علوم وصحة

تطور تنظيم النشاط البشري من شعوذات السحر إلى آفاق العلم

العلم هو أفضل أدواتنا لاستنطاق الواقع والعالم الذي نحن جزء منه، وما تاريخ المعرفة العلمية إلا للحوار بين الإنسان والطبيعة. ورغم أن جميع الأحياء هم حصيلة تطور متدرج يعكس آليات الطبيعة نفسها، إلا أن الإنسان وحده من بين سائر الحيوانات المعروفة يتميز بقدرته على إعمال العقل في الموجودات والتجاوب مع العالم المادي بما يتعدى حاجاته الضرورية.

في الواقع، فإن عملية الأنسنة نفسها ما كانت لتحصل لولا تحولات طبيعية متتابعة أكسبت الإنسان صفات فيزيولوجية وحضارية، ما كانت لتنمو لولا شروط بيئية مواتية، مكنته من الاستغلال المكثف لبيئاته والعمل على إخضاعها لحاجاته المتنامية. ثم بدأ الإنسان في طرح الأسئلة، ومحاولة وضع إجابات.

وفي الحضارات البدائية كان فهم العالم محدوداً ويقتصر على الشؤون اليومية، مثل تتابع الفصول وتعاقب الليل والنهار، حركة السهام، كان تفكير البشر براجماتيًا يدور حول تحقيق بعض الأغراض، ولا يستند لأي أساس نظري عدا مستوى السحر.

أما اليوم، فنحن نمارس نشاطاً ينبئنا عن الكون بطرق منهجية إيجابية، ونسمي هذا النشاط “العلم”. وكلمة علم ‏science‏ مشتقة من كلمة ‏scientia‏ اللاتينية والتي تعني المعرفة. تتميز المعرفة العلمية بطبيعة تراكمية؛ وفي عصر العلم اتسعت آفاق فهمنا بدرجة كبيرة إلى أن أصبحنا بحاجة لتقسيم المعرفة لتخصصات أساسية تحمل بدورها تصنيفات فرعية، مثل: الفيزياء، الفلك، الكيمياء، الجيولوجيا، الأركيولوجيا، علم النفس وهكذا..

وكلما عدنا في الزمن إلى الوراء أصبحت المعرفة أعم وأقل تخصصًا، فكانت اهتمامات المفكرين أشمل وتفسيراتهم أكثر بساطة، ويجب ألا يحملنا هذا على التقليل من شأنها.

إن المعرفة العلمية المتحققة اليوم جاءت كنتاج للمناهج العلمية القائمة على التجربة، الملاحظة، الفرض، الاستدلال (لا أحد رأى داخل الذرة لكننا نعرف ماذا هناك. لم يعش أحد في عصور ما قبل التاريخ لكن لدينا إلمام بما حصل). ونستنتج أن العلم يتطلب مستويات عالية من النقاشات والعمليات لإضفاء ظلال من العقلانية على الأمر بدلًا من المعتقدات الغير عقلانية والخرافات والركون لتفسيرات مريحة.

إن العلماء بطبيعتهم شكوكيون ويعتمدون على توسيع الفضول المتأصل بنا، لكن هذا لا يعني التخلي عن المخيلة، فالخيال هو مرافق دائم لأي نشاط إنساني خلاق. وبهذا الصدد أذكر بمقولة أينستين الشهيرة “الخيال أهم من المعرفة”. أما الشك فيساعدنا على التمييز بين الواقعي واللا واقعي.

يطرح العلماء ثلاثة أسئلة أساسية (وسوف نستعين بعالم آثار كمثال توضيحي): ما الذي هناك؟ كيف يعمل؟ كيف أتت لتكون بهذه الشاكلة؟

ينقب عالم الآثار في طبقات الأرض، ثم يدرس كيف تعمل الأدوات المكتشفة والغاية الوظيفية منها، ثم يحاول العالم إعادة إنشاء تصور زمني للأشياء قيد الدراسة (وعادة ما يستعين الآثاريون بعلم الطبقات ‏Stratygraphy‏ لهذا الغرض). هذه الأسئلة الثلاثة يطرحها جميع العلماء من مختلف الاختصاصات.

إذن، نخلص مما سردنا أعلاه إلى أن العلم يعتمد على الدلائل الطبيعية لتفسير العالم الطبيعي، بمعنى أن العالم معني فقط بما يمكن نفيه وإثباته بالدليل، وما دون ذلك لا يعدو عن تخمينات. “تنين الكمودو” و”إنسان نياندرتال” هي كائنات معلومة الوجود؛ لذا فهي تقع في نطاق العلم، أما جنيات الغابة والحوريات والسنافر فهي غير مناسبة للدراسة العلمية، رغم أنه من الممتع القراءة عنها أو الخوف منها.

اقرأ أيضاً: فقراء ورعاة غنم.. أكبر العلماء كانوا بسطاء لكن غيروا التاريخ

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق