سياسة وتاريخ

تونس وليبيا: رفقاء مقاومة الأمس أعداء ثورات اليوم

في الأصل لم تكن هناك حدود تفصل بين تونس وليبيا ولا حواجز ولا جواز سفر للعبور. بل كانت طرابلس الولاية العاشرة للدولة الحفصية، والني دامت أكثر من 320 سنة، تمتد من عنابة غربًا إلى طرابلس شرقًا.

رسمت الحدود التاريخية بين تونس وليبيا سنة 1911 باتفاق بين مشايخ وزعماء سكان الجنوب الشرقي التونسي ووجهاء قبائل طرابلس، تحت رعاية المستعمر الفرنسي بتونس، والحاكم التركي لليبيا.

تونس وليبيا: زمن الاستعمار

كان للشقيقة ليبيا دورًا في مساعدة المقاومة التونسية بتمكينهم من الأسلحة عبر خلايا المقاومة في الجنوب التونسي، رغم المراقبة التي فرضها -آنذاك- المستعمر الفرنسي، ورغم صعوبة المنطقة الني يتحرك فيها المجاهدين والتي كانت خاضعة لسلطة عسكرية.

لقد كانت ليبيا بعد تحريرها من المستعمر الإيطالي وحصولها على الاستقلال حلقة الإسناد الخلفية ونقطة لانطلاق الفلاقة التونسيين (وهم أشخاص من عامة الناس حاربوا المستعمر تلبيةً لنداء الوطن)، كما أن طرابلس كانت مقر قيادة الحزب الدستوري ونقطة تجميع السلاح والتخطيط، لإيصالها إلى المقاومة بتونس.

استعمرت فرنسا تونس بجيش تعداده 30 ألف جندين فيما كان عدد الجنود التونسيين الذين جهزهم الباي محمد الصادق، حاكم تونس، 1000جندي و1800 عسكري نظامي و1000 مخازني و500 زواوة و500من الحنفية. ولم تعط الأوامر للجيش النظامي التونسي لصد المستعمر ومحاربته، بل قام بإمضاء معاهدة “باردو” في 12 مايو 1881 وبعد ذلك اكتسحت الجيوش الفرنسية تونس.

وتلقى قائد الثورة الأولى للمقاومة التونسية عبد الله العبعاب، الدعم من قبل الأشقاء في ليبيا الذين احتضنوه وعموه بكل الوسائل المتاحة ماديًا ومعنويًا من أجل الدفاع عن الوطن ودحر الاستعمار الفرنسي.

لقد تكونت النواة الأولى لمقاومة المستعمر في البلدين يقودهما خليفة بن عسكر في الجانب التونسي، وعمر المختار في ليبيا، وخاضت قوامت المقاومة تضم تونسيين وليبيين العديد من المعارك لردع المستعمر.

وانطلقت ثورة المقاوم التونسي علي بن غذاهم، من ليبيا، كما ساند وحمى أهل الجنوب التونسي إخوتهم الليبيين ودعموا المقاومة الليبية المسلحة التي لجأت إلى الجنوب التونسي، بل إن المقاوم التونسي شارك جنبًا إلى جنب مع أخيه الليبي في محاربة المستعمر الإيطالي واختلطت دماء الشهداء من الجانبين.

تونس وليبيا: بعد الاستقلال

لقد كان لمساهمة الجانبين الليبي والتونسي وتعاونهم لمحاربة الاستعمار والحصول على الاستقلال أثر مهم في التعاون بين الشعبين.

وكان هناك مخطط لتوقيع وحدة بين القوتين الليبية والتونسية، في 1974، ولكن منيت المحاولة بالفشل بسبب الضغوطات الخارجية وعملية الاستقطاب السياسي للدول في فترة الحرب الباردة واختلاف التوجه السياسي بين القيادة الليبية والتونسية في ذلك الزمن.

وعلى الرغم من عدم نجاح الوحدة بين البلدين، فإن العلاقات بين الشعبين لم تتأثر، فبعد الحصار الاقتصادي الذي فرض على ليبيا. وجد الليبيون التوانسة يساندونهم من أجل فك الحصار، مؤمنين بأن الشعب واجد، وأن المصير مشترك، وأن التاريخ سيسجل أن تونس كانت دومًا متنفسًا وملاذًا آمنًا للأخوة الليبيين، يضاف إلى ذلك أن الاقتصاد التونسي ساهم في انعاش الاقتصاد الليبي.

وكان رد الجميل من طرف الزعامة الليبية، حيث أصدرت طرابلس قرارًا باستقبال التونسيين دون قيد أو شرط للعمل في ليبيا.

العلاقات التونسية الليبية بعد الثورات العربية

بعد سقوط النظامين الليبي والتونسي تميزت العلاقة بين البلدين بتكاملها وتوازنها، وكان للبعد الاجتماعي والتاريخي بين الجانبين دور في نجاحها.

كانت تونس دائما سباقة في دعم الشعب الليبي إلى آخر يوم، وكانت ضد المساس بالقطر الليبي وتقسيمه. فرغم التقاتل الليبي والانقسام الحاصل بين الليبيين، فقد تمسكت تونس بالشرعية الدولية وحل الخلاف داخليًا دون تدخل دول خارجية لأن القضية قضية ليبية ولا دخل للأجنبي فيها.

وتعتبر تونس أكبر المتضررين من الوضع الدائر في ليبيا، خاصةً بعد تدهور الأوضاع عقب إعلان المشير خليفة حفتر قائد قوات شرق ليبيا، في الفترة الأخيرة إسقاط “اتفاق الصخيرات” ونصّب نفسه حاكمًا للبلاد.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

صلاح الشتيوي

كاتب تونسيي كتب العديد المقالات في السياسة والبيئة والاقتصاد تم نشر اغلبها بجريدة الشروق الورقية و بعض المواقع العربية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق