مدونات

تلاحقك الذكرى فتصبح أسيرها أينما حللت

جلس إلى مكتبه جلسته التى يحبها ويهواها، أمامه فنجان من القهوة أعده بنفسه، ومجموعة من الأوراق البيضاء، وقلمه الحبر السائل الذي لم يعد أحد يستعمل مثله، لكنه يعشق الكتابة به منذ كان في مرحلته الدراسية الثانوية، بل ولا يشعر بلذة كتابة المذكرات إلا وهو يكتب بمثل هذا القلم، الذي يشعره بنوع من الحنين والألفة، وكأن الأوراق لا تعترف في الكتابة إلا بهذا النوع الكلاسيكي من الأقلام الذي ندر أن تجده في المكتبات، بل ويجد هو نفسه مشقة – في بعض الأحيان – في شراء الحبر السائل حين تفرغ عبوته التي يستعملها.

لم يكن يدري حين جلس عن أي شيء يكتب، فقط هو ذلك الشعور بالحنين إلى الكتابة، عشقه الدائم، وهو حين ينتابه ذلك الشعور يستجيب له دون تردد، فهو ذلك الإحساس الذي أصبح لا يأتيه كثيرًا، بعد أن كان يغمر أيامه ولياليه الطوال، لكنه منذ عدة سنوات بدأ يجف مداد قلمه شيئًا فشيء، وتبددت لديه الرغبة في الكتابة، وكأنها حبل من حرير يسحبه منه طرف آخر لا يراه رويدًا رويدًا، وهو في ذات الوقت لا يجد الرغبة داخله في الإمساك بطرف هذا الحبل حتى لا يفلت من بين يديه.

أحيانًا كان يرى ذلك بسبب حالة اليأس التي ملأته بسبب الأوضاع السياسية من حوله، والتي تجعل الكتابة في هذا المجال دربًا من دروب اللامعقول، لكنه كان يسأل نفسه: وماذا عن كتابة المذكرات أو أيٍ من المجالات الأخرى؟ ماذا عن مشاريع الكتب ذات الصبغة الاجتماعية أو التوثيقية التي بدأت في كتابتها وتوقفت عن إكمالها؟!

لكنه لم يكن يستطيع الرد على سؤاله، مما يزيد من حيرته، بل وتضاعف كل ذلك بعد وفاة زوجته، سنده الأول والرئيسي في هذه الحياة، وحبه الأول والأوحد التي خطفها الموت في لحظة فارقة من عمره، كان هو في أشد الاحتياج إليها أكثر من أي وقت آخر.

لم يعد يرى في الحياة بعد زوجته أي نوع من البهجة، ولم يعد يرى فائدة من فعل أي شيء إلا ما هو مرتبط بسعادة أبنائه الذي يرى فيهما امتدادًا روحيًا لزوجته، كما يرى فيهما ملامحها وقسماتها وأخلاقها.

تحولت حياته إلى ما يشبه الأسر، فهو في صحوه ومنامه لا يرى ولا يتحرك إلا في إطار بذل السعي لتربية أولاده، وحين يخلو إلى نفسه يعيش مع الذكريات؛ ذكريات زوجته الراحلة، يتذكر كل تفصيلة مرت بحياتهما منذ أن تعرف عليها وحتى وفاتها، ويزيد من حالته هذه التي يعيشها كم الذكريات المرتبطة بهما معًا في كل ركن من أركان بيتهم الصغير، وكذلك المرتبطة بمعظم الأماكن التي يمكن أن يتردد عليها في معيشته.

فعند استأنف كتابة المذكرات لم يكن هناك مكان يمكن أن يزوره إلا ولهما فيه ذكرى ولقاء، وضحكة من القلب. يسير مع أولاده بجسده، لكن عقله وروحه يسرحان في ذكرياتهما معًا في هذا المكان، هنا كانا معاً، هنا تبادلا الحديث، هنا اتفقا على شيء يخص حياتهما، هنا اختلفا، وهنا تصالحا، وهنا اختطف منها قبلة على خدها الأيمن وقت خطوبتهما.

ذكريات.. ذكريات.. أينما يذهب، وأينما جلس، حتى في كتابته ذكريات، فهي من كانت تشجعه على الكتابة، وترى فيه كاتبًا متميزًا؛ وتحثه على الاستمرار في الكتابة على الرغم من أنها ليست مصدر دخلهما الأساسي، لكنها كانت ترى فيه موهبة لا يجب أن تترك، ولا يجب أن ترتبط أبدًا بحجم العائد المادي منها، لذلك كان حثها له على الاستمرار دافعًا قويًا له، وكانت تمثل بالنسبة له القارئ الأول والمتميز لكل ما يكتبه؛ فلم يكن يكتب حرفًا إلا عرضه عليها أولًا لأخذ رأيها فيما كتب، وكانت دائمًا نظرتها ثاقبة، وعينيها ترى بوضوح أي إخفاق فيما كتب.

لذا فهو منذ وفاتها لم يستطع أن يكتب إلا لها أو عنها وحتى في ذلك اليوم الذي جلس ليكتب لم يكتب إلا عن ذكرياتهما معاً، فقد أصبح أسير الذكريات.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طارق الكركيت

باحث ومدير تحرير مجلة منبر الشرق سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق