تكنولوجيا

تلوث البيئة المعلوماتية

تلوث البيئة المعلوماتية

يمثل تلوث المعلومات أحد تحديات العصر  وهناك شكلين للتلوث المعلوماتي، الشكل الأول هو المعلومات بحد ذاتها والموجودة على شبكة الانترنت وما تتعرض له من أخطار وتحريف وتنوع المصادر في الشبكة وكثرتها وتعددها والملوثات الكثيرة التي تؤثر في ثقافة وتربية المجتمعات والتغييرات التي طرأت على المفاهيم والقيم الإنسانية.

أما الشكل الثاني للتلوث المعلوماتي هو ما ينجم عن صناعة الحواسب وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتي تؤدي إلى تخريب فعلي في البيئة الطبيعية للبشر.

وبالفعل بدأت الملوثات الحديثة تتواجد في جيوبنا وعلى مكاتبنا مرتبطة ومتعلقة بخطوط الهاتف حاملة آلاف المعلومات الرقمية المتدفقة. حسب ما يعتقده حماة البيئة المعلوماتية. ويؤكدون أن عصر المعلومات الذي نعيشه هو أكبر ملوث للمعلومات، وليست المشكلة في حجم وكم المعلومات الهائل ولكن في الافتقار إلى المضمون.

ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى العودة إلى الطبيعة في المجال المعلوماتي ونحتاج إلى تقييم خبرتنا واهتماماتنا والملوثات المعلوماتية التي بدأت في غزو حياتنا دون سابق إصرار وبدأت تؤثر على إيقاعنا وتفكيرنا. فهذه الطريقة في الحياة التي نعيشها وهذا الإيقاع السريع كما لو أننا نخدر أنفسنا. حيث أن معظم الناس تتجول في المحيط المعلوماتي من باب الفضول وليس للانفتاح على العالم أو لإشباع رغبات العلم والمعرفة بل لإشباع رغبات أخرى غير موجودة في تراث الشعوب العربية وشعوب المنطقة.

أقصى وبدل عصر المعلومات والتكنولوجيا منذ البداية أية قيمة أخلاقية في طريق تقدمه فأجاز لنفسه بذلك استباحة القيم الإنسانية والطبيعية. وتجاهل أن المعرفة تتكامل مع الطبيعة ولا تتعارض معها ، كما أهمل التراكمية المعلوماتية ونتائجها. فهذا العصر بليد أخلاقيا ويتملص من مسئولياته، فعلى سبيل المثال تم تجاوز مسألة الحمل الصناعي إلى مسائل أخطر منها بكثير فالهندسة الوراثية تؤمل الإنسان اليوم بأحلام مخيفة ذلك أن الهدف العلمي في أبحاثها لم يعد معرفة البنية المعلوماتية عند الكائنات الحية، بل التدخل فيها بشكل مباشر وإجراء التجارب عليها واستنباط كائنات جديدة ربما تكون مشوهة. ضف لذلك أخطار الاستنساخ cloning الذي صار الشغل الشاغل للكثيرين. أنه تحول مخيف ومرعب بلا شك، لا يهدف إلى المعرفة بل إلى التدخل في سياق التطور المعرفي الطبيعي. فمن هنا بدأت الأزمة الأخلاقية لعصر مجتمع المعلومات.

ومن الملاحظ أن في الفضاء الإلكتروني خليط مشوه (كوكتيل) يجمع بين التناقض، والفوضى، والتشظي، والحرية، والإنغماس في المحظور إلى أقصى درجة يمكن تخيلها:

المعلوماتية الهشة التي لا تفضي إلى معرفة بأبعادها الفكرية والجمالية والفلسفية بإباحيتها الزرقاء وشهوانيتها الجوفاء العدوانية والدموية التي تحول الكائن الإنساني إلى هيكل أجوف محشو بالعنف والفوضوية. والكتاب الإلكتروني الذي لا يشفي الغليل ولا يمنح المتعة والسعادة في قراءته. ولهذا كان البحث عن الكتاب الحي من ثقب الإبرة الإلكترونية أمرًا في غاية الحيوية إذ أن قارئ الكتاب التقليدي الرصين سيتمكن من التصدي إلى فجوة المعلوماتية التي تحول دون صهر المعلومات وتحويلها إلى (فعل، و عمق معرفي) وسيحاول التعامل مع الأسئلة التي تنتهي بصورة موضوعية مع اختفاء البعد الذاتي عليها.

في السابق كان الناس يحصلون على المعلومات من الكتب والدوريات المطبوعة، وبعض الوسائل الإعلامية، والآن أصبحت الإنترنت هي أوسع قناة للبث الإعلامي، ولعل هذا هو الجانب الإيجابي في الموضوع، ولكن الجانب الأسوء يكمن في كون كثير من المواقع على الإنترنت تقوم ببث معلومات غير صحيحة أحيانًا ومغلوطة أحيانًا أخرى، فتقوم هذه المواقع المجهولة الهوية والتي لا يعرف القائمون عليها ولا توجهاتهم ولا أهدافهم بتوظيف هذه المعلومات من أجل تغيير قناعات المتلقين لها وزرع الأفكار والأيدلوجيات التي يريدونها.

لذا ازداد في الآونة الأخيرة النقاش حول الثقة والاعتماد على المعلومات الموجودة على شبكة الإنترنت، فالمشكلة ليست حول المعلومات غير الصحيحة على شبكة الإنترنت فقط، ولكنها تتوسع لتشمل المتلقي للمعلومات، فالمعلومات غير الصحيحة ليس لها أهمية ما لم تصدق، و أن كثير من الناس يصدقون كلّ شيء يرونه تقريبًا على شبكة الإنترنت، فطبقًا لأحدى الدراسات التي أجريت في أمريكا حول هذا الأمر فإن نصف مستعملي الإنترنت يعتقدون بأنّ أكثر أو كلّ المعلومات الموجودة على الإنترنت موثوق بها ودقيقة.

والمشكلة ليست في الثقة في مصادر المعلومات، فالوثوق هو أساس التعلم، وأن من العلم مالًا يمكن أن يتلقاه المتعلم إلا بالثقة في من يتلقى منه علمه، وإذا أمعنا النظر فيما بين الناس من التعامل وجدنا أن حياتهم قائمة على الثقة، ولولا الوثوق والتوافق لتعطلت حياتهم، ولكن المشكلة حين توضع هذه الثقة في غير مكانها وتعطى لمن لا يستحقها. لذا كانت شبكة الإنترنت بميزاتها الكثيرة عابرة للحدود الجغرافية، والثقافية، والسياسية، وحتى الدينية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى