سياسة وتاريخ

توجيه الاعلام للرأي العام (إسقاط على انتخابات سبتمبر 2021)

مع كل محطة انتخابية يبرز الإعلام بشكل قوي إما يفرض نفسه أو يفرض من غيره على الجمهور المتلقي، وهو ما يشكل لحظة لمحاولة التأثير على الرأي العام وتوجيهه وفق أهداف تكون في الغالب محددة، في ظل الانفتاح الإعلامي والتطور التكنولوجي الذي حدث بشكل سريع خلال القرن الحادي والعشرين.

فكون الإعلام تعبيرا عن كافة أوجه النشاط الاتصالية التي تستهدف تزويد الجمهور بالحقائق والأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة عن القضايا والموضوعات ومجريات الأمور بطريقة موضوعية بدون تحريف فإنه يؤدي إلى خلق اكبر درجة ممكنة من المعرفة والوعي والإدراك.

فهو (الإعلام) ظاهرة مركبة متشعبة الأمداء تتميز بتراتبية ثلاثية الأبعاد ”مرسل – متلقي – رسالة” ويرتبط بمجالات عدة مما يكون له الأثر البالغ على الرأي العام للجمهور المتلقي.

ولم يكن للإعلام هذه السلطة على توجيه الرأي العام إلا بتمكنه من اختراق ”المجال العام”، ووفقا لنظرية المجال العام (لصاحبها يورغن هابرماس) فإنه يعتمد على مبدأ ”الفعل الاتصالي” حيث أن كل المشاكل والنزاعات يتم حلها عبر النقاش المفتوح بين مجموعة من الأفراد يجتمعون معا لمناقشة القضايا في الأماكن العامة، أي أن الرأي العام كان يشكل حسب التفاعلات الثنائية والحوارات المتعددة يحضر فيها الأخذ والعطاء، إلا أن ظهور وسائل الإعلام استبدل التفاعلات الشخصية بنموذج ”أحادي الاتجاه” مما جعل الإعلام ممثلا للمجال العام، ومانعا للجمهور من المشاركة في التفاعل لتشكيل رأي عام.

ولكن يتغير هذا المعطى بشكل نسبي مع شبكات التواصل الاجتماعي التي يمكن أن نطلق عليها الإعلام البديل أو الحديث، فهي تحيي المجال العام وتعطي الأولوية للجمهور في صناعة الرأي العام والانتقال من الاحتكار الإعلامي التقليدي للمجال إلى الانفتاح عليه مرة أخرى وهو ما يعزز العملية التفاعلية.

فحسب هذه النظرية وإسقاطاتها لتحليل توجيه الإعلام للرأي العام نستنبط أن هذا الجمهور قد عرف مراحل ثلاث في تكوين رأي عام :

1- مرحلة البناء الحر للرأي العام

2- مرحلة البناء المحتكر للرأي العام

3- مرحلة البناء المقيد للرأي العام.

فشبكات التواصل الاجتماعي بوصفها إعلاما بديلا تتيح المشاركة الفعالة والمنتجة في تكوين رأي عام، إلا إنها تنحو إلى بناء مقيد دون إجبار للجمهور المتفاعل خلافا للإعلام التقليدي، ولكنها في الآن نفسه تفقد الشخص هويته وكينونته دون إدراك ذلك، وهو ما يسميه اميل دوركهايم في نظريته الاجتماعية ب ” الافتقار الى الهوية ” إذ تقيد الأثار الهامة للاتصال بين الأشخاص وتتركهم معرضين بصورة متزايدة لتأثيرات مصادر أخرى.

فالرأي العام كونه حسب لاسويل نوع من القبول لواحدة أو أكثر من وجهات نظر متقاربة يقبلها العقل والمنطق فإنه يتميز بسمات تسهل عملية التأثير فيه، تناولها الكاتب جورج كلاوس في كتابه ”لغة السياسة” ارتأينا أن نقتبس منها ثلاث سمات:

1 – السطحية (سمة عامة)

2 – سرعة التصديق (سمة عامة)

3 – سرعة التغير (سمة خاصة)

1- السطحية: الرأي العام يكتفي بمعرفة عامة وسطحية للأمور التي يدلي بدلوه حولها لان الانهماك في معالجة قضية والبحث عن جذورها يتطلب وقتا، والرأي العام لا وقت لديه فهو ينتقل من واحد لآخر، وما دام يدلي برأيه في كل شيء يجب عليه أن يعرف قدرا ما عن أي شيء.

ومن خلال الملاحظة الموضوعية للتفاعلات على صفحة الفيسبوك يتبين بالواضح أن سمة السطحية بارزة وبشدة عند البعض، ونضرب مثالا بموقف الرأي العام من حزب العدالة والتنمية الذي وصف (بكسر الصاد) بالكذب واستغلال الدين والسلطة … وكذلك الحال بالنسبة لحزب التجمع الوطني للأحرار الذي وصف باستغلال النفوذ والسرقة وتهم أخرى.. دون التوسع في إثبات ذلك بالأرقام والتفاصيل، فهذه النقاشات لا يمكن إلا أن توصف بالسطحية بغض النظر عن صحتها من عدمها فذلك شأن آخر.

2- سرعة التصديق: اكتفاء الرأي العام بالمظاهر يؤدي الى سمته الجوهرية ألا وهي سرعة التصديق، فهو يكرر ما يقوله أولئك الذين عرفوا كيف يحافظون على المظهر الخارجي، بل إن الرأي العام سريع التصديق لآرائه نفسها، وإذا كان يعبر عنها في البداية بنوع من الحذر فمع مرور بعض الوقت في الثرثرة يدفعه إلى إسقاط ظلال الشك عنها، ليوهم نفسه أنها غدت يقينية، وليتحول ما كان مجرد فرضية الى حقيقة.

ويعزز ذلك نتائج الانتخابات الأخيرة (8 أكتوبر 2021) التي أفرزت فوز حزب التجمع الوطني للأحرار بالرتبة الأولي في الاستحقاقات التشريعية، والتي تضعه على رأس السلطة التنفيذية، فقد صدق الرأي العام وفي ظرف أقل من خمس سنوات أن البديل هو هذا الحزب دون غيره، وأن الفشل ارتبط بحزب العدالة والتنمية في تسيير الحكومة.

وهذا من نتائج حسن استغلال شبكة التواصل الاجتماعي (الفيسبوك على وجه الخصوص) التي كرر الحزب أكثر من مرة أنه المنتظر والأحسن، وبشكل ضمني أن الحزب صاحب الولايتين لا يصلح للتسيير، ومع تكرار أنصاره لهذا الخطاب تم تصديقه وأفضى الى هذه النتيجة التي كانت منتظرة قبل الإعلان عنها بفضل التدبير الجيد للإعلام البديل.

مع تأكيدنا أن الفشل والنجاح رهين بالممارسة ولا نغلب طرفا على آخر، ونسجل في هذه النقطة أن من مميزات التعددية الحزبية التداول على السلطة وهو جوهر الديمقراطية.

3- سرعة التغير: يمكن للرأي العام أن يتغير بسرعة بين عشية وضحاها في بعض القضايا فمقولة عدو الأمس صديق اليوم حقيقة في هذه السمة عند الرأي العام، ولنا في زعيم حزب التجمع الوطني للأحرار خير مثال، فإلى وقت قريب كان رئيس الحزب عدو الرأي العام بدعوى احتكاره لقطاع المحروقات، فحسب دراسة نشرت على صحيفة ليكونوميست المغربية يوم 24-05-2018  بخصوص حركة المقاطعة التي همت منتوجات ثلاث، تبين أنه قاطع شركة أفريقيا غاز التابعة لمجموعته 52%  من الذين علموا بحركة المقاطعة.

ولنكن منصفين نضرب مثالا آخر بزعيم حزب العدالة والتنمية السابق والذي تحول لدى الرأي العام من صديق القوم ومحارب الفساد ومدافع عن البسطاء، إلى منافق القوم خائن العهد مخلف الوعد (من تفاعلات نشطاء الفيسبوك مع تغيير المبنى والحفاظ على المعنى).

فسرعة تغير الرأي العام كسمة خاصة لا يمكن أن يتملك مفاتيحها الراغب في توجيه الرأي العام إلا بالعمل والاجتهاد لتسويق الفكرة الهادفة الى توجيه الأنظار من موضوع الى آخر ومن موقف إلى غيره مضاد …

وبناء على هذه السمات يمكن أن نلمس علاقة الإعلام بالرأي العام في توجيهه والتأثير عليه، ولا مانع من القول أن هناك سمات متعددة تتلاءم مع وسائل الإعلام المختلفة، ولكن لا يمكن إسقاطها جميعا على وسيلة بعينها، وإنما يمكن تكييفها كما هو الحال مع السمات التي ذكرنا سالفا، والتي تتحكم إلى حد ما في تكوين رأي عام على شبكات التواصل الاجتماعي أو توجيهه والتأثير عليه.

ختاما يمكن القول أن الإعلام بصنفيه التقليدي والجديد أقوى وسيلة لصناعة رأي عام، مع الهيمنة لوسائط التواصل مؤخرا، إلا أن الأخطر في هذا عندما يتم استغلال هذه الوسائل بشكل غير سليم يمس ويضر بالصالح العام، في ظل محدودية التأطير القانوني للوسائط الحديثة عموما.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى