أسلوب حياة

تعلم فلسفة تقبل الآخر من جهازك المناعي

نحن نتكلم ونأكل ونشرب ونحب ونكره ونضحك ونغضب ونغني ونفرح ونحزن بالجينات، ومع الجينات بعض من المشاعر التي أعتقد أنها أيضًا بالجينات، وفوق المشاعر هناك طبقة أعلى من الإنسانية، وهي التي تجعلنا دائماً نعود إلى الفطرة التي خلقنا الله عليها.

ولذلك أدركت وأيقنت أنه من ضياع الوقت والجهد والعلاقات أن تتوقع الكثير من الآخر أو أن تغيره كما تريده أن يكون، اكتشفت أن حرص الإنسان على تغيير الآخر هو خطأ فادح في حق من يريد أن يغير ومن يتغير، اكتشفت بالخبرة والتجربة والواقع أن كل المحاولات تبوء بالفشل أو بنسبة ضئيلة من النجاح، ولكن على حساب أعصابك ووقتك وراحتك بل ومتعتك بالحياة.

اكتشفت أنها فلسفة خاطئة تماماً، وأن الفلسفة الأصح هو التركيز فقط على محاولة تغيير الذات من أجل الآخر بقدر المستطاع، وأيضًا بدون إهدار الوقت والمجهود والعلاقات، فقط احرص على أن تكون مع من يشبهك لترتاح، ومن لا يشبهك كن مجرد عابر سبيل ولو كل صباح، وإن لم تفعل ستشعر بخيبة الأمل عند كل محاولة تفشل فيها في تغيير الآخر خاصة مع الأشخاص “Perfectionists”؛ وهم الذين يتميزون بالسمات الشخصية التي تسعي إلى أن يكون كل شيء متقناً “Perfect”، الأمر الذي يصبح أكثر صعوبة مع الأفراد أو المجتمعات التي ليس لديها دراية أو ثقافة بمفهوم الإتقان “Perfectionism”.

إذا الحل بالطبع هو تطبيق سياسة وفلسفة تقبل وتحمل الآخر والتغاضي عن فلسفة تغيير الآخر، وبالطبع رأيت الكثير من يفعل ذلك، ولكني أدركت أيضًا أن معظم من يفعلون ذلك يكون عن طيب خاطر وبدون دراية، أي جيناته هي التي تتصرف بسلوك غريزي وليس سلوكًا مكتسبًا عن تعليم وتدريب وتوجيه وقناعة والفارق شاسع بالتأكيد.

بمعنى أدق، هو فعل تنفيذي بالفطرة المبرمجة عليها الشخصية، وليس بفعل تطبيقي للمكتسبات من جراء الخبرات والتعليم والتدريب والتوجيه، حتى صارت الفطرة قناعة، وبالتالي فتطبيق سياسة تقبل الآخر  تمم بطريقة عشوائية أي حسب طبيعة الشخصية.

وفلسفة تقبل (Tolerance تحمل) الآخر هذه موروثة في الجهاز المناعي في الكائنات الحية، سواء في الإنسان مما يؤكد على أهمية هذه الفلسفة الإنسانية، وحتى صفة “تقبل الآخر” في الخلايا المناعية هي فلسفة أيضًا؛ لأنها مكتسبة في الخلايا المناعية المنوط بها معرفة العدو من الصديق.

فالخلايا المناعية المتخصصة تولد مبرمجة في جيناتها على اكتساب فلسفة تقبل الآخر، ولكنها لا بد أن تتعلمها وتتدرب عليها في نخاع العظم والغدة التوتية طالما هذا الآخر في حدود الذات والوطن،  وهو الجسم الذي تدور فيه الخلايا المناعية والمسئولة عن الدفاع عنه ضد أي غزو خارجي، حتى ولو كان هذا الغازي خلايا بشرية من إنسان آخر، فهي أيضاً غريبة طالما لم تولد في نفس الجسم الذي ولدت فيه الخلايا المناعية.

ولذلك فالآخر عند الخلايا المناعية في جسم كل منا  هو أي خلية أخري ولدت في الجسم وتعيش فيه، ولذلك فإذا فشلت الخلايا المناعية لأي سبب من الأسباب في تطبيق سياسة وفلسفة تقبل (Tolerance) وتحمل الآخر؛ يؤدي ذلك وبدون شك إلي إصابة الجسم بأمراض المناعة الذاتية؛ مثل الروماتيد والتهاب القولون التقرحي، والالتهاب الكبدي، والذئبة الحمراء، وداء السكري من النوع الأول، وغيرها من العديد من أمراض المناعة الذاتية.

وقد تمتد فلسفة تقبل (Tolerance) وتحمل الآخر عند الخلايا المناعية لتشمل الأجسام الغريبة أو الخلايا البشرية من أشخاص آخرين، ولكن الأمر في هذه الحالة بالطبع ليس باليسير، بل يحتاج إلى  بروتوكول علاجي شديد ومركز يشمل علاجًا فوريًا  وعلاجًا طويل الأمد، حتى تقبل الخلايا المناعية أن تتقبل هذا الآخر وتتعود عليه، والذي لولا هذا البروتوكول العلاجي لكان من أشد الأعداء وتمت مهاجمته على الفور للتخلص منه ولو بعد حين.

ولذلك فإذا فشل هذا العلاج فشلت سياسة تقبل الآخر لدر الخلايا المناعية، وأصبح الكبد أو الكلية المزروعة من المتبرع للمستقبل عدواً، وبالتالي يؤدي إلى فشل عمليات زرع الأعضاء  البشرية وإنقاذ حياة المرضى.

وفي الواقع لو كنت فهمت هذا الدرس وهذه الطبائع البشرية والبيولوجية منذ صغري لكانت الحياة لها منحنى آخر الله وحده يعلمه، فلو عاد بي الزمان إلى مرحلة الصبا والشباب، لطبقت كل كلمة كتبتها هنا في هذا المقال لأُريح وأرتاح، وبعيداً عن حياة الرسل والأنبياء، فكلما قرأت الحاضر أو التاريخ كلما أقتنعت تمام الاقتناع أنه لا بد من أن يكون بيننا الصديق أبو بكر والفاروق عمر والإمام علي وذو النورين عثمان والفدائي طلحة والزبير والقائد خالد بن الوليد وعمر بن العاص، كل له شخصيته وصفاته التي خُلق بها لسبب أراده الله من أجل أن تتحقق رسالة الحياة في كل عصر.

فلا بد وأن يقبل الصديق أبو بكر السمات الشخصية للفاروق عمر، وأن يقبل الفاروق عمر السمات الشخصية للصديق أبو بكر، وهكذا الحال في تحقيق سياسة تقبل الآخر بين الجميع في كل عصر ومكان، ويبقى قانون الحق هو الميزان الذي يضبط العلاقات الإنسانية، وهو المسطرة التي تساوي بين الاختلافات النفسية حتى وإن اختلفت السمات الشخصية طالما أن النيات هدفها واحد.

تلك هي فلسفتي التي تعلمتها على كبر والتي كم كنت أتمنى أن أتعلمها على صغر لأُريح وأرتاح، ولذلك فأنا من دعاة أن يكون التعليم في المرحلة الأساسية والثانوية أساسه تعليم التربية الاجتماعية والنفسية والصحية والعلمية والرياضية، ليس لتغيير الشخصيات، ولكن لتبيان أهمية الاختلافات حتى في وجود الخلافات.

يجب أن نعلم أطفالنا وشبابنا أن الأصل هو الاختلاف وأن الخلافات سببها الاختلافات، وأن اختلاف السمات الشخصية هي مطلب وضرورة من خلق الله للإنسان كما قال في محكم آياته “وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا ….”، فالجينات ومعها المشاعر الإنسانية هي التي تشكل السمات الشخصية لكل منا لتصبح له بصمته النفسية والفكرية والعصبية والإبداعية والفنية والرياضية، والتي قد تتدرج من مقياس واحد إلى عشرة، وبالطبع سوف يمتلك كلا منا نقاطًا عالية وأخرى منخفضة هنا وهناك، ليكون التباين من أجل التكامل، فما نراه في الأفراد من صفات الهدوء أو العصبية أو المرح أو الاكتئاب بغض النظر عن السن والجنس والحالة الاجتماعية والوظيفية ما هو إلا جينات موروثة، فمعظم الناس تتصرف بفطرتهم والقليل منا من يتصرف بعد تعليم هذه السياسة وبعد اكتساب المعرفة بها والتدريب عليها.

وخلاصة القول أن نحذر من أن نقع في فخ الحرص على تغيير الآخر، خاصة في مرحلة ما بعد الطفولة، بل علينا أن نقبل الآخر على ما هو عليه، ونكون له إما رفيق قريب أو مجرد عابر سبيل خفيف، وإذا أردنا التغيير فلنغير أنفسنا لأجل الآخر لو نجحنا وسنجد أنه من الأمر العسير، فإذا كان الأمر صعباً علينا فكيف يكون سهلاً على الآخرين، وفي الواقع أصبحت أرى شخصياً أن محاولة تغيير السمات الشخصية للآخر كمن يريد أن يغير ذكرًا إلى أنثى أو أنثى إلى ذكر، أو كمن يريد أن يحول عصفورًا رقيقًا إلى غراب أو يغير حمامة سلام إلى صقر همام، أو قط وديع إلى ليس غضنفر أو العكس، هكذا تعلمت الدرس ولكن للأسف تعلمته حديثًا.

أكاد أزعم أنه لو تعلمنا وتدربنا على هذه الفلسفة لتقبلنا الآخر وتحملناه بنفس راضية واقتناع، ولقل أسلوب التنمر والوعظ والإرشاد الذي يرفعه كلا منا سوطاً على الآخر يلهب به ظهر سماته الشخصية كلما حل الاختلاف والخلاف، فلا هو قادر على تغييره ولا هو تاركه بلا ألم، وهنا يصبح الجميع سجينًا لوتيرة الضغوط النفسية منتظرًا المستحيل أن يحدث.

نعم لو تعلمنا وتدربنا على تقبل الآخر بسماته الشخصية والتعامل معه كرفيق أو عابر سبيل لأرتحنا وأرحنا، وأنصح نفسي والآخرين وخاصة الشباب أن يرى الحياة من هذا المنظور لكي يحيا هادئ البال بعيداً عن جلد الذات أو جلد الآخرين، حتى لا نصبح جميعًا في محكمة أقمناها لأنفسنا لنتبادل فيها الأدوار بين قاض ومحام ومذنب ومدعي ومدعي عليه.

لقد وعيت الدرس وأدركت فلسفة الحياة، وأرجوا ألا أكون قد تعلمت الدرس بعد فوات الأوان، ولكن لدي أمل قاطع أنه طالما مازلنا نتنفس، فما زالت هناك الكثير من الفرص المتاحة.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

د. محمد لبيب سالم

نبذة عن الكاتب ولد د. محمد لبيب سالم في 28 ديسمبر 1962 في قرية دهتورة مركز زفتي محافظة الغربية. ويشغل د. لبيب حاليا أستاذ علم المناعة بكلية العلوم جامعة طنطا ومدير مركز التميز لأبحاث السرطان والمدير السابق لمركز المشروعات والابتكارات ونقل التكنولوجيا بـجامعة طنطا والمشرف على مركز تنمية إقليم الدلتا التابع لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ورئيس مجلس ادارة الجمعية المصرية لأبحاث السرطان. حصل د. لبيب علي وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولي من السيد رئيس الجمهورية في 2019 وجائزة الدولة التقديرية لعام 2018 وجائزة الدولة للتفوق لعام 2009 وجائزة الدولة التشجيعية لعام 2003 وجائزة جامعة طنطا التقديرية لعام 2015. حصل د. لبيب علي بكالوريوس العلوم عام ١٩٨٤، وماجستير العلوم في ١٩٨٩، والدكتوراه في ١٩٩٥ من خلال بعثة إلي جامعة كيوشو باليابان. حصل علي منحة باحث بعد الدكتوراه في الفترة من ١٩٩٧ -٢٠٠١ ثم أستاذ زائر بالجامعة الطبية بكارولينا الجنوبية بأمريكيا الفترة في من ٢٠٠١ -٢٠١٠. د. لبيب باحث في علم المناعة له أكثر من 120 بحث وخمسة فصول في كتب علمية. و أكثر من 30 مشروع بحثي و 85 رسالة ماجستير ودكتوراه وشارك في 90 مؤتمر دولي والقي اكثر من 80 محاضرة علمية في مصر والخارج. د. لبيب عضو في اتحاد الكتاب مصر ومستشار علمي لمنظمة المجتمع العلمي العربي وعضو في هيئة التحرير والتقييم للعديد من الدوريات العلمية. قام د. لبيب بتأليف 8 اعمال ادبية من 2014 حتي الآن عبارة عن 4 روايات واربعة مجموعات قصصية وله أكثر من 70 مقالا في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية. كما يلقي د. لبيب محاضرات عامة في الجامعات والمدارس والجمعيات الأهلية عن الادب والعلم وتبسيط العلوم والإعجاز العلمي في البيولوجيا عامة والجهاز المناعي خاصة. كما أن له قناة على اليوتيوب يقدم فيها محاضراته. تأليف 56 مقال باللغة العربية في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية مثل الفيصل، العربي والعلم وكذلك على العديد من المواقع العربية مثل موقع منظمة المجتمع العلمي العربي وموضوع والصحف مثل روز ليوسف والديار والسبورة. أهم الأعمال الأدبية المنشورة : 1. رواية بعنوان "الرصاصة الجينية " – الناشر: دار النابغة –مصر 2019 2. كتاب "زواج بويضة" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2019 3. كتاب "سفاري إلى الجهاز المناعي" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2018 4. راوية بعنوان "وقت للبيع" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2014. 5. رواية بعنوان :كاندليه" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2016 6. مجموعة قصصية بعنوان "العشق الحلال" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2015 7. مجموعة قصصية بعنوان "زحمة مشاعر" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2015 8. مجموعة قصصية بعنوان "مشاعر لا تعرف السقوط". تحت الطبع. الناشر: دار النابغة –مصر 2019 9. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي اليابان " من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 10. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي امريكا" من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 11. كتاب بعنوان "تأملات في الجهاز المناعي – تبسيط العلوم - تحت الاعداد 12. كتاب بعنوان "تأملات في بيولوجيا النفس" – تحت الاعداد البريد الإلكتروني [email protected] [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق