ثقافة وفنون

هكذا كان الحذاء الرسمي للمصريين قبل قرن من الآن!

هو حذاء عرفه المصريون مطلع القرن الماضي وبدأ يشق اسمه في وجدان المصريين عشرينات القرن الماضي، عرفه المصريون عن طريق المستوردين الأجانب للأحذية آنذاك، لكنه لم يحفر ثقته في الوجدان الجمعي لأبناء القطر المصري إلا بعد بناء مصنعه في مصر بداية العشرينات من القرن الماضي. استطاع هذا الحذاء كسب ود المواطنين فكانت علاقته متينة معهم نظرًا لسعره المنخفض عن منافسيه ولجودته.. فهل مازلت يا عزيزي القارئ لم تعرف اسم هذا الحذاء؟

هذا الحذاء هو حذاء “باتا” أحد أهم الأيقونات في الثقافة الجمعية المصرية، بدأت الشركة نشاطها في مصر مبكرًا حيث أنشئ أول مصنع عام 1926 بعد أن تقدمت الشركة بطلب إلى الملك فؤاد ملك مصر آنذاك برغبة الشركة في إنشاء مصنع لها في مصر وقبول طلبها بالموافقة والاستحسان لكن هذا لم ينفِ وجود منتجات الشركة في مصر قبل إنشاء المصنع، فمصر عرفت أحذية باتا قبل أن ينشأ لها مصنع في مصر.

تعود نشأة شركة باتا إلى إحدى القرى بدولة التشيك كانت تسمى زلين التي ظهرت فيها علامة باتا التجارية لأول مرة في العالم، كان هذا في ربيع عام 1894 وكانت عبارة عن شراكة بين ثلاثة إخوة هم توماس باتا وأخيه أنطونين وأخته أنًّا، وعلاقة هذه العائلة بصناعة الأحذية لم تبدأ منذ هذا التاريخ بل لها جذور ضاربة في أعماق الزمن يصل لثلاثة قرون وبالتحديد منذ عام 1580 حيث كانت هذه العائلة تمتهن تلك الصناعة بشكل تقليدي حتى استطاع الأشقاء تكوين شركتهم بمبلغ 350 دولار فأنتجوا الأحذية الخفيفة المصنوعة من الصوف لتناسب برودة الطقس في أوروبا، وبفضل جودة الأحذية المصنعة من قبل الأشقاء الثلاثة استطاعت منتجاتهم إثبات ذاتها، وبعد أن كانت قوة الشركة عشرة أشخاص توسعت لتصل إلى أربعين موظف، وبفضل هذه النجاحات نقلت الشركة مقرها إلى مبنى جديد يناسب توسعات الشركة وفيه تم تركيب الآلات الحديثة آنذاك والتي كانت تعمل بالبخار.

شهدت باتا مطلع عام 1912 نموًا هائلًا حيث قدر عدد العاملين بالشركة آنذاك قرابة 600 موظف يعملون بدوام كامل بالإضافة إلى الموظفين الذين يؤدون عملهم من المنزل وفقًا للمواصفات الخاصة بباتا، واستطاعت الشركة استيعاب هؤلاء العمال بتوفير الضمانات الاجتماعية لهم بالإضافة إلى قيام الشركة ببناء مساكن للعاملين بالشركة مع توفير وجبات لهم نظير مبالغ رمزية، كما وفرت لهم الشركة الرعاية الطبية عن طريق بناء مستشفى يقدم لهم العلاج مجانًا. وبفضل هذا التكافل غزت باتا القلب قبل أن تغزو القدم وهو ما جعلها تكتسب ثقة العاملين بها قبل أن تكتسب ثقة العميل.

مع بدايات الحرب العالمية بدأت الشركة تعاني من الأزمات حتى استطاعت تصنيع أحذية الجنود المشاركين في الحرب العالمية ومع متانة وقوة أحذية باتا عقدت الشركة عقود توريد الأحذية مع جيوش النمسا والمجر واستطاعت باتا من خلال هذه العقود تحقيق طفرات اقتصادية هائلة جعلتها تنقل الدفة من المحلية إلى العالمية، لكن هذا النجاحات كانت مذبذبة نتيجة للاضطرابات التي لحقت بالاقتصاد العالمي من أهوال الحرب، وبدأت الشركة تفكر في التطوير لمواجهة هذا الركود فتحول مقر الشركة فيما بعد إلى سويسرا وبدأت تتوسع في معظم أوروبا إلى أن وصلت إلى معظم أنحاء العالم.

ومع توسعات باتا اتجهت أنظارها إلى الأسواق الناشئة فكانت أسواق الشرق الأوسط وكانت القاهرة هي بوابتها الأولى حيث بدأت الشركة في مصر بتصنيع أحذية خفيفة من القماش يستخدمها العمال في المصانع والحرفيين في عملهم ومع الوقت بدأ الحذاء يكتسب ثقة المصريين نظرًا لجودته ومتانة خامته وسعره المنافس.

كونت باتا علاقة وطيدة بينها وبين المستهلك المصري قائمة على جودة فائقة بسعر منخفض عن مثيله كما أن الشركة كانت في تطور مستمر للمنتجات لتواكب مستحدثات عصرها آنذاك، فصنعت حذاءها الأشهر وهو الحذاء الأبيض المستخدم في لعبة كرة القدم فكان حذاء الأطفال والشباب والكبار وظل هذا الحذاء متداول بين جميع الأوساط المصرية حتى وقتنا الحاضر؛ فالحذاء كان مناسب للبيئة المصرية وبخاصة كرة الشوارع التي كانت معلم من معالم الحياة الرياضية في مصر.

تجدر الإشارة إلى أن مصنع أحذية باتا في مصر لم يكن الفرع الوحيد للشركة في الشرق الأوسط بل قامت الشركة الأم بالتوسع حيث قامت بإنشاء عدة مصانع لها في دول عربية أخرى كالسودان والعراق وموريتانيا، لكن نجاحها الأكبر في الشرق الأوسط كان في مصر، فأول مصانعها كان في القاهرة وبالتحديد في شارع عماد الدين ثم توسعت بعد وأنشأت مصنعًا لها في الإسكندرية بشارع شريف باشا وكذلك أقامت مصنعًا لها في بورسعيد بشارع الملك فاروق وآخر بالمنصورة في شارع السكة الحديد.

وبفضل اتساعها الهائل في مصر كانت لها الريادة في عالم الأحذية؛ فكانت إعلانات منتجاتها تغطي مصر كلها تحت شعار “أحذيتنا للرجال تمثل الصناعة المتقنة” بالإضافة إلى تقديمهم لأحذية المدارس والجامعات وهو ما أدى إلى تعزيز الثقة بينها وبين المواطن المصري فكان معروف عنها الخصومات والأسعار التنافسية، وكانت هذه ضمن سياسات توماس باتا الذي يعتبر الشركة هي تجربة لتقديم التطور في الحياة البشرية وتحسين أساليب الحياة دون جعل الربح هدف أساسي للشركة وهو ما يفسر الخصومات الهائلة التي كانت تقدمها الشركة.

ظلت الشركة في مصر تابعة للمجموعة الأم في سويسرا حتى عام 1961 عندما أعلنت الحكومة المصرية تأميم الشركة وتحول جميع مصانعها للحكومة المصرية مع الاحتفاظ بالاسم، وحاولت الشركة الأم تغيير اسم الشركة في مصر نظرًا لتغير ملكيتها وعدم أحقية الحكومة المصرية في الاحتفاظ بالاسم التجاري لكن محاولتها هذه باءت بالفشل ولم تفلح مساعيها في الحصول على فرعها بمصر.

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية
زر الذهاب إلى الأعلى