مدونات

التكنولوجيا والحب .. الرابط بين خطابات العين ومحادثات الأذن

هل هناك علاقة بين التكنولوجيا والحب ؟ هل هناك آلة للحب ؟ وهل هناك كتالوج للحب ؟ وهل هناك تاريخ صلاحية للحب ؟ وهل هناك فصائل للحب كما هناك فصائل للدم ؟ وهل هناك اتيكيت للحب ؟ أسئلة قد تبدو غريبة ولكنها ضرورية.

تواردت بذهني هذه الأفكار والأسئلة عن الحب وليس الكره، مع أن الكره أسهل من الحب والحديث عنه في زماننا هذا يسير، ولأن الحب طاقة إيجابية والكره طاقة سلبية، فإن الحب يبقى والكره يفنى.

الإنسان قادر على الحب نعم، وأيضًا على الكره، ولكن لم يسأل أحد قط ما المسؤ ل عن الكره، لأن الناس مع أنها تكره إلا أنه لا أحد يريد أن يتكلم كيف يكون الكره، فالناس يكرهون أن يكرهوا، وعلى العكس ومنذ زمن سحيق، ما زال السؤال الأكثر شيوعًا وكأنه هو الإرث الوحيد الباقي من الشيوعية هو من المسؤل عن الحب؟ هل هي العين التي ترى ولا تكذب ولا تُكٓذب؟ أم الأذن التي تسمع وتتسمع لتحب وتعشق أو تتأفف من صاحب الصوت؟ أم هو العقل أم هو القلب؟

وعادة ما يحلو للناس الكلام عن الحب، خاصة الحب الرومانسي بين الرجل والمرأة، ولا أقول بين الشاب والفتاة فالحب ليس مقصورًا على فئة عمرية معينة، فالحب لا يعرف التفرقة، بل هو المساواة بغض النظر عن الجنس واللون والمكان والمال والعمر، ودائرة الحب تتعدى الرومانسية؛ فالحب هو كل المشاعر التي تزف الآخر بالاهتمام والحنان والإخلاص، أياً كان الآخر أبًا أو أمًا أو أخًا أو أختًا أو ابنًا أو صديقًا أو قريبًا أو جارًا أو معلمًا أو طالبًا، وبالطبع إذا كان زوجًا أو زوجة أو حما أو حماه.

واحتار الناس من المسؤول، وإن كنت أظن أن الإجابة واضحة لكل نفس، ولكن لا يريد الناس أن يعطوا الإجابة وإلا انتهى الكلام عن الحب، والكل يعشق الحديث عن الحب وللحب.

في الماضي كان السؤال سهلًا؛ لأن الاختيار بين اثنين العين أم القلب، والإجابة كانت تحتم على المجيب أن يجيب في لحظة رؤيته للحبيب أو سماعه لصوت الحبيب، والكفيف يعلم تمامًا أن الصوت هو مصدر الحب، والبصير يعلم أن نظرة العين هي مصدر الحب، وعندما تقدمت التكنولوجيا واخترعنا التليفون، تأكد البصير أنه من الممكن أن يحب بأذنه ويعشق صوت الحبيب حتى النخاع دون أن يرى حتى أنامله.

ولذلك أثبت العالم “جراهام بل” مخترع التليفون  ودون أن يدري أن الصوت عبر التليفون قد يؤدي إلى الزواج، وفي رأيي ومع أنني لست خبيراً بقضايا الحب العلمية، أن حب الأذن هو الحب الحقيقي؛ لأنه لا تصحبة شهوة الحب كما يحدث مع حب العين الذي قد تسبقه شهوة قبل عفويته وعذوبته وعذريته، ولذلك فمن وجهة نظري أن حب الأذن أرقى وأبقى من حب العين؛ لأنه مجرد من الحب الجسدي وإن كان الصوت جسداً فهو جسد معنوي، ولأن الصوت لا يتناسب دائماً مع المقاييس الجسدية، فإن حب الأذن نقي وعفيف ونافذ لحب الروح.

وعلى العكس فإن حب العين نافذ في الجسد الممتلئ بالروح، فهو موزع على الروح والجسد، ولأن حب الجسد يطغي عند معظم الناس، فحب العين يميل إلى الجسد أكثر من الروح، فيتحول إلى حب شهواني في أغلب الحالات، ولذلك تحدث مع حبيبك وأنت مغلق العينين أو من على بعد بتليفونك الذي قد يفضحك أمام نفسك دون أن يعلم الحبيب.

وهناك حب الكلمات، فقد كانت الخطابات تفعل في الزمن السحيق فعل السحر، فقد كانت مصدر الحب، فلا العين ترى ولا الأذن تسمع ولكن هي الكلمات المحبة والناقلة للحب، وحب الخطابات حب طويل الأجل وطويل المفعول وإلا بطل مفعوله، نظرًا لطول المدة التي كان يأخذها الخطاب في البريد حتى يصل ليد المحبوب.

ولذلك فحب الخطابات عادة ما يكون مصحوبًا بلهفة واشتياق تزداد كلما زاد الانتظار، حتى يصل ذروته بوصول الخطاب بعد فترة قد تطول أو تقصر وقد تصل إلى أيام أو أسابيع أو شهور، فالفرحة كانت تغني في كل كلمة تقرأ في الخطاب، حتى أن الكلمات كانت تقرأ مرات ومرات لحظة وصول الخطاب أو حتى بعدها على أوقات، حتى كان الخطاب يعتبر مرجعًا رومانسيًا للحب.

ولأن كاتب الخطاب يعلم خصوصيته ويعلم إمكانية وقوعه في أيدي الآخرين أو عمداً مع تطفل ساعي البريد، فإن كلمات حب الخطابات عادة ما تكون أكثر عذرية وتميل إلى الرومانسية الحالمة؛ لأنها تعبر عن المخزون العاطفي الذي يعلم كاتبه أنه مثل حقنة المقويات التي تؤخذ في العضلات، فيجب أن تكون مركزة وتحقن ببطء حتى ينساب مفعولها طويل الأمد.

ولذلك فحب الخطابات لا يعوض، فإن كان هو حب السلحفاة فهو الحب العذري، ولكن قد يحمل أكثر من فحواه لتجمل الكلمات في معظم الأحوال، وأنصح كل حبيب أن يكتب خطابًا للحبيب وسيرى أثر كلمات الحب.

وللخطابات فعل السحر في الحب؛ لأنها تعطي مساحة للمتلقي من التخيل وانطلاق لذة الخيال أثناء القراءة، فيذهب بعقله كيفما وأينما يشاء، ولأن كاتب الكلمات لديه متسع من الوقت في الكتابة وحر في اقتباس الكلمات من مصادر غير مصادره، فحب الكلمات قد يكون مزيفًا في كثير من الحالات وغير مستقر؛ لأنه ليس حباً عفوياً، بل يأتي بترتيب الكلمات والتي قد يصاحبها مسح أو تبديل للمفردات وأحيانًا الجمل قبل أن تصل إلى صورتها الأخيرة عندما تقرأها أعين الحبيب، ولكن دائمًا ما يسعد الحبيب بكلمات المحب حتى ولو كانت مزيفة.

ثم تقدمت التكنولوجيا وعاصرنا الإنترنت، ورويدًا رويدًا حلت رسائل الإيميل محل الخطابات، حتى انتهي عصر الخطابات المعطرة والأوراق الملونة والأظرف المزرقشة التي كانت تعكس أذواق الحبيب، وأصبحت الرسائل الإلكترونية هي وسائل العشاق القصيرة ولكنها السريعة، فلم يعد الحب ينتظر الحمام الزاجل أو ساعي البريد ولا صديق مسافر ولا طائرة محلقة، بل أصبحت كلمات الحب تنقل عبر الأثير في التو واللحظة لتنقل المشاعر كالحقن السريعة، وهنا تطورت وسائل الحب.

واعتاد الناس على ضغط الأزرار لإرسال كلمات الحب، حتى تحولت إيميلات الحب إلى تقرير عاطفي ثم إلى نشرة لأهم الأحداث ثم إلى كلمات مقتضبة تؤدي غرض الحبيب وترضي كرامة الحب.

ومع السهولة في التعبير، إلا أن إرسال المشاعر عبر الأثير من خلال الإيميل جعلت العقل والقلب آلة للحب فتألمت رومانسية الحب، ولكن ما زال هناك علاقة قوية بين التكنولوجيا والحب أي أن حب الإيميلات فعالًا ولم تنتهي صلاحيته بعد.

وزاد تقدم التكنولوجيا وسقط علينا الفيسبوك ليحل محل الخطابات والإيميل، وأصبح حب الفيسبوك هو الأساس، وتكونت تكنولوجيا الحب ليشترك فيها العقل والقلب والعين والأذن والكلمات، فالحبيب يرى حبيبه ويتحدث إليه ويسمع صوته ويزيد على ذلك بكتابة الكلمات، حتى تعدى الأمر إلى إضافة المؤثرات الصوتية والفوتغرافية حتى أصبح الفيسبوك هو سينما الحب.

وحب الفيسبوك سريع الإيقاع ومتجدد ومتعدد ومتولد ومتغير، فكاتب الكلمات يغير الكلمات في التو واللحظة، ويستخدم الرموز بديلاً للكلمات، ويحذف ويبدل الكلمات حتى أصبحت الكلمات مجرد أداة أو ناقل للمشاعر وليست حاضنة للحب. 

ولأن حب الفيسبوك يشمل حب الأذن والعين فهو أكثر أنواع الحب شهوانية؛ لأنه يرى الجسد ويسمع الصوت ويحادث العين وكل تحت المؤثرات المحركة للمشاعر والشهوات، ولأن الدعابات مكون من محادثات الفيسبوك أصبح الحب مملوءاً بالدلع (والاستظراف والقفشات) وبالنكات والإسقاطات، وتخلى في معظم الحالات عن الرومانسة الطاغية وتخلى عن مشاعر العفوية التي هي أساس كل حب. 

وحب الكلمات سواء من الخطابات أو الإيميلات أو الفيسبوك يحتاج إلى الأذن أو العين أو كلاهما حتى يترجم إلى حب، ولذلك فإن حب الكلمات يتحول في النهاية إلي حب الأذن أو حب العين أو كلاهما، وحب العين أو الأذن يحتاج إلى ترجمة العقل وبصمة القلب، والعقل يأتي قبل القلب لأنه هو الذي يمد العين والأذن بكتالوج الحب، أما القلب فهو يعكس الحب، فهو رد فعل مباشر للحب وليس مصدرًا لمشاعر الحب.

ولذلك فالأحبة تظلم العقل وترفع شأن القلب؛ لأن من عادة الناس أن ينظروا إلى النهايات ولا يلقون بالاً بالبدايات، ولأن العقل عاقل فهو لا يأبه برأي الحبيب وما إذا كان هو المصدر أو رد الفعل طالما هو المسيطر، وطالما هو صانع الحب، وطالما أن الجميع يعمل لديه وتحت إمرته بالحب أو بالكره. 

وهكذا نرى أن التكنولوجيا والحب مرتبطين ببعضهما حيث أن الحب يتطور بتطور التكنولوجيا، ولكن مهما تطور فهو لا يستغني عن الأذن والعين ولا عن العقل والقلب، والحبيب ولا المحب يحتاج أن يكون ذكياً، فالحب لا يفرق بين العقول وكذلك القلوب، فكلاً من القلب المريض والسليم قادر على الحب، وكلاً من العقل الذكي والغبي يحب، ولكن تعب العقول والقلوب هو ما يجعل الإنسان أحيانًا يزهد الحب، ليس انشغالاً عنه ولكن حرصًا على حياة صاحب الحب.

الحب طاقة إيجابية تحتاج إلى ناقل ووعاء ومعطي ومستقبل، وهناك فصائل للحب كما فصائل الدم، يحتاج توافق بين فصيلة المعطي والمستقبل، وكلاهما محب. 

هذا هو قولي عن الحب، وكثير من الحب ما قتل، ولكن يبقى حب الله والخير والناس والحياة؛ هو الحب بكل معانيه السامية.

 

اقرأ أيضًا : الحب في زمن الكورونا

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

د. محمد لبيب سالم

نبذة عن الكاتب ولد د. محمد لبيب سالم في 28 ديسمبر 1962 في قرية دهتورة مركز زفتي محافظة الغربية. ويشغل د. لبيب حاليا أستاذ علم المناعة بكلية العلوم جامعة طنطا ومدير مركز التميز لأبحاث السرطان والمدير السابق لمركز المشروعات والابتكارات ونقل التكنولوجيا بـجامعة طنطا والمشرف على مركز تنمية إقليم الدلتا التابع لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ورئيس مجلس ادارة الجمعية المصرية لأبحاث السرطان. حصل د. لبيب علي وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولي من السيد رئيس الجمهورية في 2019 وجائزة الدولة التقديرية لعام 2018 وجائزة الدولة للتفوق لعام 2009 وجائزة الدولة التشجيعية لعام 2003 وجائزة جامعة طنطا التقديرية لعام 2015. حصل د. لبيب علي بكالوريوس العلوم عام ١٩٨٤، وماجستير العلوم في ١٩٨٩، والدكتوراه في ١٩٩٥ من خلال بعثة إلي جامعة كيوشو باليابان. حصل علي منحة باحث بعد الدكتوراه في الفترة من ١٩٩٧ -٢٠٠١ ثم أستاذ زائر بالجامعة الطبية بكارولينا الجنوبية بأمريكيا الفترة في من ٢٠٠١ -٢٠١٠. د. لبيب باحث في علم المناعة له أكثر من 120 بحث وخمسة فصول في كتب علمية. و أكثر من 30 مشروع بحثي و 85 رسالة ماجستير ودكتوراه وشارك في 90 مؤتمر دولي والقي اكثر من 80 محاضرة علمية في مصر والخارج. د. لبيب عضو في اتحاد الكتاب مصر ومستشار علمي لمنظمة المجتمع العلمي العربي وعضو في هيئة التحرير والتقييم للعديد من الدوريات العلمية. قام د. لبيب بتأليف 8 اعمال ادبية من 2014 حتي الآن عبارة عن 4 روايات واربعة مجموعات قصصية وله أكثر من 70 مقالا في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية. كما يلقي د. لبيب محاضرات عامة في الجامعات والمدارس والجمعيات الأهلية عن الادب والعلم وتبسيط العلوم والإعجاز العلمي في البيولوجيا عامة والجهاز المناعي خاصة. كما أن له قناة على اليوتيوب يقدم فيها محاضراته. تأليف 56 مقال باللغة العربية في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية مثل الفيصل، العربي والعلم وكذلك على العديد من المواقع العربية مثل موقع منظمة المجتمع العلمي العربي وموضوع والصحف مثل روز ليوسف والديار والسبورة. أهم الأعمال الأدبية المنشورة : 1. رواية بعنوان "الرصاصة الجينية " – الناشر: دار النابغة –مصر 2019 2. كتاب "زواج بويضة" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2019 3. كتاب "سفاري إلى الجهاز المناعي" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2018 4. راوية بعنوان "وقت للبيع" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2014. 5. رواية بعنوان :كاندليه" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2016 6. مجموعة قصصية بعنوان "العشق الحلال" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2015 7. مجموعة قصصية بعنوان "زحمة مشاعر" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2015 8. مجموعة قصصية بعنوان "مشاعر لا تعرف السقوط". تحت الطبع. الناشر: دار النابغة –مصر 2019 9. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي اليابان " من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 10. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي امريكا" من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 11. كتاب بعنوان "تأملات في الجهاز المناعي – تبسيط العلوم - تحت الاعداد 12. كتاب بعنوان "تأملات في بيولوجيا النفس" – تحت الاعداد البريد الإلكتروني [email protected] [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق