، أن يلقى في البحر، عليهم أن يرحلوا من فلسطين، يعودوا شتاتًا في الأرض من حيث أتوا”.

ربما من المضحكات المبكيات أن خصوم وأطراف صراع الأمس حول فلسطين لم يتبدلوا رغم كل التوابع وتغير مجريات التاريخ، ففي 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 أجرت الجمعية العامة للأمم المتحدة تصويتًا حول قرار 181، متبنية مشروعًا لتقسيم فلسطين أرض الانتداب البريطاني بين دولتين، إحداهما يهودية والأخرى عربية.

وقوبل القرار الأممي برفض خلفاء عبد الحميد الثاني في تركيا، ومندوب عبد العزيز آل سعود في السعودية، وخلفاء محمد علي في مصر، لمشروع التقسيم. بينما الأردن كانت غائبة لعدم عضويتها للأمم المتحدة -آنذاك- في حين فضلت بريطانيا صاحبة المسمار الأول في نعش فلسطين بوعد بلفور، الامتناع عن التصويت، إلا أنه بعد حرب فلسطين عام 1948 تقاسمت مصر والأردن الولاية على الشطر العربي في فلسطين بعد التقسيم؛ قطاع غزة لمصر، والضفة الغربية والقدس الشرقية وملحقتها للأردن.

وحاول الملك الأردني حسين بن طلال، أن يحفظ ماء الوجه والتاريخ لجده الشريف الحسين بن علي؛ فأعلن القدس الشرقية عاصمة للمملكة الأردنية الهاشمية في 1953، وفي عام 1960 العاصمة الثانية للمملكة الأردنية الهاشمية، بينما كانت تركيا ثاني دولة إسلامية بثوبها الجديد المتمثل في حركة الطورانية الداعية لـ”التتريك”، تعترف بإسرائيل عام 1949.

وكان جمال عبد الناصر يضع فلسطين نصب عينيه باعتبار أن وجود إسرائيل في فلسطين ليس احتلالًا صِرفًا، بل إن إسرائيل رأس الحربة لجميع المخططات الاستعمارية في الوطن العربي بالإنابة والتي تمثل حجرًا ثقيلًا يعرقل جميع أحلام الوحدة العربية وحلم القومية العربية القديم والجديد.

جمال عبد الناصر يدعو للحلم العربي والعرب أول المحاربين

تعرضت مصر لعدد من القلاقل في حقبة الخمسينات من القرن الماضي، تشمل ضرب الوحدة مع سوريا بشكل غير مباشر حتى لو كان هذا يخدم مصالح الأردن والسعودية وجميع الممالك العربية التي تخشى امتداد المد الثوري إلى اليمن، ليس فقط فيما يمثله من ثورة على الرجعية، وعلى نظم قديمة فقدت صلاحيتها، بل بكل ما تعنيه الكلمة من روح قد تستشري كالهشيم لتطيح بكل الحكومات العربية المتحالفة والعميلة لذيول الاستعمار القديم. وخاصةً بريطانيا صانعة إسرائيل القديمة، وأمريكا التي تسلمت مقاليد الرعاية لإسرائيل في المنطقة العربية.

ومما يزيد الأمور تعقيدًا طرد إنجلترا من كل معاقلها من اليمن جنوبًا مرورًا بالسعودية وانتهاءً بالأردن شمالًا، بكل أقنعتها الرسمية أو الغير رسمية، حاول عبد الناصر أن يؤسس أحلافًا علانيةً وسريةً بحجة المد المضاد لمحاربة المد الشيوعي في المنطقة، وتشكيل ودعم الجماعات والحركات الفلسطينية منذ  منتصف الخمسينات حتى اللحظات الأخيرة من وفاته.

ربما يلخص خطاب الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، إلى الرئيس الأمريكي -حينها- ليندون جونسون، في ديسمبر 1967 كل شيء، حيث يرهن الملك فيصل مصيره مع أمريكا كمصير مشترك ويستعدي واشنطن على مصر وجمال عبد الناصر باستخدام إسرائيل لضرب مصر ناصر؛ لوقف مده الثوري في اليمن الذي يهدد ملك آل سعود، بل ويجهض أحلام عبد الناصر في إحياء تلك المصطلحات البالية المسماه بـ”الوحدة العربية”القومية العربية”.

وسعى الحكم الملكي في السعوية لضرب ليس مصر وحدها بل سوريا أيضًا، لا مانع من ضربها واقتطاع جزء من أراضيها حتى لا تقوم لها قائمة وتفكر مجرد التفكير في استكمال مشروع عبد الناصر في ذلك المصطلح البالي المسمى بالقومية العربية، ولا مانع من استيلاء إسرائيل على قطاع غزة من مصر والضفة الغربية من الأردن، وإجهاض حق العودة للفلسطينين حتى لا تفكر أي دولة عربية في إزعاج إسرائيل بحجة تحرير فلسطين. ب

ونظر الملك فيصل بن عبد العزيز  إلى أبعد من ذلك، حيث دعم مصطفى البرازاني القيادي الكردي في شمال العراق، ومدّ يد  العون والمساعدة بالسلاح والمال له في مقاومته لنظام إيران وتركيا لإقامة دولة كردية في العراق ولبث القلاقل بما يحول دون انطلاق أحلام الوحدة العربية من العراق وتهديد السعودية من الشمال. وكانت تلك هي المصير والمصالح المشتركة والتي يجب أن تنمو وتزدهر بين أمريكا والسعودية.

ونشرت هذه الوثيقة في كتاب المفكر الكبير الراحل جمال حمدان في كتابه (“عقود من الخيبات”، الصادر في 1995.

جمال عبد الناصر

جمال عبد الناصر

نعم أحلام الوحدة العربية وخرافات القومية العربية يجب أن تتحول إلى كوابيس وهزائم وكوارث تحل على مصر وسوريا والعراق والثوار الفلسطينين أنفسهم، رؤوس الحراب التي تزعج وتقلقل ملك آل سعود، حتى لو كانت على حساب أي شيء وكل شيء؛ منها احتلال مصر وسوريا، وإشعال الفتنة في العراق. المهم أن يبقى العرش السعودي .ولتذهب أحلام الوحدة والقومية العربية إلى الجحيم.

تصفية الحسابات

وكان لفيصل بن عبد العزيز ما أراد؛ فبعد ستة أشهر فقط من خطابه وضعت خطة اصطياد جمال عبد الناصر، العقل المدبر والدينامو الذي لا يهدأ، مفجر فتيل حركات التحرر والمد الثوري. استدرجوه بحجة وجود حشود إسرائيل على الحدود السورية وأحكموا نصب الفخ له، وزكاه هو بإغلاق مضيق تيران في 23 مايو 1967 وطرد قوات حفظ السلام من سيناء.

إنها سوريا أو كما قال ناصر في خطابه: “كانت مصادر إخواننا السوريين قاطعة في ذلك، وكانت معلوماتنا الوثيقة تؤكده، بل وقام أصدقاؤنا في الاتحاد السوفيتي بإخطار الوفد البرلماني الذي كان يزور موسكو في مطلع الشهر الماضي؛ بأن هناك قصداً مبيتاً ضد سوريا. ولقد وجدنا واجباً علينا ألا نقبل ذلك ساكتين، وفضلاً عن أن ذلك واجب الأخوة العربية، فهو أيضاً واجب الأمن الوطني؛ فإن البادئ بسوريا سوف يثنى بمصر”.

وإمعانًا في التضليل، تلقى الرئيس المصري تحذيرات شديد اللهجة من أكبر قوتين في العالم أمريكا والاتحاد السوفيتي، ألا يكون البادئ بالضربة الأولى. هل كان ساذجًا لهذه الدرجة؟ إن كان قد وضع اعتبارًا لتلك التحذيرات الخارجية، فماذا عن الداخل؟ إذا أقدمت إسرائيل على الضربة الأولى، خسائرنا لن تزيد عن 25%، ونستطيع امتصاص الضربة الأولى والرد بقوة.

كان الجميع يعلم ميعاد الضربة؛ صباح الاثنين الخامس من يونيو، فيما كان المشير عبد الحكيم عامر قائد الجيش المصري يصطحب مجموعه من السفراء العرب لتفقد الوضع في سيناء في نفس التوقيت الوثيق المعلوم للضربة الإسرائيلية، وكانت جميع الدفاعات الجوية مقيدة وفق الأعراف العسكرية وما تقتضيه الزيارات والجولات الميدانية لقائد الجيش في مشهد بدا كوميديا سوداء ساخرة.

لسنا بصدد البحث عن المسؤولية السياسية والعسكرية عن كارثة ومأساة يونيو 1967، رغم أن ناصر أبدى صراحةً تحملها حينما قال: “وبرغم أية عوامل قد أكون بنيت عليها موقفي في الأزمة – فإنني على استعداد لتحمل المسئولية كلها”،
ولكن لنعد إلى خطاب الملك فيصل بن عبد العزيز ملك السعودية إلى الرئيس الأمريكي ليندون جونسون، قبل 5 يونيو بستة أشهر لتجد السيناريو قد تحقق بالفعل؛ احتلال سيناء من مصر والجولان من سوريا والضفة الغربية وقطاع غزة من فلسطين، القدس الشرقية ووادي عربة من الأردن. وخلال 48 ساعة فقط انتهى كل شيء واحتلت إسرائيل كل تلك المناطق في أربع دول عربية.

هل كانت إسرائيل قادرة على فعل ذلك بمفردها؟، هناك فقرة كاملة في خطاب التنحي لعبد الناصر، الأسد المغدور به والمغرر به بحلم القومية العربية، تفسر كل شيء. رغم أن البعض حاول تفسير تلك الفقرة على أنه يكابر أو يحاول تبرير هزيمته وكارثته الكبرى: “وفي صباح يوم الاثنين الماضي، الخامس من يونيو، جاءت ضربة العدو. وإذا كنا نقول الآن بأنها جاءت بأكثر مما توقعناه؛ فلابد أن نقول في نفس الوقت وبثقة أكيدة، إنها جاءت بأكبر مما يملكه، مما أوضح منذ اللحظة الأولى أن هناك قوى أخرى وراء العدو، جاءت لتصفي حساباتها مع حركة القومية العربية. ولقد كانت هناك مفاجآت تلفت النظر:

أولها: أن العدو الذي كنا نتوقعه من الشرق ومن الشمال جاء من الغرب؛ الأمر الذي يقطع بأن هناك تسهيلات تفوق مقدرته، وتتعدى المدى المحسوب لقوته، قد أعطيت له.

وثانياً: فإن العدو غطى في وقت واحد جميع المطارات العسكرية والمدنية في الجمهورية العربية المتحدة، ومعنى ذلك أنه كان يعتمد على قوة أخرى غير قوته العادية، لحماية أجوائه من أي رد فعل من جانبنا؛ كما أنه كان يترك بقية الجبهات العربية لمعاونات أخرى استطاع أن يحصل عليها.

وثالثاً: فإن الدلائل واضحة على وجود تواطؤ استعماري معه؛ يحاول أن يستفيد من عبرة التواطؤ المكشوف السابق سنة 1956، فيغطى نفسه هذه المرة بلؤم وخبث، ومع ذلك فالثابت الآن أن حاملات طائرات أمريكية وبريطانية كانت بقرب شواطئ العدو تساعد مجهوده الحربي. كما أن طائرات بريطانية أغارت في وضح النهار على بعض المواقع في الجبهة السورية وفي الجبهة المصرية، إلى جانب قيام عدد من الطائرات الأمريكية بعمليات الاستطلاع فوق بعض مواقعنا.”

هذه العبارات تلخص كل شيء؛ “ضربة ضخمة” و”أكبر مما توقع”، و”وأكبر من ما تملكه إسرائيل”،و”العدو الذي كنا نتوقعه من الشرق ومن الشمال جاء من الغرب”، و”حاملات طائرات أمريكية وبريطانية جاءت لتصفى حساباتها مع حركة القومية العربية”. هذا هو ملخص مأساة وكارثة يونيو ضد “آخر أنبياء” حركة القومية العربية، على حد وصف الشاعر العراقي نزار قباني في رثائه لناصر.

آخر أنبياء حركة القومية العربية: جمال عبد الناصر

حاول جمال عبد الناصر من مع رفاقه منذ ثورة 1952 مرورًا بدفن الملكية، وإنهاء الاحتلال البريطاني، وتأميم القناة، والمد الثوري هنا وهناك، وبعث العروبة والوحدة العربية من قبرها، ولكن الثمن كان غاليًا جدًا.

ورغم ذلك حاول عبد الناصر استعادة التوازن، والإبقاء على الأمل بفردوس القومية العربية المفقود حتى بعد 1967، وإعادة بناء الجيش ولم الشمل، وحرب الاستنزاف، وجحيم عمان بين الفلسطينين والأردنيين 1970 الذي احترق فيه. وحتى آخر لحظة كان لازال يحاول أن يمسك الراية ويمني نفسه بأحلام بالية، لم يتعظ ممن سبقه، رغم أن أحلامه كانت غير مرهونة بخلافة إسلامية كالسلطان عبد الحميد الثاني ولا مملكة عربية على رأسها كالشريف الحسين بن على، ولكن رهن روحه من أجل فلسطين، من أجل وطن عربي حر مستقل.

كان ناصر صريحًا في أنه يعبر عن صوت الشعوب والأجيال القادمة، فصلبوه على باب دمشق، واحرقوه في نار عمان، وسقوه سم العروبة حتى شبع، وأروه غدر العروبة حتى كفر، وأخذ نصيبه من الألم كاملًا، وصخرة سيزيف تسقط وهو يحاول النهوض والبدء من جديد، وأبواب الجحيم حوله من كل صوب، والطعنات والجراح تثخن جسده، استنزفه نفس خصوم الأمس منذ مائة عام، منذ عبد الحميد الثاني مرورًا بالشريف حسين وانتهاءً به. إنهم ثلاثة رجال قالوا “لا” لإسرائيل، منذ أن كانت نطفة عفنة، وعلقة قذرة، وحلم شيطاني، وجنينًا من رحم الزنا الاستعماري، ووعدًا ونذير شؤم، وواقعًا سرطانيًا.

اقرأ أيضًا: أولهم سلطان مات في المنفى.. ثلاثة رجال فقط قالوا «لا» لإسرائيل (1)

اقرأ أيضًا: أحدهم خانه الحلفاء وطعنه الأقربون.. 3 رجال فقط قالوا «لا» لإسرائيل (2)

ساروا وراء جثمان ناصر وخناجرهم تحت ثوب الحداد

لم يتغير موقف الثلاثة زعماء، حملة صخرة سيزيف ولعنته  حتى لو تغيرت الأقنعة؛ هيرتزل وأحفاده وأحلام إسرائيل الكبرى، ثم أمريكا بمرهقاتها الاستعمارية وزواجها الكاثوليكي من بريطانيا، ما دخل اليهود من حدودنا وإنما تسربوا كالنمل من عيوبنا، والنيران الصديقة؛ آل سعود حاضرة، حربة وشوكة في الحلق، ربما من أيام والي مصر محمد علي باشا، لا ينظرون أبعد من  أقدامهم ومن ظلهم المشبع بالبترول.

ما الذي تغير حتى الآن؟ العرب يدعون للجهاد إلى فلسطين في نومهم، وفي الصحو يبكي عليهم الجهاد، جميعهم حضروا  وساروا وراء جثمان جمال عبد الناصر، نعش القومية العربية، وخناجرهم تحت ثوب الحداد. خمسون عامًا وناصر في قبره فقط عرف وأيقن أن أحلام قوميته العربية قد نقضت، وأنه كان آخر ثلاثة قالوا لا لإسرائيل، ولسان حاله يقول “أفنيت العمر سدى ضاع العمر إذًا”.

خمسون عامًا وكلما خرجت مظاهرات تنادي بالثورة والتحرر والقومية العربية، يرفعون صور ناصر رمزًا ثوريًا، يتباكون على زمنه، زمن النخوة والعروبة الكبرياء العربي، والوطن العربي بأسره الآن ممزق الأوصال، مقطوع اللسان، فرادى كلٌ يبكى همه، ملكه، عرشه، على حساب أي شيء وكل شيء، حتى لو استعان بالشيطان نفسه.

مات نزار قباني وهو يتساءل دون إجابة “متى يعلنون وفاة العرب؟”، بينما ضحكات جمال عبد الناصر في قبره تهز أركان ضريحه في منشية البكري. “أبناء المراغة يرثونني”.. فتضحك الملائكة.. وتضحك الزبانية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق