مدونات

تلّ المؤمنين (قصة قصيرة)

يعتاد المرء الهدوء ويألفه، حتى لون حياته الشاحب يدفع ثمن أشياء لم يرتكبها وفي الأخير  هو لا يعيش بقدر ما يعتاد التعايش.. أم خالد لا تعدو أن تكون صورة من صور المتعايش الذي يكابد معانات الحياة ويجترها اجترارا، والإنسان في شموليته حقير لا لشيء إلا لأنه يعتاد.. ونحن لا يجب أن نغفر لأنفسنا هذا الاعتياد..

أما خالد فكان يكبر يوما بعد يوم، وأم خالد كان الفخر يجد الطريق سالكا إلى قلبها بهذا النداء الجليل إذ تكبر في عينيها الأمومة حينما يناديها القاصي والداني بـ ” أم خالد”  و لم تكن السبعة عشر  عاما التي مرت على خالد و أمه  في مخيم اللاجئين بالفترة الهينة، فخالد طفولته قضاها  لاجئا، يتيم  الأب، أما العائلة فلا يعلم عنها إلا ما كانت تعيده أمه على مسمعيه.

أمه التي كانت تمنحه فلسطين كلها منذ نعومة أظافره، كانت تقدمها له، فلسطين بمروجها و جبالها، بكنائسها ومساجدها، وصفت له  ملوخية فلسطين و زيتونها وليمونها الذي لا يعادله ليمون. كانت تحدته عن حيفا وشاطئ حيفا، وتقص له قصص جيلها  وافية.

إن كل ما يعرفه عن القدس ومساجد القدس وكنائسها  هو ما تنبس به شفاه هاته الأم. كثيرا ما تحدته عن فلسطين، وكثيرا ما تدمع عيناها وهي تقول في قرارات نفسها أن الوطن لا يجب أن نصفه إلا ونحن فيه، أو على الأقل ونحن حازمي متاعنا وعائدين للوطن، و هل يعود الإنسان إلى وطنه؟ ثم وما معنى أن يكبر خالد في مخيم اللاجئين، ويتزوج ويصبح لأم خالد أحفادا لاجئين، كلها أمور دونما أي معني، فالإنسان في المخيم  جملة جد قصيرة، لاحق له في الثرثرة، و هذا الشاب يرفض كل هذا ويراوده حلم العودة في نومه و يقظته، ويحتج على قدره لكن ليس على طريقة العرب عموما، للفلسطيني طريقته في الاحتجاج الخالية من الثرثرة. طوال الأسابيع الفائتة كان خالد يلوك فكرة الالتحاق بالمقاومة، هذه الفكرة  ألقت عليه بثقل لن يدعه يعيش، فهو في قرارات نفسه يعلم أن الإنسان لا يهرب من قدره إلا ليقترب منه أكثر، باستمرار أضحى يكرر على نفسه، لماذا لا أكون كهؤلاء الذين هم أبناء فلسطين نعم، لكن لا يضيرهم بيع كرامتهم مقابل قوت يوم واحد، أو مقابل أن يشيد بهم خنزير، أو لما لا أكون كهؤلاء الذين يكتبون عن فلسطين وعن حروب الأمة على نفسها، هؤلاء الذين لا فرق بينهم وبين الذي يبيدنا يوما بعد يوم ، لا فرق، إلا في الأدوات فهو يجهد نفسه في صناعة الأسلحة وهم يتكلفون ليصنعوا المفردات التي تعبر عن الخراب.

تنهد خالد وصوت ضميره يقول فلسطين تبغي من يكتب لها بدمه. ثم تذكر أولائك الرجال الذين لازال الوطن يحمل تذكارهم، تذكار الحرية واستشهادهم في سبيل الوطن. وها هو ينفلت من شيطانه ويطل من فوق التل الذي ظل يراوحه ذهابا وجيئة رفقة أمه، هذا المكان الذي يذكره بفلسطين الحقيقية، فلسطين التي كانت تخيطها له أمه مع  كوفيّته، وهنا علمته  كيف يلبس الكوفية، الكوفية التي كان  يفتش فيها عن فلسطين. رام الله ويافا والخليل وغزة هي فقط الأماكن التي زارها في حكايات أمه، تلك الحكايات التي فيها سردية صادقة، والأم معلوم أنها لا تقول سوى الحقيقة.

أم خالد بنت الخليل أو كما كانت تقول هي أنها  بنت المسجد الإبراهيمي، على أي حال لا يهم من أين  تنحدر أ م خالد، ولا يهم أن تكون قد زارت يافا وهي طفلة صغيرة، ولا أنها سكنت برام الله حين كانت حاملا بخالد، وفي ماذا ستنفعنا معرفة أن أبو خالد استشهد في الخليل وهو يحمل بندقيته الفارغة ويركض فارا من الهاغنا، كان رجلا بحق، وكان سينجو لو أن معه رصاصة واحدة فقط.. وكأن الرجال في فلسطين دائما ما ينقصهم شيء ليعيشوا، وهذا الشيء ليس والله إلا الجبن.

وهل يصح أن نقول لمن بات في فراشه هاربا، فارا من الموت هل يصير صحيحا أن نقول عنه رجلا؟ هكذا قالها خالد وغروب شمس تلك الليلة، وهرول تاركا التل ومودعا، وكان يركض ركضا إلى وطنه، وما هي الا لحيظات حتى كان خالد قد مات. ولا أهمية تذكر لأي حزن على خالد من الذين رأوه يلفظ أنفاسه الأخيرة، وليس بالضرورة أن يقولوا عنه مات مقتولا ولا أنه مات شهيدا، كما ليس بالضرورة أن نعرف البلد الذي كان خالد لاجئا فيه ولا حتى اسم المخيم.. بعض الإيمان يقتل وخالد أودى به إيمانه، ربما إيمانه المفرط بوطنه.. وبعد أيام دفن خالد في إحدى مقابر لبنان، و ليس له الحق في متر من تراب فلسطين.. وهاهي أم   خالد تقف على التل ولا تعلم عن ابنها شيئا، لازالت تنتظره كجنين في بطنها، تنتظر ولادة خالد من  المجهول.. كتب على شيخوختها أن تكون زوجة للمجهول، تنتظر عودة خالد كما كانت من سنوات تنتظر  رجوع فلسطين.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق