سياسة و تاريخ

تقييم حالة حقوق الإنسان بالمغرب من منظور أليات الأَمم المتحدة – الجزء الثاني

من المؤكد أنه لا يمكن إجراء أي تقييم لأوضاع حقوق الإنسان في أي بلد بالإعتماد على مصادر معلومات ومعطيات أحادية الجانب أو تخص فاعلا بعينه، فالتقديرات التي تقدمها منظمات المجتمع المدني يطغى عليها طابع التنديد، والشجب والضغط وتبني إدعاءات الضحايا. كما أن الردود والتقييمات التي تقدمها الحكومات يغلب عليها توجه يروم تقديم المنجزات والمكتسبات والدفاع عن الحصيلة فيما يخص الالتزامات بشكل إيجابي، ورفض إدعاءات الأفراد وحملات واستنتاجات وخلاصات منظمات المجتمع المدني، ولهذا تم إنشاء أليات أممية لتتبع وضهية حقوق الإنسان في كل بقاع العالم.

مفهوم الية البلاغات والشكايات الفردية       

تعد آلية الشكايات أو البلاغات الفردية من بين وسائل التظلم والانتصاف التي أحدثها نظام الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بموجب مقتضيات الاتفاقيات. وفي هذا الإطار منحت المادة 20 من اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب للجنة مناهضة التعذيب صلاحية تلقي معلومات موثوق بها يبدو لها أنها تتضمن دلائل لها أساس قوي تشير إلى أن تعذيبا يمارس على نحو منظم في أراضي دولة طرف، تدعو اللجنة الدولة الطرف المعنية إلى التعاون في دراسة هذه المعلومات، وتحقيقا لهذه الغاية إلى تقديم ملاحظات بصدد تلك المعلومات.

وبحكم أن المملكة المغربية إعترفت باختصاص اتفاقية مناهضة التعذيب بشأن تلقي البلاغات الفردية منذ 2006، فقد بثت اللجنة في عدد من القضايا ذات الصلة بإدعاء إنتهاك مقتضيات الاتفاقية، والتي تؤكد وجود خروقات أو عدم وجودها.

تشخيص حالة حقوق الإنسان بالمغرب وفق ألية البلاغات والشكايات الفردية

إعتبرت لجنة مناهضة التعذيب بهذا الشأن في قضية “كواميمو. ب” وآخرون ضد المغرب التي يدعون فيها بأن أفراد من قوات الأمن داهموا بالقوة منازلهم في 23 ديسمبر 2006، ثم إقتادوهم إلى مراكز الشرطة حيث بقوا لبضع ساعات. ومن ثم إقتاد أفراد قوات الأمن أصحاب البلاغ في حافلة إلى الحدود المغربية الجزائرية وتخلوا عنهم في الصحراء دون ملابس كافية أو أحذية أو طعام وهددوهم، حتى لا يهمُّوا بالعودة إلى الأراضي المغربية. ولاحظت اللجنة أن عملية الطرد تمت بصورة سريعة للغاية ودون إعلام مسبق ولم تُتح لأصحاب البلاغ فرصة للإعتراض على قرار الطرد أمام السلطات الداخلية لأنهم لم يحصلوا على محام لتمثيلهم، ولأنهم لم يخطروا بحقهم في الإعتراض على الطرد. كما لاحظت أيضاً أنه لم يُسمح لأصحاب البلاغ التحدث مع مدير مركز الشرطة الذي إحتجزوا فيه لبضع ساعات قبل إقتيادهم إلى الصحراء، وذلك لإطلاعه على الوثائق الصادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التي تؤكد على أوضاعهم كلاجئين.

كما لاحظت أيضاً أن الحدود كانت مغلقة في تلك الفترة، وهي لا تزال مغلقة الآن، مما يعرض أصحاب البلاغ بصورة تلقائية إلى جميع أشكال المخاطر وردود الفعل العنيفة. وبالفعل تعرضت إمرأتان، بحسب المزاعم للإغتصاب من جانب مسلحين مجهولي الهوية وإستخدمت قوات الأمن الجزائرية القوة لإرغام أصحاب البلاغ على العودة إلى الأراضي المغربية، ولم يتوانوا في ضربهم وتهديدهم بالموت بإستخدام السلاح.

وبعد أن لاحظت اللجنة أن الدولة الطرف أعلنت أن سلطاتها الإدارية إعتمدت مرسوماً للطرد بتاريخ 23 ديسمبر 2006 ويتعلق ب‍ 230 مهاجراً وافداً من جنوب الصحراء الكبرى في أوضاع غير قانونية، وأن أصحاب البلاغ لا يندرجون ضمن هذه القائمة، وأن عمليات التحقيق التي أجرتها السلطات في عام 2014 أكدت أن أسماء أصحاب البلاغ لا تظهر في قواعد بيانات مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في المغرب، ومكتب اللاجئين وعديمي الجنسية التابع لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون. ومع ذلك فإن الملفات المتعلقة بأصحاب البلاغ كانت لا تزال معروضة عند وقت نظر اللجنة أول مرة في البلاغ على مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في المغرب، فلا يوجد أي سبب يجعل اللجنة تشكِّك في صحة إدعاءاتهم.

وبالتالي فإن اللجنة رأت أن الوقائع بالصيغة التي قدمها أصحاب البلاغ تبين حدوث قصور من جانب سلطات الدولة الطرف فيما يتعلق بتقييم المخاطر، قبل إعادة أصحاب البلاغ إلى بلد من المحتمل أن يتعرضوا فيه للتعذيب، وذلك يخالف مبدأ عدم الطرد، وأنها إنتهكت أحكام الفقرة 1 من المادة 3 من الإتفاقية فيما يتعلق بطرد أصحاب البلاغ إلى الجزائر وحملهم على أن يكونوا في وضع قد يتعرضون فيه لأفعال التعذيب.

وفي قضية “ع .ع” ضد المغرب بشأن إدعاء المشتكي”أنه أودع الحبس الإحتياطي في 14 ديسمبر 2010 وتعرض لجلسات تعذيب إلى غاية 23 ديسمبر 2010 بهدف إنتزاع إعترافات منه، وأنه أُجبر بعد هذه المعاملة على التوقيع على ما قيل إنها إعترافات صيغت مسبقاً باللغة العربية، وهي لغة لا يجيدها، وأنه لم تبلَّغ أسرته، خلال تلك الفترة، بمكان وجوده ولم تعلم بذلك إلا عبر الصحافة في 27 ديسمبر 2010، وأنه لم يتلقى مساعدة من محامٍ إلا في هذا التاريخ، و أثناء جلسة إستجوابه في 24 ديسمبر 2010، لم يوثّق قاضي التحقيق الجروح التي أصيب بها صاحب البلاغ ولم يطلب إجراء فحص طبي، وأنه إشتكى أثناء جلسة إستجوابه الثانية أمام قاضي التحقيق في 18 يناير 2011، وكان يرافقه حينها محاميه، من المعاملة التي تعرض لها أثناء الحبس الإحتياطي لكن لم توثّق إدعاءاته ولم يطلب قاضي التحقيق إجراء فحص طبي”.

وقد إعتبرت لجنة مناهضة التعذيب أنه “نظراً إلى هذا المناخ الذي يتسم بإنتفاء الضمانات المتعلقة بالحصول على المساعدة القضائية، لا سيما أثناء الحبس الإحتياطي، والحرمان من أي إتصال بالأسرة، وعدم إبلاغ الأسرة بمعلومات عن مكان الإحتجاز، والحرمان من إستشارة طبيب، وكون صاحب البلاغ ربما أُكره على التوقيع على إفادات مكتوبة بلغة لا يجيدها، وعدم ورود معلومات من الدولة الطرف تفند هذه الادعاءات، ترى اللجنة أن الدولة الطرف أخلت بالتزاماتها بموجب الفقرة 1 من المادة 2 وإلتزاماتها بموجب المادة 11 من الإتفاقية.

ورأت اللجنة أن السلطات أخلت بواجب إجراء التحقيق، وفي ذلك إخلال بالإلتزام الواقع على عاتق الدولة الطرف بموجب المادة 12 من الإتفاقية، وهو التأكد من قيام سلطاتها المختصة بإجراء تحقيق سريع ونزيه كلما وجدت أسباب معقولة تدعو إلى الإعتقاد بأن عملاً من أعمال التعذيب قد إرتكب. وحيث أن الدولة الطرف لم تف بالتزامها وهكذا تكون قد أخلت أيضاً بالمسؤولية التي يتعين عليها تحملها بموجب المادة 13 من الإتفاقية، بأن تكفل لصاحبة البلاغ الحق في تقديم شكوى، وهو ما يفترض أن تستجيب السلطات لهذه الشكوى على النحو المناسب بأن تفتح تحقيقاً فورياً ونزيهاً.

خلصت لجنة مناهضة التعذيب إلى أن الوقائع المعروضة عليها تكشف عن وقوع إنتهاك للفقرة 1 من المادة 2 والمواد 11 و12 و13 و15 من الإتفاقية، التي دعت الدولة الطرف بإلحاح إلى إبلاغها، في غضون تسعين يوماً من تاريخ إحالة هذا القرار، بالإجراءات التي تكون قد إتخذتها عملاً بالملاحظات المبين أعلاه. وينبغي أن تشمل هذه الإجراءات فتح تحقيق نزيه وشامل في إدعاءات صاحب البلاغ، وينبغي أن يشمل هذا التحقيق إجراء فحوص طبية وفقاً لتوجيهات بروتوكول إسطنبول.

أما في قضية ر. أ. ي ضد المغرب بشأن إنتهاك إلتزامها بموجب الفقرة 1 من المادة 3 من الإتفاقية بعدم طرد أو إعادة فرد إلى دولة إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الإعتقاد بأنه سيعّرض لخطر التعذيب، فإن لجنة مناهضة التعذيب وبعد أن لاحظت أن سلطات الدولة الطرف لا تمتلك في هذه القضية، أي دليل يسمح لها بتقييم ما قدمه صاحب الشكوى من إدعاءات غامضة وعامة وغير مُدعّمة بشأن التعذيب تقييماً أكثر دقة، إعتبرت أن صاحب الشكوى لم يقدم، إستناداً إلى جميع المعلومات التي قدمها، بما في ذلك المعلومات عن الوضع العام السائد في الجزائر، أدلة إثبات كافية، كما تفرض ذلك المادة 3 من الإتفاقية، للسماح للجنة بالخلوص إلى أن تسليمه إلى الجزائر يعرضه لخطر متوقع وحقيقي ويهدده شخصياً بالتعرض للتعذيب، وخلصت إلى أن تسليم صاحب الشكوى إلى الجزائر لا يشكل إنتهاكاً للمادة 3 من الإتفاقية.

وعلى ضوء ما سلف يمكن القول بأن أليات الامم المتحدة التي تنهج حماية حقوق الانسان في كل بقاع الكرة الأرضية، لها دور مهم في تتبع وتقييم حالة حقوق الإنسان والإنسانية كافة، في أي بلد من بلدان العالم من اجل السير قدما بمنظومة حقوق الإنسان والقانوني الانساني ككل

  • المراجع المعتمدة : 

– قرار إتخذته اللجنة في دورتها الثانية والخمسين المعقودة في الفترة من 28 نيسان/أبريل إلى 23 أيار/مايو 2014 بشأن البلاغ رقم 525/2012.

– البلاغ رقم 477/2011 الذي اتخذت بشأنه قرارا في دورتها الثانية والخمسين (28 أبريل- 23مايو 2014).

-قرار اعتمدته اللجنة في دورتها الثالثة والخمسين (3-28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014)بشأن البلاغ رقم 321/2007.

– قرار للجنة مناهضة التعذيب صادر بتاريخ 16 أيار/مايو 2011 في دورتها 46 بشأن البلاغ رقم 419/2010

برجاء تقييم المقال

الوسوم

منى دلوح

منى دلوح طالبة باحثة في سلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة عبد المالك السعد -طنجة ، حاصلة على دبلوم الماستر في حقوق الانسان، موازاة مع مساري الدراسي فأنا ناشطة في العديد من الجمعيات منها مركز ليكسوس للدراسات القانونية والسوسيولوجيا، متطوعة بشبكة حقوق الانسان بمعهد بروميثيوس للديقراطية وحقوق الانسان، رائدة بالفضاء المدني... كذلك مشاركة في برامج تدريبية وتكوينية سواء على المستوى الوطني وكذا الدولي من بينها أكاديمية المجتمع المدني، منتدى شباب العالم في مصر، سفراء نوابك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق