مدونات

تفلسف الحمار فمات جوعًا أو حمار بوريدان

تأتي هذه المقولة المشهورة في حقل الفلسفة و كثيرًا ما نسمعها دون أن ندري ما قصتها الحقيقية وما الغاية منها، هذه الجملة التي تحمل في ذاتها مفارقة عجيبة ” تفلسف الحمار فمات جوعًا “.

جان بوريدان هو فيلسوف و عالم عقيدة و منطقي فرنسي عاش في القرن الرابع عشر، و الذي اهتم كل الاهتمام بالطبيعيات ( الطبيعة ) جعل منه هذا العلم ينتج الكثير من المفاهيم، و كان السباق إلى تأسيس بوادر الثورة الكوبرنيكية، انطلاقا من مفهوم قوة الدفع الذي تحدث عنه، و الذي سيتطور مع كوبرنيقوس، و لأن بوريدان كان يهتم كل الاهتمام بالكائن الحي والدوافع التي تحركه و تدفعه للقيام بسلوك دون الآخر جعل منه هذا الاهتمام أن يعيش تجربة فكرية عجيبة يحاول منها فك معضلة حرية الإرادة/حرية الاختيار.
و هي ما تسمى الآن ب تفلسف الحمار فمات جوعا أو حمار بوريدان، و الذي يعرض من خلال هذه القصة أو التجربة الفكرية المشكلة التي يواجهها الإنسان في حياته اليومية عندما يريد أن يختار بين شيئين لهما نفس القيمة ونفس الدرجة، فيقف حائرا متسائلا: أيهما أختار ؟ أيهما الأفضل ؟.

هذا بالضبط ما حصل مع حمار جان بوريدان، حيث تروي القصة أن بوريدان هذا كان له حمارًا كسلان و أراد أن يتركه جائعًا بدون أكل و لا شراب لمدة يومين، بعدها أطلق سراحه و وضع له كومتين واحدة تحتوي على القش و الأخرى على الماء، مع العلم أن الكومتين يبتعدان على بعضهما بنفس المسافة ليقف الحمار وسطهما حائرا مندهشا أيهما أختار ؟ و من أين أبدأ ؟ هل أبدأ بالأكل أولا أم أروي عطشي أولا ؟ ثم هل علي أن آكل و أشرب بتساوي بدون أن أكثر من القش أو الماء ؟.

كل هذه الأسئلة هي التي جعلت حمار بوريدان يقف بين كومتين لا يستطيع الذهاب إلى واحدة منهما و ترك الأخرى، كما أنه لا يستطيع أن يذهب إليهما معًا في نفس الوقت، هذا ما جعله يسقط أرضًا ميتًا بدون اختيار وبدون إقبال على الفعل أو حتى المحاولة.
يجب أن نعلم أن هذا الحمار كان يتصارع مع أفكاره و تساؤلاته التي كانت بمثابة قيود تكبله منذ خروجه من الحظيرة، كما أنه كان يتصارع مع الوقت/الزمن الذي يعبر عن اللحظة التي كان يقف فيها أمام اختياراته المتضاربة في جمجمته و المتجسدة أمامه، فالوقت و الجوع لم يعطفا على الحمار، هذا ما جعله يعيش نهاية تراجيدية تنصفه في شيء واحد هو أنه خرج من الحظيرة ليدخل إلى التاريخ انطلاقا من قلم جان بوريدان.
المغزى و العبارة من هذه قصة طبعا هي أن الإنسان أيضا يخضع لنفس شروط الطبيعية التي خضع لها حمار بوريدان، فهو ككائن عاقل و طبيعي يقف دائما حائرا متسائلًا أي الاختيار اختار و أيهما يمكن ان يكون الأفضل بالنسبة لي، و هذه هي مشكلة الإرادة التي تكون هي المحرك للسلوك الإنساني و أي فعل راجع لها هي. نحن نعلم أن الإنسان له الحرية و هذه الحرية مرتبطة بالإرادة التي تحرك الإنسان كما قلنا على القيام بالأفعال و السلوكيات…

هوامش: زكرياء الساسي طالب باحث في شعبة الفلسفة بجامعة ابن طفيل (القنيطرة).

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى