علوم وصحة

تطور الأجناس البشرية .. وأولى الخطوات على قدمين!

بدأت قصة تطور الأجناس البشرية السابقة للإنسان قبل نحو ستة ملايين سنة في شرق إفريقيا، حسب المعطيات الحفرية والأنثروبولوجية. هناك سارت أنواع من القردة الإفريقية التي تدعى بجنس ‏Australopithicus‏ على قدمين تاركة الأشجار بشكل تدريجي للتواؤم مع بيئة جديدة. لقد قادت الصدفة لاكتشاف أول حفرية لهذا السلف، حين حمل أحد معارف د. ريموند دارت إليه جمجمة متحجرة كانت تستخدم كثقالة للورق. بعد دراستها، أعلن ريموند دارت في عام 1924 عن اكتشاف نوع جديد أسماه “الأوسترالوبيثيكوس الإفريقي” Australopithecus Africanus. تتالت بعد ذلك الاكتشافات لأحافير تلك الأسلاف، التي بينت الدراسة التشريحية أنها سارت على قدمين فعلًا، وعزز ذلك الاعتقاد الدروب التي حفظت آثار خطاهم ضد عوامل الزمن، كما في منطقة لايتولي الأثرية.
إن السير المنتصب على قدمين هو خاصية بالغة الاستثنائية، كما ويصعب معرفة الأسباب المباشرة التي أفضت إلى تطورها بدقة. تقوم إحدى الفرضيات على أن تراجع المناطق العشبية قاد إلى نزول أسلافنا عن الأشجار والسير مسافات بعيدة من أجل تأمين الغذاء. لكن أكثر التفسيرات إقناعًا هي أن السير الثنائي أوفر للطاقة. فقبل ملايين السنين حدثت تغيرات بيئية أدت إلى تقلص مساحة الغابات العشبية، وكان يتعين على أسلافنا السير مسافات طويلة.
أجرى العلماء تجارب بينت أن الاستهلاك الطاقي لدى القردة المعاصرة أكبر بكثير منه لدى البشر. فالشمبانزي مصممة بشكل ردي لمقاومة الجاذبية وينبغي عليها بذل طاقة عضلية كبيرة. هذه السمة لها أثر بالغ على تطورنا لنصبح كائنات عاقلة ناطقة. فالوقوف على قدمين حرر الأيدي والجهاز التنفسي. هذه الميزة تطورت على مدى آلاف الأجيال.
كيف يكون السير الثنائي أوفر للطاقة؟ إن السعي على قدمين أوفر من الناحية الاقتصادية من المشي على أربعة قوائم، فالكائن ليس بحاجة إلى استخدام جميع أطرافه، الأمر الذي يعني توفير كمية الحريرات المصروفة. كما أن الكائن المنتصب أقل عرضة إلى أشعة الشمس، وهذه ناحية مهمة في البيئة الإفريقية الاستوائية. بالإضافة إلى أن ذلك يعني حرية استعمال الأطراف العلوية في البحث وقطف الثمار وتسلق الأشجار وقذف الحجارة وحمل الصغار وتوظيف الأيدي الحرة للتواصل من خلال الإشارة وغير ذلك.
يعتر أقدم نوع معروف من القردة العليا يحتمل أنه سار منتصبًا هو إنسان الساحل التشادي Sahelanthropus tchadensis المنقرض، والذي عاش قبل نحو 7 ملايين سنة، وقد عثر عليه الأنثروبولوجي ميشيل برونيت في جنوب صحراء تشاد عام 2001. تبين ذلك بعد فحص الثقب الأعظم في الجمجمة. وحجم دماغه يعادل حجم دماغ الشمبانزي الحالي. والحفرية القياسية لهذا النوع هي حفرية توماي Toumai. ولكن هناك خلاف على تصنيف هذا النوع ضمن أشباه البشر كونه عاش قبل زمن السلف المفترض بين الشمبانزي والبشر والذي يقدر وفق البيانات الوراثية بنحو 6-5 ملايين سنة.
أما ثاني أقدم نوع معروف من القدرة العليا سار على قدمين فهو أورورين توجنسس Orrorin tugenensis والذي اكتشف في كينيا سنة 2000.
لكن أقدم الأنواع السلفية للبشر، والتي يجمع العلماء على علاقتها الوثيقة بنا فهي قردة الأوسترالوبيثيكوس Australopithicus التي ظهرت قبل أكثر من 4 ملايين سنة في جنوب وشرق إفريقيا.

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى