سياسة و تاريخ

تكريس الضمانات الحقوقية في دستور 2011 ومدى تكييفها

يعتبر الدستور أسمى وثيقة دستورية للدولة، وتعاقد سياسي بين الحاكمين والمحكومين، وهو الركيزة الأساسية لحماية الحقوق والحريات، وعلى هذا الأساس فإن المسألة الدستورية استأثرت في المغرب بأهمية قصوى منذ مشروع دستور 1908، مرورًا بمختلف الدساتير التي عرفتها المملكة المغربية منذ سنة 1962، إلى غاية الخطاب الملكي التاريخي في التاسع من مارس 2011 ذي النقاط السبع، الذي شكل نقلة نوعية في التاريخ السياسي المغربي، هذا الخطاب جاء على ما يبدو تجاوبًا مع مطالب حركة شباب 20 فبراير التي عرفت خلال فترة الثورات الربيع العربي، التي عرفتها المنطقة العربية والمغاربية أنداك.

لقد جعل الخطاب الملكي في 9 مارس2011 محور حقوق الإنسان من بين أهم المحاور التي استهدفها الإصلاح الدستوري، ويتضح هذا بكل جلاء من خلال مقتضيات الخطاب الملكي الذي ركز على سبعة مرتكزات أساسية، من أهمها؛ ترسيخ دولة الحق والمؤسسات، وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية، وضمان ممارستها، والعمل على تعزيز منظومة حقوق الإنسان بكل أبعادها، السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، والتنموية، والثقافية والبيئية، بالإضافة إلى تعزيز الآليات الدستورية لتأطير المواطنين، مثل تقوية دور الأحزاب السياسية، وربط ممارسة السلطة والمسؤولية العمومية بالمراقبة والمحاسبة، وترسيخ دسترة هيئات الحكومة الجيدة، وحقوق الإنسان، وحماية الحريات.

ويعد المرتكز المعني بحقوق الإنسان من أهم ما تم تكرسيه من خلال استجابة المشرع الدستوري للمطالب المجتمعية، ويظهر جليًا بكل وضوح من خلال الفصول الواردة في الباب الثاني من الدستور، وعلى مدى أكثر من عشرين فصلاً، وبالضبط من الفصل 19 إلى الفصل 40، إضافة إلى العديد من المقتضيات الأخرى الواردة في ديباجته، وفي مجموعة من الفصول والأبواب الأخرى من الدستور.

بالرغم من ان طريقة وضع دستور (2011) اختلفت سياقًا ومضمونًا، مما كان له الأثر البالغ على عملية الاصطلاح هذه المرة، لا من حيث الصيغة التي وضع بها، ولا من حيث مضمونه، وهذا ما أصبح يطلق عليه بصك حقيقي للحقوق، ونموذج للدساتير التي يطلق عليها “دساتير الحقوق في الدول المتقدمة”.

لكن النص على الحقوق والحريات فقط لا يكفي، حيث يمكن أن يعصف بها في أي لحظة وأن تطالها الخروقات والانتهاكات التي تمس الإنسانية، وهذا بحد ذاته لا يمكن أن نعتبره مسارًا حقيقيًا في اعتماد وتطوير المنظومة الحقوقية بالمغرب، التنصيص على حقوق الإنسان في الدساتير والقوانين الوطنية، لا تكفي لأن نقول بأننا دولة متقدمة تمنح الحقوق لمواطنيها؛ لأنه يبقى شعار يستخدم للوصول إلى المبتغى واستغلال الفرص الخارجية.

رغم أهمية المقتضيات الحقوقية الإنسانية المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية لأهميتها في البؤرة السياسية، فإن بعضها لا يخلو من عدة ثغرات، وتعد مدخلاً لعدم احترام وضمان ما ترتبط به من حقوق وحريات، حيث أن ربط سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الوطنية بكيفية مصادقة المغرب عليها، وبضرورة توافقها على أحكام الدستور وقوانين المملكة والحرية الوطنية، كل ذلك يؤدي إلى طابع الخصوصية على حقوق الإنسان بالمغرب، وهذا يتنافى مع الطابع الكوني والشمولي لحقوق الإنسان، مما يجعل من الضمانات الحقوقية مجرد إعلان نوايا وشعارات تعترضها العديد من الصعوبات على مستوى التطبيق والممارسة.

حقيقي أنه هناك تكييف وملائمة المعايير والقواعد العالمية لحقوق الإنسان، لكن تبقى نسبية وغير واضحة، خصوصًا أنه ليس هناك موازنة فعلية لهذه المعايير الإنسانية على أرض الواقع، وما تطاله الإنسانية من خروقات ونواقص تحد من تمتع المواطن المغربي من حرياته وحقوقه المتأصلة من الوجود، علاوة على العناية الكبيرة التي أولتها المملكة المغربية في مساطرها وقوانينها الوطنية؛ للنهوض بحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في أي زمان ومكان، إلا أنه لا يمكننا القول أننا في مجتمع ديمقراطي مانح كليًا للحقوق والحريات.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

منى دلوح

منى دلوح طالبة باحثة في سلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة عبد المالك السعد -طنجة ، حاصلة على دبلوم الماستر في حقوق الانسان، موازاة مع مساري الدراسي فأنا ناشطة في العديد من الجمعيات منها مركز ليكسوس للدراسات القانونية والسوسيولوجيا، متطوعة بشبكة حقوق الانسان بمعهد بروميثيوس للديقراطية وحقوق الانسان، رائدة بالفضاء المدني... كذلك مشاركة في برامج تدريبية وتكوينية سواء على المستوى الوطني وكذا الدولي من بينها أكاديمية المجتمع المدني، منتدى شباب العالم في مصر، سفراء نوابك...

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق