مدونات

تلبس الجن بالإنس.. حقيقة أم خيال؟

إن الإنسان ومنذ خلقه، ميزه الخالق كما جاء في كتابنا القرآن الكريم، بميزة العقل.. وهو الحس والإدراك، فاختلف عن باقي المخلوقات، بل وجعله رب العزة عالمًا بما لم يعلمه كثير من خلقه، فيقول ربنا في كتابه العزيز “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” سورة الإسراء الآية 70.

والحكمة من الآية الكريمة أن الله عز وجل، جعل لسلالة آدم عليه السلام الميزة بمعرفة الأشياء وتدبرها، فكان الإنسان ذا عقل وفكر وتميز؛ فصنع الأدوات التي تسهل له العيش، وأبدع في صنع الكلام للتواصل، وأكثر التدبر فعلم أن للكون خالق… إلى غير دلك من الأمور التي ميزته عن باقي المخلوقات.

إن العقل، كما هو ميزة للإنسان، فهو في نفس الوقت يعتبر سلطة الرقابة على كل سلوكياته وتصرفاته على مستوى الطبيعة بكل ما فيها، هذه السلوكيات التي تدخل ذلك الفرد في سؤال عن مدى قدراته تجاه الطبيعة، وهل يوجد من هو أكثر قدرة منه على هذه البسيطة؟

أسئلة إذا بحثت عنها في الوسط الشعبي العربي المسلم، تجد لها أجوبة مختلفة، بل إن هناك من يضع كائنات لها سلطة تفوق سلطة الإنسان. وإن كان في الأساس أن الفكرة التي بني عليها هذا الأمر تؤكد أن ذلك الإنسان هو من يسيطر على ذلك المخلوق من أجل تسخيره من أجل مصالحه.

في العقود الأخيرة ظهرت مجموعة من الأمور التي أصبحت تشكل في وسط المجتمع العربي المسلم ثوابت يصعب حتى النقاش فيها أو طرح مسألة الحقيقة في فهمها؛ ظواهر تمس بالأساس فكرة تلبس الجن بالإنس، التي أصبحت تعرف انتشار واسع، كمرض روحاني باطني يصيب مجموعة من الأشخاص يؤرّقهم في حياتهم ويشكل غصة تصيب المريض فتخرجه من طبيعته تجاه مجتمعه.

هده الظاهرة ستعرف ظهور مرادفات لها، اسمهم معالجون، وهم من نقيضين مختلفين؛ فمنهم من يستعمل الشعوذة كأساس للعلاج، ونقيض له يقول إنه يستعمل القرآن كعلاج.

في مقابل ذلك توجد طائفة تنفي هذا الأمر جملة وتفصيلًا؛ معتبرين أنه مجرد وهم وخزعبلات الهدف منها تدمير المجتمع المسلم والمساس بأسس عقيدته.

وسنحاول من خلال مجموعة من المقالات، أن نضع صورة عن حقيقة هذا الأمر بين من يؤيد ومن يعارض، كل من خلال وجهة نظره وحسب أدلته، كما سنحاول طرح بعض الأسئلة التي تبدو منطقية، والبحث عن إجابة لها.

في أول مقال نتناول فكرة تلبس الجن بالإنس وهل هي حقيقة أم خيال حسب المؤيد والمعارض في المجال الديني!؟

وقبل الخوض في تحليل هذا الموضوع، وجب التأكيد على أن إيماننا بالجن كحقيقة مؤكدة، ولسنا ممن يدعي أن الجن غير موجود أو خيال، بل إن إيماننا بحقيقة وجوده ـ الجن ـ تدخل عندنا في إطار العقيدة وأحد ثوابتها الأساسية. والعقيدة عندنا نحن المسلمون، كما جاء بها نبينا من عند الله عز وجل، هي الاعتقاد بالشيء، المبلغ من الله على لسان رسوله. وأما عن النظريات العلمية التي تقول عكس هذا، وهي تنفي وجود الجن أصلًا، فإنها تظل حبيسة المنهج التجريبي، والذي يظل قاصرًا على تحليل كل الظواهر الكونية؛ حيث أنه يقوم على فكرة الشيء دليل وجوده، أما نحن المسلمون فلنا مسلمات تؤسس مبدأ الإيمان عندنا، والذي يقوم بالأساس على الإيمان بوجود خالق دون أن نراه.

ومنه فإن تناولنا لهدا الموضوع، ليس الهدف منه ضرب فكر بفكر، بقدر ما هو تحاور بين طرفين لكل منهم دليله الدي يعتمده من أجل وضع أسس منطقية لتثبيت فكرته، والتي يستمد أصلها من كتاب الله وسنة رسوله لفهم حقيقة أمر تلبس الجن بالإنسان، أوَليس ربنا من قال في كتابه “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا” سورة محمد الآية 24.

ويقول المؤيدون لفكرة تلبس الجن بالإنسان أن دليلهم من كتاب الله عز وجل، هو الدي جاء في سورة البقرة الاية 275 والتي تقول “الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ”.

فإذا عدنا الى مجموعة من المفسرين للآية الكريمة، نجد أنهم يفسرون الآية في شقها “ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ” أنه دليل على دخول الجن في الإنسان. بل أكثر من ذلك فقد ذهب القرطبي في تفسيره (ج3ص355): هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس. ومن هنا ينطلق المؤيدون لفكرة تلبس الجن بالإنس أنه يدخل إلى جسم الإنسان بطرق مختلفة فيسيطر عليه ويجعله يقوم بأشياء لا يعلمها أو حتى يصعب عليه صنعها هو كشخص غير ملبوس. وأن جلسات العلاج بالقرآن تمكن الرقاة من إخراج الجن من جسد الإنسان وبالتالي عودته إلى حياته الطبيعية.

كما أن المؤيدين للفكرة يعتمدون حديث النبي <ص> والذي يقول فيه: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءًا -أو قال شيئًا–)، وهو حديث ورد في البخاري في باب حسن الضن حديث رقم 4996.

ويعتبر هذان الدليلين من أقوى الحجج التي يستعملها مؤيدو تلبس الجن بالإنس.

فكيف يرد أصحاب الفكرة المعارضة لهذا الطرح على هؤلاء؟

يتبع..

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق