مدونات

تلبس الجن بالإنس.. حقيقة أم خيال؟ (3)

حاولنا من خلال الجزئين الماضيين للموضوع إظهار الرأي الديني، بين النفي والإثبات لمسألة تلبس الجن بالإنس، من خلال إظهار وجهتي النظر المختلفتين بين المؤيدين والمعارضين للفكرة، كل حسب وجهة نظره، وكدلك أدلتها الشرعية التي تنطلق من القرآن والسنة.
وسنحاول من خلال هدا الجزء الثالث والأخير، أن نبرز وجهة النظر العلمية في الموضوع وخاصة الطبية منه، وذلك لما تكتسبه طبيعة هذه الظاهرة من أعراض لها ارتباط بأمراض مصنفة على المستوى العلمي ضمن الأمراض النفسية.

فكيف يرى العلماء وخاصة الأطباء هذه الظاهرة، وما هو التحليل الذي طرحوه لها؟

قبل أن نجيب على هذا السؤال، وجب أن نطرح بعض المعطيات على شكل أرقام تفيد ربما في تحليل هذه الظاهرة، وهذه الأرقام تبقى إما تحليلا خاصا بي مبني على أساس فكرة واضحة، أو هو مجموعة من الإحصائيات طرحها أساتذة أو متخصصين في هذا المجال. ويبقى للقراء الكرام حرية التأكد من المعلومة، وموافاتنا بها إن كان هناك خطأ ما، كما نؤكد على صعوبة الحصول على أرقام دقيقة لغياب مصادر ومؤسسات تقوم بالبحث في هدا المجال.

نبدأ أولًا بتصريح للدكتور محمود دنون، وهو طبيب نفسي، حيث أكد في إحدى المناظرات التلفزيونية، على أن نسبة 20 في المئة من المجتمع العربي مصابون بهذا المرض إن صح التعبير، ثم يرد على لسان أحد المعالجين أن نسبة 70 في المئة ممن زواره كانوا نساء.

معلومات تؤكدها منظمة الصحة العالمية في تقرير لها صدر سنة 2010 بخصوص التباينات العالمية في فجوة معالجة الصرع، مراجعة منهجية، حيث تؤكد على أن نسبة 25 في المئة من سكان العالم مصابين بمرض الصرع، وتبلغ نسبة 80 في المئة منه في الدول النامية،”المصدر موقع منظمة الصحة العالمية”.

كما تظهر الجمعية السعودية لأمراض الصرع، أن نسبة 0.654 في المئة من سكان المملكة مصابون بالصرع “المصدر موقع العربية”.

أما عن الرأي الطبي بخصوص الظاهرة – تلبس الجن بالإنس- فيؤكد الدكتور دنون، أن كل المرضى الذين يعانون من هذه المسألة، هم مصابون بمرض نفسي، وأن الآثار التي تصيبهم، هي أعراض مصنفة ضمن 1000 تصنيف للمنظمة الدولية للأمراض النفسية، وأن كل تلك الآثار ناتجة عن اضطرابات تصيب الدماغ، فتؤثر على سلوكيات الفرد، بمجموعة من التصرفات تفسر حسب الجهة التي تعالج؛ فإن كان المريض أمام من يسمي نفسه معالج بالقرآن، يصفه بأنه مصاب بمس شيطاني، وأما إذا كان أمام طبيب فيصنفه هدا الأخير على أنه مرض نفسي.

ويؤكد الدكتور محمود دنون في معرض رده على إحدى السائلات، عما شاهدته من تصرفات تدل على المس الشيطاني، حيث أكد لها أن ما شاهدته لا يعدو كونه مجموعة من الإيحاءات التي تصل المريض سواء من محيطه، أو عن طريق الجهة المعالجة ويقصد بها المعالجين بالقرآن، فتدخله في اضطراب نفسي جسدي. وهذا الأمر مفسر علميًا وكدلك طبيًا، وهذا التفسير يدخل ضمن تصنيف دولي للأمراض النفسية من بينها مرض اسمه التلبس والغيبوبة.
ويختم الدكتور كلامه بأن الطب يتكلم عن الأسباب والتشخيص ثم العلاج، وأنه يوجد حالات لا نعرف أسبابها، ولكننا نعرف لها تشخيص ومن تم نعرف لها علاج.

ومن جهتنا نؤكد على استطلاع رأي على عينة من جمهور برنامج، كان يقدمه الدكتور طارق سويدان، من برنامجه الوسطية، حيث قام بطرح سؤالًا على جمهور الحلقة، جاء بمعنى، مصدر معلوماتكم عن موضوع تلبس الجن بالإنس، هل هي من مصادر شرعية، أو من القصص والموروثات؟
فكانت الإجابة أن 85 في المئة أكدوا أن معلوماتهم من القصص والموروثات. هذا الإحصاء يدل على أن نسبة كبيرة من الناس تلقوا معلومات من القصص والموروثات، وأن هذا هو الأساس الذي بنت عليه الناس موضوع تلبس الجن بالإنس، فأصبح الموضوع نقاش عام يدخل ضمن قواعد المجتمع، بل وتطور الأمر حتى سار معتقد تقوم عليه أسس عقائدية تهم أصل تدين الفرد.

خلاصة القول، أن تناول هذا الموضوع من طرفنا لا يعكس أبدًا تبني وجهة نظر معينة على حساب أخرى؛ بل إن المسألة في حد ذاتها لا تعدو أن تكون محاولة، لمحاربة ظاهرة أصبحت تشكل خطرًا على المجتمع، بل وأصبحت تشكل فعلًا إجرميًا أحيانًا، يهدد سلامة الفرد داخل المجتمع. خطر ساهم في انتشار تبعياته التطور الملحوظ الدي عرفه المجتمع العربي في مجال ما يعرف “بالتواصل الاجتماعي”، والذي ساهم بشكل كبير في الترويج للظاهرة، ودخول بعض المرتزقة الذين يقومون بالاحتيال على الناس باسم الدين.

ختامًا، نحن لا نحكم أو نحاكم أحدًا لأننا ببساطة لسنا مؤهلين لذلك، لكن ضميرنا لا يسمح بأن نرى ضررًا ولا نقوم بالتنبيه إليه.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق