سياسة و تاريخ

تولي سيبستيان حكم البرتغال وصراع الإخوة الأعداء!!

ملك البرتغال المحبوب، ذلك الشاب الصغير الذي لامست أحلامه عنان السماء، وأراد أن يجعل من الإمبراطورية البرتغالية أكبر الإمبراطوريات في العالم، تربع على العرش عام 1557م، وكان همه أن يقوي من النفوذ البرتغالي في المنقطة، بعد الفترة الرتيبة التي عاشتها الإمبراطورية مع أبيه، فلم يكتفي بحدوده مع البحر الأبيض المتوسط، بل خطط لتكون هذه الإمبراطورية باسطة ذراعيها على كل العالم من أوروبا إلى أمريكا وآسيا.

الإمبراطورية البرتغالية التي كان يطل نفوذها على سواحل إفريقية، وآسيا والأمريكيتين الجنوبية و الشمالية، أو ما سمي بعد الإكتشافات الجغرافية بدول العالم الجديد، كانت تضع  المغرب الأقصى نصب عينيها بعد سقوط الأندلس، ولم يكن يرى الملك سيبستيان بدا من دخول المغرب وضمه إلى إمبراطوريته ليبسط بذلك السيطرة على بلاد السودان وباقي الدول الإفريقية جنوب الصحراء، التي كانت تحت الحكم المغربي آنذاك، فالمغرب لطالما شكل شوكة في حلق الغزاة من العثمانيين والإيبيرين، ولم يقوى أي منهم على دخوله أو السيطرة عليه، لذلك فإن هذا الشاب الصغير كان يتحين الفرصة المناسبة، ويستغل الأوضاع الداخلية التي يمر بها المغرب للقضاء عليه.

ولم يكتفِ الملك سيبستيان بمراقبة الأوضاع الداخلية للمغرب فقط، بل اتجه إلى طلب المدد والعون من ملوك أوروبا، حيث أنه اتصل بخاله ملك إسبانيا فيليب الثاني ملك إسبانيا، قصد الاستعداد والشروع في غزو المغرب الأقصى، والمشاركة في حملة صليبية جديدة على دول شمال أفريقيا وخاصة الدولة السعدية، كي لا تعيد هذه الدولة الجديدة الكرة مرة أخرى وتفتح الأندلس بمعاونة العثمانيين.

لقد كان المغرب يرزح تحت مشاكل لا حصر لها من أبرزها الصراع على السلطة، فبعد مكيدة العثمانيين وقتلهم للسلطان محمد الشيخ، بدأ نوع من الصراع على العرش بين السلطان محمد المتوكل على الله، الذي كان يرى أنه أحق بالعرش من عمه أبو مروان عبد الملك، هذا الأخير كذلك كان ينظر إلى نفسه بأن الأولى والأجدر بالحكم من بن أخيه، ليقرر محمد المتوكل القضاء على عمه عبد الملك وابنه أحمد، اللذان فرا إلى طلب النجدة من الدولة العثمانية التي كانت قد تقف على التخوم المغربية الجزائرية.

لقد كتب عبد الملك إلى العثمانيين يستنجذهم للقضاء على السلطان المتوكل، حيث عاودهم حلم دخول المغرب من جديد، وأشارو إلى وليهم الداي حاكم الجزائر، بضرورة مساعدة المغاربة الذين كانوا يميلون إلى موالاتهم نوعا ما، فعاد بذلك عبد الملك ومعه خمسة آلاف من الجنود العثمانيين الذين نصروه على محمد المتوكل وأعادوه إلى الحكم الذي سلبه.

ولما دخل أبو مروان عبد الملك إلى المغرب ومعه جيش العثمانيين، دارت معركة طاحنة بين المتوكل وعبد الملك، وانتصر هذا الأخير في هذه المعركة بدعم الأتراك، قرب مدينة فاس، والتي كان من أبرز نتائجها فرار محمد المتوكل من المعركة إلى جنوب المغرب، تاركا مدينة فاس لعبد الملك الذي دخل حصونها عام983ه.

ولما دخل عبد الملك فاس ولى عليها أخاه أحمد، فأصبحت بذلك تحت حكم أخيه ليكمل رحلته نحو بسط نفوذه على باقي المناطق الأخرى، حيث ضم مدينة مراكش، وتابع مطاردته لمحمد المتوكل إلى الجنوب بجبال سوس، فلم يلبث المتوكل طويلا هناك حيث أن جيوش عمه كانت تلاحقه بغية القصاص منه، وفر المتوكل هذه المرة إلى الشمال المغربي وبالضبط إلى مدينة سبتة، حيث بدأ التفكير في خطة تعيده الى عرشه، وتعيد الحكم إليه، دخل مدينة طنجة يستنجذ بملك البرتغال الملك سبستيان الأول، ويطلب مساعدته للقضاء على عبد الملك السعدي مقابل التنازل على مجموعة من الشواطىء والثغور المغربية، ولم تكن هذه المرة الأولى التي يطلب فيها العون والمساعدة، بل سبق وأن طلب ذلك من ملك إسبانيا، الذي رفض مساعدته، حيث أن الملك فليب كان يرى في هذه المساعدة مغامرة كبيرة غير معروفة النتائج والعواقب، نظرا لقوة الدولة السعدية، كما أنه كان يخشى من الهزيمة أكثر من وثوقه في الانتصار، لقد خاف أن يضعف ويصبح عبرة للآخرين، وتولد الأندلس من جديد على أرضه.

وعلى عكس الملك الإسباني فليب، فقد قبل ملك الإمبراطورية البرتغالية بالتحدي وأصر على خوضه، لقد أراد بذلك هذا الملك البرتغالي الشاب، أن ينفض غبار التواضع على عرش أبيه الذي ميزه الضعف، كما أراد بمساعدته هاته إظهار قوته للعالم وتوسيع نفوذه، و الإعلاء من شأنه بين ملوك أوروبا، خاصة وأنه مقابل هذه المساعدة سيحصل على جميع شواطئ المغرب.

لقد بدى لهذا الملك الشاب بأن المهمة ستكون سهلة في القضاء على السعديين، بعدما أغراه محمد المتوكل، فبات يجمع العون ويحشد الدعم لذلك، فاستطاع أن يقنع ملك إسبانيا، خاله الملك فليب الذي وعده بمساعدته في هذه الحرب، وأن يجعلوا منها انتقاما للمسلمين الذين فتحوا أرضهم، وأقاموا حضارة الأندلس لست قرون، فما كان منه إلا أن مده بالمراكب والسفن وجيش كبير من الجنود والعساكر بلغ ما يربو من عشرين ألفا من الجنود الإسبان.

سبستيان لم يكتفي فقط بالدعم الإسباني لوحده، بل راح يطلب المساعدة من دول أخرى، كإيطاليا وألمانيا وغيرهما، وقد جهز جيشا من البرتغاليين وصل تعداده إلى نحو اثني عشر ألفاً من الجنود البرتغاليين، كما قوبلت دعوات المساعدة بالقبول، بحيث أرسلت إليه إيطاليا ثلاثة آلاف من الجند والعتاد والعدة، ومثلها من الألمان ودول أخرى، كما أن البابا لوحده قد بعث له بأربعة آلاف أخرى، وبألف وخمس مائة من الخيل، واثني عشر مدفعا، لقد جعلوها حربا صليبية وأرادو بها إبادة المسلمين بالمغرب الأقصى.

وجمع الملك البرتغالي سيبستيان ما يزيد عن ألف مركب وسفينة لحمل هذه الجيوش إلى الأراضي المغربية، التي حذره منها ملك أسبانيا، وحذره أيضا من عواقب التغلغل والتوغل داخل أراضي المغرب ولكنه لم يلتفت لذلك، فكان كل همه أن يقوي من نفوذ إمبراطوريته البرتغالية ويقضي على الدولة السعدية.

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق