مدونات

تلبس الجن بالإنس.. حقيقة أم خيال؟ (2)

طرحنا بالجزء الأول للموضوع البراهين والأدلة الدينية الأكثر استعمالًا من طرف مؤيدي فكرة تلبس الجن بالإنس، وفيما يلي ننتقل إلى الضفة الأخرى والتي تشكل الجهة النافية للموضوع.. فماهي أبرز أدلتها على نفي تلبس الجن بالإنس؟

ينطلق بعض علماء الإسلام في هذا الموضوع من نفي وسائل الإثبات التي استعملها الطرف المؤيد للفكرة، وهي حسب رأيهم الآية 275 من سورة البقرة، والتي اعتمدها أصحاب الفكر المؤيد لتفسير قدرة الجن على التلبس بالإنس، يحمل تفسيرها المزعوم مجموعة من التناقضات، حيث أن مجموعة من المفسرين الآخرين يرون جزء الآية الذي يقول “كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ” بأن ما جاء من مفهوم التخبط ما هو إلا نوع من الاضطراب النفسي الدي يصيب آكلي الربى، بين الحلال والحرام، وهو كوسوسة الشيطان للبشر من أجل المعصية، ففي دلك نوع من الصراع الداخلي من أجل تقبل فكرة الربى. وأن مفهوم “كما يقوم”، مقصود به يوم القيامة، وهدا مفهوم مغلوط، على اعتبار أن الحديث عن شأن دنيوي. كما يؤكد أصحاب هدا الطرح، أن الشرح اللغوي لبعض المصطلحات ليس بمحله، وخاصة كلمة التخبط، فمعناها حسب هؤلاء هو الضلال عن طريق الهدى، وليس ذاك المعنى العامي والذي يشير إلى فكرة أنه “يرفعه و يخبطه”. ثم نجد معنى كلمة المس عند علماء اللغة، لا تعني أبدًا مفهوم التلبس، وهذا من وحي التأليف ليس إلا، فمعنى المس هو اللمس و التماس. يسترسل أصحاب الفكرة المعارضة بالقول إن أول من قال بهذا التفسير للآية الكريمة ـ مفهوم التلبس ـ هو الإمام محمد بن أحمد القرطبي في تفسيره سنة 671هـ (تم عرض التفسير من قبل)، وألا يوجد من قال بهكذا تفسير من قبل.

كما أن أصحاب فكرة النفي، يستشهدون بآيات أخرى، تدل على أنه ليس للشيطان من قدرة على البشر سوى الوسوسة، وأنه يوم القيامة سيتبرأ منهم ـ البشرـ بقوله لا سلطة لي عليكم إلا أني وسوست لكم فتبعتموني، وهذا واضح من خلال الآية الكريمة رقم 22 من سور إبراهيم “وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ”.

كما يرد هؤلاء أصحاب الفكرة التي تقول إن لا سلطة للجن على الإنس بالآية الكريمة التي تقول “وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ” سورة “ص” الآية 41، مؤكدين أنه إذا كان معنى المس هو التلبس، فإن قصد الآية الكريمة هو أن سيدنا أيوب عليه السلام كان ملبوسًا بالشيطان، وهذا ما لا يصح جملة وتفصيلًا؛ لأن الأنبياء والرسل موحى إليهم من رب العزة فلا يجوز للشيطان السيطرة عليهم.

ثم نختم بدليل آخر من كتاب الله جاء به أصحاب فكرة عدم قدرة الجن على تلبس الإنس، في الآية التي تقول “فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ” سورة سبأ الآية 14، وهذا دليل آخر على عجز الجن وعدم قدرته على فعل الخوارق بقوله تعالى “لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ”. إذن نستنتج أن الجن مخلوق ضعيف، وهذا القول تؤيده الآية الكريمة في سورة آل عمران ورقمها 175 حيث جاء فيها قوله عز وجل “إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ“، وفي الآية تصريح واضح أن الشيطان لا يخافه إلا من اتبعه وأغواه عن سبيل الصلاح، وأن المؤمنين لا يخافونه بل يخافون رب العرش العظيم.

ونستمر في طرح أدلة الأطراف الأخرى، ولكن هذه المرة من جهة الحديث الشريف، يقول هؤلاء بأن علماء الحديث أجمعوا على قاعدة فقهية ثابتة لم يستطع أحد إنكارها؛ وهي أن كل الأحاديث التي تتحدث عن مسألة تلبس الجن بالإنس تدخل ضمن نطاقين، فإما أنها أحاديث صحيحة و ليست صريحة، أو أحاديث صريحة وليست صحيحة، وفي معرض ردهم عن ما جاء في حديث النبي (ص): (إن الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم)، قولهم بأمرين اثنين، أولهما أن الحديث لم يرد على الإطلاق في باب المس أو التلبس، في كل كتب الحديث، بل ورد في باب حسن الضن، وهذا ثابت، وأن هذا الحديث يأخذ بباطنه وليس بظاهره؛ لأن متنه يفسر قوله صلى الله عليه وسلم في ما قد يخالج الصحابيين من سوء الظن بوسوسة الشيطان لهما. وثانيها على الشكل النحوي، فالمعروف في النحو تعبير واضح للمعنى وأن قوله يجري من بني آدم، تخالف معنى يجري في بني آدم، وأن مسألة تبديل حرف جر مكان آخر هو نقص عند ضعاف النحاة، وليس عند صحاح النحاة، والأمر هنا جلي في اللغة لأن تغير حرف جر من مكان لآخر قد يغير المعنى ككل.

ثم نختم نحن كذلك هذا الجزء بمقصدين عن أحاديث النبي (ص)؛ أولهما، أن الأحاديث التي ذكرها الرسول (ص)، والتي تتعلق بأحوال آكلي الربى يوم القيامة، والتي جاءت في معرض حديثه صلى الله عليه وسلم، فيما يتعلق بالإسراء وكدلك تفسير الرؤى، ليست من بينها تلك الأفعال التي يقول عنها أصحاب فكرة أن الجن يتلبس بالإنس.

أما المقصد الثاني فقد وجدناه في كلام الدكتور جمال أبو حسان، حيث قال “ورد عن ابن عباس وغيره أن بعض الصحابة شكا إلى النبي (ص) ما يجدونه من عنت الشيطان في عبادتهم، فقال لهم جوابًا ورد بعدة صور “الحمد لله الدي رد كيده إلى الوسوسة” و” الحمد لله الذي لم يقدر منكم إلا على الوسوسة” وقد أخرجه. ولم أقرأ لأحد اعتنى بالحديث أن أضعف هذا الحديث أو طعن فيه. وقال الشيخ الأرناؤوط تحقيق على المسند، حديث صحيح على شرط الشيحين (مجلة إسلامية المعرفة عدد55 سنة 2009، ص 130). ومن خلال ما جاء به الدكتور جمال من هذا الحديث الذي يؤكد صراحة على أن الشيطان لا يقدر من بني آدم إلا أن يوسوس إليه، وهدا واضح من فهم الحديث.

حاولنا من خلال طرح هده المسألة، وضع وجهة النظر للطرفين فيما صح من قول عندهم، ويبقى اجتهادنا ضعيف يحتاج إلى التزكية لفهم أكثر. وكما سبق الذكر نحن لا نزكي طرفًا على حساب الآخر، بل نترك للقارئ أن يحلل ماورد ويستنتج الصحيح من الضعيف في القولين.

ولتوضيح المشهد أكثر سوف نرد بجزء ثالث يخص فهم المجال العلمي، وخاصة الطبي منه في طرح الجدل وتحليله، فكيف يرى العلم وخاصة الطب الظاهرة؟

يتبع..

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق