سياسة وتاريخ

تقريب كتاب:《الدولة وتدبير حراك الريف تدبير أزمة أم أزمة تدبير》

في سياق الحراك الفكري وكذا تظافر الجهود العلمية في التفاعل مع الواقع وقضاياه الراهنة، صدر كتاب (الدولة وتدبير حراك الريف ) للأستاذ محمد الغلبزوري _ أستاذ القانون العام بالكلية المتعددة التخصصات بالناضور_ وعليه فقد حاولت قراءة الكتاب وتقريبه إلى حد ما لنفسي ومشاركته معكم حسب استطاعتي وجهدي، وفوق ذلك لا ألام، وبما أن الكتاب يقع في 437 صفحة، فقد قسمت القراءة إلى جزأين، في انسجام مع تقسيم الكتاب.
استهل المؤلف كتابه بمقدمة فكك خلالها تركيبة العنون (الدولة وتدبير حراك الريف تدبير أزمة أم أزمة تدبير) ، فالدولة تعني “مجموع السلطات العمومية داخل بلد معين، أي الحكام تمييزا لهم عن المحكومين” والتدبير المقصود هو :” التدبير العمومي Management public” أما مفهوم الأزمة فيعني : الوضعية المفاجئة التي تهدد المصالح الحيوية لمؤسسات صنع القرار وتقلص لها من الوقت الكافي لاتخاذ قراراتها ” وما تدبير الأزمة إلا: “استراتيجية استباقية وثقافة الوقاية والإعداد الجيد وآليات للمراقبة والكشف الفوري عن المؤشرات الضعيفة” وفي نفس السياق يعتبر الريف مفردة لها جذور تاريخية قديمة… وفي العصر الحديث هناك شبه إجماع على المعيار الجغرافي في تحديد هذا المفهوم_ الريف _ والأمر يتعلق “بالريف الكبير ” ورقعته تجمع الريف الشرقي والأوسط والغربي، هذا بالنسبة للريف الكبير، أما الحديث في الكتاب سيكون عن “حراك الريف الأوسط والشرقي” فقط، باعتبارهما مسرح لحراك الريف الذي هو : “صرخة في وجه المخزن والأحزاب السياسية والمجتمع المدني والنخب ويحمل وعيا بأهمية المساهمة في التغيير والمطالبة به وتعبيرا عن أزمة اقتصادية واجتماعية حقيقية بالريف”.
وبعد تفكيك العنوان صاغ المؤلف العديد من الإشكالات المهمة، منها ما هو مفتوح الآفاق للبحث كسؤال تراجع الوساطة السياسية والمدنية بعد رفضها من طرف نشطاء الحراك؟
وأسئلة أخرى من قبيل:
كيف استطاع الحراك أن يستمر لمدة طويلة بنفس الزخم؟
لماذا رفضت الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية؟
وهل كان قرار الرفض صائبا؟
هل أسهم الحراك في ظهور تيار جديد بالريف يسمى التيار الجمهوري؟
هل ينذر الحراك الريفي بانتهاء الأيديولوجيا؟
كيف كشف الحراك عن هشاشة المصالحة مع الريف؟
وغيرها كثير من التساؤلات المطروحة .
وبعدها يشير الكاتب إلى ضرورة قيام المقاربة الأكاديمية بدورها المتمثل في الأرشفة والبحث عن الحقيقة وتصحيح المغالطات… ولا يتأتي ذلك “إلا بربط العلوم الإجتماعية بالحراك” وقد اعتمد المؤلف منهجي الوصف والتحليل أداة في الإجابة عن أسئلة الكتاب مستأنسا بالمنهج التاريخي، والكتاب مقسم في عمومه إلى فصلين، الأول: “اندلاع حراك الريف” والثاني “رد فعل الدولة وتعاطيها مع الحراك” وهذا التفصيل في المقدمة عمل منهجي مهم من طرف المؤلف باعتبار المقدمات مفتاح الكتب وخارطة طريقها.
ينطلق صاحب الكتاب في الفصل الأول من الكتاب بتحديد حيثيات الحراك وأسباب اندلاعه وخصوصا الأسباب غير المباشرة، التي ترجع إلى “قصور السياسات العمومية للدولة، في اتجاه منطقة الريف منذ الاستقلال” حيث أفرزت “التهميش والعزلة ” كسبب رئيسي غير مباشر أدى إلى اندلاع حراك الريف، بالإضافة إلى “ثقل التاريخ وإشكالية المصالحة” ويورد المؤلف معطيات رسمية يبني عليها استنتاجاته وخلاصاته منها الإحصائيات الرسمية: لنسب تعداد السكان والبطالة والأسعار والمستوى التعليمي والمستوى الصحي بالريف الأوسط شرقي، وربط ذلك بسياق واقع الريف المزري اقتصاديا_ تراجع عائدات المهاجرين والقنب الهندي والتهريب والقطاع السياحي والفلاحي _ واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، مع استحضار صور واقعية مجسدة لهذا التهميش من طرف الدولة التي “أهملت كل ما يرتبط بالهوية واللغة والتاريخ والذاكرة الجماعية” فكان “الحراك ومازال الجواب الجماعي الذي قدمه الريف لسياسة الدولة في اتجاهه، وهو الأمر الذي أغضب الرباط أشد الغضب”.
هذا من جهة الأسباب غير المباشرة، أما الأسباب المباشرة لاندلاع حراك الريف نجد جريمة “طحن الشاب محسن فكري السبب المباشر الذي أذكى من جديد كل الآلام والأحقاد وإحياء الشهور بالإهانة” مع ربط هذا السبب بتدهور الشريان الاقتصادي للمنطقة _الميناء_ وكذا استحواذ (لوبي قطاع الصيد البحري) على نشاطه ، كما أن لهذا اللوبي يده في جريمة طحن محسن فكري، وما الأخير إلا “الحائط القصير والحلقة الأضعف في المعادلة” الذي راح ضحية الغول الفساد، السماسرة والأباطرة الكبار لقطاع الصيد البحري.
ومن هناك يسير الكاتب إلى إبراز هوية الحراك، فيسجل من حيث (المرجعية)_ استحضار الأعلام التاريخية ورموز المقاومة…_ ومن حيث ( الخطاب) فهو _ بسيط شعبوي يصل إلى كل الفئات المجتمعية، لا حدود حمراء له _ سحب البساط من كل القوى السياسية صارت خارج إطار الوساطة السياسية، هذا ما يسجل للخطاب أي له، ويسجل عليه أنه”راديكالي غير منسجم مع طبيعة مطالب الحراك… ” مما أتاح للدولة استغلاله في سكّ التّهم الجاهزة.
وبعدها يشير الكاتب إلى بعض “رموز الحراك”: من هم؟ وما دورهم؟ المميزات الشخصية؟ شبابا كانوا أوشابات : ناصر ،نبيل، جلول المجاوي، نوال، سيليا، وردة…
مع نقد ما يمكن نقده من (صفات وتصرفات) غير محبذة في سياق الحراك ومقصده، بالإضافة إلى استحضار “انخراط الأطفال في الحراك” وكيف اندمجت هذه الفئة في الحراك وقدمت معتقلين! في صورة غريبة واجهت” الدولة أطفالها الصغار بالاستدعاءات واستعمال القوات العمومية…”
ثم ينتقل المؤلف لمناقشة مسألة مهمة وهي “المرجعية السياسية للحراك” ويستهلها باعتبار الحراك (دون لَون سياسي أو إيديولوجي، جمع اليساري والإسلامي الأمازيغي والسّلفي والشّيعي والسّني وكل الأطياف تحت مظلة الرّيف” ، وأتبع هذا التحديد المرجعي للحراك بإشارة قيمة يقول فيها: أنه إن كان الأخير بدون لون سياسي “فلا يعني أنه انطلق مجردا من المواقف السياسية” بل على العكس تماما فشعارات الحراك من قبيل: “هذا الريف وحنا ناسو والمخزن يجمع راسو…” إلا دليلا على المرجعيات السّياسية ممهدة لتسجيل مواقف سياسية.
وفي سياق المرجعيات يتساءل الكاتب :من أين يستمد حراك الريف مواقفه السياسية؟ وهل له مرجعيات سياسية معينة ؟
جوابا على هذه التساؤلات اقتضى الأمر ربط الحراك بمختلف التوجهات التي تؤطر أغلبية شباب المنطقة:
أولا : (الحركة الأمازيغية) التي أشبع الكاتب الحديث عنها باعتبارها “الخلفية الاجتماعية الأقوى التي استند إليها الحراك” كحقيقة أولى ثم “المواقف السياسية التي تبناها الحراك هي معظمها مستمدة من التصور السياسي للحركة الأمازيغية ” كحقيقة ثانية ، ثم يستدرك الكاتب على ما قيل بالتأكيد على استقلالية الحراك عن كل التوجهات الأيديولوجيات وأن الأخير تجاوز الحركة كثيرا على “مستوى الاشتغال وآليات التواصل…” دون أن يُغفل الكاتب عدم توفق الحركة على مستوى التضامن الوطني خصوصا بعد الاعتقالات…
ثانيا: (حراك الريف واليسار ) “إن ما قلته عن الحركة ينطبق على اليسار كذلك، فهذا االأخير ليس بتنظيم موحد متجانس” ورث التشرذم وتكالب المشاكل.
أما: “مسألة الأحزاب اليسارية ودورها في القرار الحراكي فهي مسألة محسومة” عندما قال الحراك: “لا للدكاكين السّياسية” فلزمت الأحزاب غرزها، إلا ما كان بين قيادي النهج الديمقراطي وناصر الزفزافي من صدامات… وكذا سياقات تسمية “الخزوماشوقية” …
وفي نظر صاحب الكتاب فإن الحراك نجح في إشراك أطياف مختلفة التوجهات … وغيب بؤرة الأيديولوجية والسير دون هيكلة تنظيمية هرمية، وترك الأمر للتلقائية الحراكية العفوية .
ثالثا: (الحراك والحركة الإسلامية) قصر المؤلف الحديث عن العدالة والتنمية والعدل والإحسان (باعتبارهما تنظيمين ذا بعد حركي) وكذا الجماعات السفلية، أما الأول: فكان موقفه من الحراك واضحا بتوجيه كبيرهم (بن كيران) إلى عدم المشاركة، هذا مع التنويه بمرافعات المستشار البرلماني “نبيل الأندلسي” دفاعا عن المطالب ومطالبة بحرية المعتقلين، أما بالنسبة للثانية “فوجودها بالريف ضعيف جدا مقارنة مع المناطق الأخرى” وعليه كان حضورها في الحراك ضعيفا لا يتعدى مشاركة بعض الأفراد في الاحتجاجات، أما الفعل التنظيمي على مستوى لجنة الحراك أو باقي اللجن المحلية فكانت غائبة.
هذا، ويؤكد صاحب الكتاب على الحضور القوي لتيار السلفية خاصة في مدينة إمزورن، وقدم بدوره معتقلين سياسيين، مع استحضار تصور التيار السلفي لقيادة الحراك الذي يبدو لها بأنه” المسلم الصالح” الذي تجد المرجعية الإسلامية مكانا فيه، وينتهي الكاتب إلى “أن انخراط هذه الجماعات _السلفية_ كان عاطفيا أكثر مما هو اقتناعا بأهداف الحراك وفلسفته!” وهنا لا أتفق مع رأي الأستاذ الغلبزروي، بحيث أرى أن الأمر ليس كذلك، أقصد ليس حضور التيار السلفي (عاطفي!) أكثر مما هو اقتناع، فهذا الاستنتاج أو الحكم لايمكن أن يبنى على فرضية ” أن جماعات السلفية الجهادية لاتؤمن بالاحتجاحات السلمية”! فبالتالي هي كذا، هذا من جهة، ومن أخرى فهذا الحصر (في العاطفي) أجده ينزع عن التيار السلفي الوعي بالمقصد والغرض من تفاعله مع الحراك ويضعه في صورة التائه، وهذا الذي لم يكن.
وعليه، أحيل على سبيل الاستئناس إلى شريط على اليوتوب ( لعمر الحدوشي) تفاعل فيه مع بيان الأغلبية الحكومية وكيف نظر إلى الحراك باعتبار رمزيته كشيخ للسلفية، ولربما اتضح الأمر أكثر، ثم أن العاطفة هي محرك الحراك عموما لو دققنا النظر.
رابعا : (حراك الريف ومدى انبثاق التيار الجمهوري)، في البدء يحسم الكاتب القول بأن الأخير”ليس ترجمة لتصور منسجم معبر عنه تنظيميا يعكس تصورا سياسيا…” مع استثناء (حركة ١٨ سبتمر) التي كان لها الحد الأدنى من التنظيم والتصور، والتي “يمكن أن نعتبرها في الوقت الراهن حركة صورية” وعليه، فلا حديث عن تيار جمهوري في غياب “أية ورقة سياسية” مع الاحتفاظ بالقناعات الشخصية. هذا وقد شكل الإختلاف على سقف الحراك بأوروبا تفتق تيارين من تيار واحد، الأول: التيار الجمهوري والثاني: التيار الديمقراطي، وقد صاحب ذلك مجموعة من الصراعات.
كما وجب الإقرار باسهام هذا التيار الجمهوري في حراك أوروبا وإيصال قضية الريف إلى الرأي العام الدولي، إلا أنه بقي ممزقا لا رؤية له ولا تنظيم.
هكذا، ينتهي صاحب الكاتب إلى” أن بروز التيار الجمهوري من داخل الحراك، يعبر خيانة لهذا الأخير، لأن الحراك له سقفه وهو الملف المطلبي” مع رصد التهورات التي قام بها بعض النشطاء الجمهوريين وساهمت في التخوين وفتح الثغرة للدولة لإلصاق تهم التآمر والانفصال…
وفي سياق الحديث عن سقف الحراك، يعرج الكاتب للكلام عن (مطالب الحراك) وصياغة الملف المطلبي الذي ” تم بلورته بمقاربة تشاركية ” جاء “كثمرة لحوار شعبي ميداني وجماعي” يضم عددا من المطالب طبيعتها:
حقوقية وقانونية واجتماعية واقتصادية وإدارية.
بالإضافة إلى أن الكتاب رصد جملة من (شعارت الحراك) المتداولة، مثل: عاش الريف ولا عاش من خانه والموت ولا المذلة …
وكذا الوقوف عند (القاموس المفاهيمي) للحراك : _الحراك مبارك مقدس _ الخوزوماشوقية _ طحن مو_ جمهورية اللايف_ الدكاكين السياسية _ شن طن_ … إضافة إلى (قسم الحراك ) الذي يعتبر حسب الكاتب “استدعاء مباشر للتاريخ” في مظهر “ذزاجيث ريمين” _أو اليمين_ لأعيان قبائل الريف أيام الحرب التحريرية مع الأمير مولاي موحند _محمد بن عبد الكريم الخطابي_ بجبل “القامة تمسمان” تمهيدا للمّ الشّمل للشروع في المقاومة.

ومن القسم الحراكي إلى مبادئه التي يجملها الأستاذ الغلبزوري في :
أولا :استحضار الذاكرة والتاريخ ) فالحراك ليس وثيقة مطلبية فقط بل هو “حراك ذاكرة جماعية حية وحراك هوية أمازيغية محتجة” تارة مع الأجنبي وتارة مع المخزن، هذا دون أن يتقوقع الحراك محليا بل هو حاضر حيث وجد الاستبداد والقهر.
. ثانيا :(السلمية) “أدرك الحراك منذ اليوم الأول أن سر قوته يكمن في سلمية احتجاجاته ونبذه للعنف ” فرسم بذلك صور راقية للتظاهر والاحتجاج أعطت له إشعاعا وطنيا ودوليا وصار نموذجا يقتدى به .
ثالثا: (الاستقلالية) أي أن الحراك استقل عن الأحزاب السياسية والجمعيات والنخب السياسة والثقافية والأكاديمية ،فاعتبر الأولى والثانية جزء من المشكل وليس جزءا من الحل ، كما أنها لم تدعم الحراك بل اتهمته وشيطنته، باستثناء أحزاب فدرالية اليسار والنهج وجماعة العدل والإحسان ، وعليه فلا عزاء للدكاكين السياسية في تباكيها مع الاحتفاظ بالاستثناءات طبعا. كما يسجل الكاتب أن ” وضع جميع الجمعيات في خانة واحدة… هو خطأ فادح وقع فيه حراك الريف”
حيث لا يمكن نكران حضور “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، ومنتدى حقوق الانسان لشمال المغرب…” .
أما النخب المختلفة التوجهات فقد انهارت وظيفتها في الحراك إلا القليل، “حيث ظلت النخبة الأكاديمية على امتداد الحراك في سبات عميق” وما كتب عن الحراك لحد الآن ما هو إلا دليل على فشل النخية وتراجع دورها ، والحراك كشف هذا العجز وبينه “فهي إما لا تملك الجرأة للتعبير عن آرائهم… أو تخاف على مناصبها” فهي نخية انتهازية يقول الكاتب.
رابعا :(الإبداع) فقد أبدع الحراك في كل دينامياته الاحتجاجية المختلفة مسيرات: الشموع، الورود، الأكفان ،الطنطنة، الشواطئ ،الالإضرابات…
“ولا أبالغ إن قلت بأنني اعتبر أن فترة الحراك الريفي، رغم نهايتها المأساوية،هي فترة ذهبية في تاريخ الريف ستبقى خالدة في أذهان الريف” .
ومن المبادئ الحراكية، ينتقل الكاتب إلى تتبع (تطورات الحراك الشعبي بالريف) وكيف تمددت “شرارة الحراك إلى مجموعة من مناطق الريف” وتشكيل مجموعة من اللّجان المحلية، ثم بعدها “تأسست لجان لدعم حراك الريف على المستوى الوطني” في طنجة والرباط والدار البيضاء…
كما وصل التمدد الحراكي إلى أوروبا، فتأسست كذلك مجموعة من لجان أوربية: في هولاندا وبلجيكا وفرنسا وإسبانيا… وتشكلت “التنسيقية الأوروبية لدعم الحراك الشعبي بالريف” مما أعطى إشعاع قوي للحراك بأوروبا، وكذا تدويل قضية حراك الريف.

لكن في الأخير انتهي هذا العمل الجماعي إلى تناطحات وصراعات أيديولوجيا حادة مظهرها التخوين والتخوين المضاد.
ويعقب الكاتب على هذا، بالقول أنّ مسألة الحراك هي قضية داخلية لا ينفع فيها الخارجي(التدويل) لأن العلاقات بين الدول مبنية أساسا على المصالح.
ومن ثم يمضي المؤلف للإجابة عن سؤال (تداعيات الحراك) حيث إن هناك “مغرب قبل الحراك والمغرب بعده” لأنه أفرز وضعا محليا وطنيا مختلفا عما سبقه، فعلى مستوى الريف خلف (ركودا سياسيا وجمعويا) وما فشل حزب الأصالة والمعاصرة في معقله “بالقيام بدور الوساطة بين الريف والمركز” وكذلك فقدان الثقة في الجمعيات ونفور الريفبين منها، إلا تجسيدا للركود السياسي الجمعوي البارز.
وأَضِف إلى التداعيات المذكورة،(الهجرة الجماعية ) داخليا وخارجيا، في صورة مؤسفة استنزفت المنطقة فيها رأسمالها البشري الذي يعتبر أساسا للتنمية، مع أن الهجرة ليست حلا يقول المؤلف ” أنها تعطي حلولا فردية يستفيد منها المهاجر وعائلته ولايمكن الرهان عليها من أجل الازدهار الجماعي.”
وأخيرا نجد (بروز قضية الريف) بكل تجلياتها السّياسية والتاريخية والثقافية والتنموية إلى واجهة اهتمام الريفين عموما، كواحدة من التداعيات المهمة. وكل هذا دليل على الركود السياسي والجمعوي، ودليل أيضا على فشل الإنصاف و المصالحة واضمحلال النموذج التنموي.
ويسترسل المؤلف في رصد (تداعيات الحراك لكن هذه المرة على المستوى الوطني) ومن ذلك:
توسيع رقعة الاحتجاجات بالمغرب، احتجاحات زكورة وجرادة وتنغيير… وقد استهلم بعض هذه الاحتجاجات ابداعات الحراك ، وحاولت تجنب ما عيب عن الحراك من الجهة الرسمية للبلاد. هذا دون أن نغفل الشكل الاحتجاجي (المقاطعة): التي جاءت كتعبير وطني فهم لعبة القمع المخزني واستوعبها، فاختار الفضاء الفايسبوكي للتعبير والاحتجاج كنوع من “الحراك الناعم الهادئ” فكان لها صداها وأثرها في زعزعة معاقل الفساد.
ومن تداعيات الحراك على المستوى الوطني أيضا: (انتفاء الوساطة) وأمام العجر السياسي الحزبي، ألغ المواطن دور (السياسي الوسيط )بينه وبين السلطة، فاتجه مباشرة إلى رئيس الدولة للمطالبة بمطالبه، وهذا أمر يعد سابقة في المشهد السّياسي، بحيث يجعل الدولة تعيد حساباتها في الرهان على الأحزاب السياسية، وما لجنة النموذج التنموي الحالية إلا صورة لذلك وبناء وعليه، فإن المشاريع المتعلقة بالأحزاب السياسية لم تعد تقنع المواطن ولا يعول عليها، وإنما “البديل مرتبط بالإرادة الشعبية التي تصنع رموزها وقيادتها في ساحة الميدان”.
عموما هذا ما تيسر تقريبه من القسم الأول من الكتاب أو الفصل الأول حسب تقسيم المؤلف، في انتظار الجزء الثاني، والله ولي التوفيق والسلام عليكم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى