مدونات

توفيق بن سعود أراد وطنا!

“أنتم أقوياء ويمكنكم صناعة التغيير” هذه هي الرسالة التي تركها شهيد السلام توفيق بن سعود قبل اغتياله في مدينة بنغازي.

توفيق بن سعود، والذي لم يتجاوز عمره الثامنة عشر، طالته رصاصات الظلم والفساد في ليلة التاسع عشر من سبتمبر سنة 2014 بحي “الفويهات” الكائن بمنطقة بنغازي، وكانت ليلة أسى قذفت الحزن المفجع في قلوب أبناء مدينته وأهله وأحبابه.

أما عني أنا، فكنت مستمعة لتوفيق بن سعود أثناء تقديمه لبرنامجه الترفيهي والفكاهي على قناة “ليبيانا هتس” على الإذاعة المسموعة وأنا في طريقي إلى معهد اللغة الأنجليزية كل مساء.

كان توفيق بن سعود صاحب رسالة مفادها يكمن في تحرير مدينته التي عشقها حتى آخر لحظات حياته، وتخليصها من أعمال الإرهاب الشنيعة التي انتشرت انتشار النار في الهشيم خلال تلك المدة، وسلسلة الاغتيالات التي أخذت في التوالي والتزايد بشكل مخيف! حيث أصبح الواحد منّا يتساءل باستمرار من التالي؟

أراد المناضل توفيق المساعدة في أن يضع حدا النهاية لكل هذه الأوضاع البائسة، ولكنه لم يعلم بأنه سيكون الضحية القادمة! ويُرمى به في عدّاد الموتى.

تكلم توفيق وهتف بصوت عالٍ في سبيل إرجاع حق الحياة لكل شاب من مدينة بنغازي، واهتم بتشجيع كل المدنيين على الوقوف لأجل إعادة مدينة بنغازي “مدينة للسلام”، وقاد الكثير من المظاهرات الشعبية التي كان هدفها توعية المزيد من الناس في الخروج عن صمتهم والمناداة بكلمة الحق في وجوه المسؤولين والقادة، غير أن هذه الكلمة سلبت حياته وأبكت عيون الكثير ممن أحبوه ودعموا قضيته، وطمست روح النضال التي كانت تهيج بداخل زملائه والمتحمسين لنهضته.

توفيق البطل الصغير كان يحارب في صف مقاومة الإرهاب الدامي، وحاول أن يثبت أن الشاب الليبي الذي يمثله هو شاب طموح له أهداف نافعة لنفسه ولمجتمعه.

توفيق الشاب المبدع والذي ترك بصمة على جبين هذا العالم، قام بإصدار مجلته الخاصة في عمر لم يتجاوز العشر سنوات، مجلة متكاملة بالصور والرسوم وحتى الإعلانات! لقد كان توفيق هو رئيس التحرير! ماذا تتوقع الصورة التي سيكون عليها هذا الطفل عندما يكبر!

لم يكن توفيق مثل أي شاب عادي، توفيق المتفائل صاحب التفكير الإيجابي على الدوام، أراد أن يدافع عن حقوقنا وأن يعيد إلى مدينتنا الحبيبة صفوها، ورفع لافتة “ابتسم فأنت في بنغازي” لكي يثبت أن هذه المدينة “العصية” مهما أصابها من عدوان وأعمال تخريب وفساد ستظل مدينة السلام.

ترك لنا توفيق وصية، سنحملها على عاتقنا ما حيينا، طلب منّا أن نطالب بالتغيير ولا يشترط أن يكون الفرد منّا مختلفا أو مميزا حتى يكون ذا قيمة في المجتمع، يكفييه إيمانه بالقدرة على صنع التغيير، وهي كانت بصمته في قلوبنا جميعًا.

لن ننساك يا صانع السلام الصغير، لن تنساك مدينتك بنغازي لما قدمته لها في رحلة حياتك القصيرة، نتمنى لو أنك كنت بيننا، تشد على أيدينا وتحفزنا على النهوض مجدداً والتحرك نحو التغيير، وإثبات إرادتنا.

ستكتشف الأجيال القادمة أن هذه الأرض أنجبت مناضلا حارب لأجل كرامتها بالكلمة لا بالسلاح! ومثلا أعلى نقتدي به كما نقتدي بغيره من عظماء التاريخ.

ها هي الآن جمعية “أنا توفيق” الخيرية، تسعى بفريقها الكامل لمواصلة خطى توفيق في إعانة المحتاجين بما تيسر لهم، في بنغازي أو خارجها.

أفتخر بك يا ابن وطني توفيق، وأرجو من الله ان أكون جزءاَ في تحقيق السلام على هذه الأرض كما حلمتْ، أنا توفيق .. كلنا توفيق.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق