مال وأعمال

تطورات “أسواق الاستثمار” في زمن كورونا

تخطى تأثير فيروس كورونا (COVID-19) كافة الحدود والتوقعات خلال الأسابيع القليلة الماضية، وتأثر الجميع بتبعات انتشار الفيروس على كافة الأصعدة، وظهر التأثير الأكبر على اقتصاديات الأفراد والدول وقطاعات الأعمال المختلفة بما فيها أسواق الاستثمار فقد أفادت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مع بداية الأزمة أن النمو الاقتصادي قد ينخفض إلى النصف في حال استمرار انتشار فيروس كورونا، ما قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى أسوأ حالاته منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.

وفي ظل تلك الحالة الضبابية التي تسود المشهد، بدأ الكثير من أصحاب رؤوس الأموال في التساؤل عن الطريق الآمن لاستثمار أموالهم أو الحفاظ على قيمة استثماراتهم، أو على الأقل الخروج من تلك الأزمة وحالة الركود والعشوائية الاقتصادية التي تضرب معظم دول العالم بأقل الخسائر الممكنة.

في البداية يجب التنبيه على بعض النقاط الهامة:

أولاً: إن أي استثمار في الوقت الحالي يجب أن يكون مدروسًا بعناية بالغة، والأفضل أن يكون من فائض رأس المال، فالحذر مطلوب عند التعامل مع أسواق الاستثمار المختلفة بشكل عام وفي أوقات الأزمات وتقلبات الأسواق السريعة بشكل خاص.

ثانياً: من مبادئ الاستثمار الهامة أن “لا تضع البيض كله في سلة واحدة”، وهو ما يعني أهمية تنويع الاستثمارات –في حالة توفر السيولة الكافية لذلك– وطرق أكثر من باب في مجال الاستثمار، مع توزيع المال المُستثمَر بنسب تتناسب مع الفرصة المتاحة، وتقييمك للمخاطر وقدراتك المالية والعائد المتوقع على المدى القريب والبعيد.

ثالثاً: يجب أن يكون هدفك من الاستثمار واضحاً بالنسبة لك؛ لأن معظم مشاكل الاستثمار تظهر من عدم وضوح رؤية المُستثمِر وعدم تحديد أهدافه من الاستثمار، فهناك قطاعات استثمارية يكون العائد منها أفضل على المدى البعيد، وقطاعات أخرى يمكن أن تجني منها أرباحاً على المدى القصير، مع اختلاف حجم العائد في كل نوع من أنواع الاستثمار.

لا يوجد شك أن كافة القطاعات واتجاهات الاستثمار قد تأثرت بشكل سلبي نتيجة الأزمة، خاصة وأنه لم تكن هناك مؤشرات لحدوث الأزمة قبلها بوقت كافي، وهو ما جعل بعض القطاعات تتأثر بشكل بالغ في وقت قصير جداً، وبالتالي أصبح البحث مُنصباً على أقل الأسواق تأثراً وأكثرهم ثباتاً وصموداً أمام موجات الاضطراب المتتالية.

وبمراجعة تأثير بعض الأزمات السابقة على قطاعات الأعمال المختلفة، وبدراسة طبيعة تلك الأسواق، تظهر بعض أسواق الاستثمار مثل “الأسواق العقارية” بشكل أكثر استقراراً وأقل اضطراباً من الأسواق الأخرى، مثل “العوائد من شهادات البنوك والاستثمار في سوق الأسهم”، ونستعرض فيما يلي في نقاط محددة تطورات أسواق الاستثمار المختلفة في ظل الأزمة الراهنة، ومدى تأثرهم بالأزمة والتقلبات الاقتصادية الحالية:

أبرز أسواق الاستثمار

الأسهم:

يعتبر سوق الأسهم من أكثر وأسرع الأسواق تأثُراً بالأزمات بشكل سلبي واسع، ويرجع ذلك إلى قلق الكثيرين من تفاقم الخسائر وسيطرة عاطفة القلق والهلع عليهم، ومع سهولة التسييل والحصول على المال نقداً، تنهار أسواق الأسهم سريعاً تحت ضغط العمليات البيعية للأفراد والمؤسسات، حيث خسرت أسواق الأسهم مئات مليارات الدولارات منذ بداية الأزمة وتعديها للحدود والقيود المفروضة بين الدول وبعضها البعض، فتكبّدت البورصة المصرية خسائر قياسية في بداية الأزمة، وسط هبوط حاد فى المؤشرات، وخسائر ضخمة في رأسمال البورصة السوقي بلغ 50.4 مليار جنيه.

وتراجعت الأسواق المالية في دول الخليج مع بداية الأزمة بشكل ملحوظ، حيث انخفض مؤشر السوق الكويتي بنسبة 10.29%، بينما هبط المؤشر الرئيسي في سوق “تداول” السعودية بنسبة 8.14%، كما انخفض مؤشر سوق أبو ظبي للأوراق المالية بنسبة 8.7%، ومؤشر سوق دبي المالي بنسبة 8.41%، ومؤشر بورصة قطر بـ9.38%، وفي الولايات المتحدة الأمريكية خسرت البورصة ما يقارب 11 تريليون دولار منذ بداية الأزمة.

شهادات البنوك:

مثلت عوائد الودائع وشهادات البنوك عامل جذب قوي لشريحة كبيرة من الراغبين في الاستثمار؛ لما فيها من عوائد مرتفعة حيث بلغت الفوائد على الودائع والشهادات في مصر مثلاً 18% ووصلت لـ 20% في بعض الأوقات، لكن مع بداية الأزمة اتخذت العديد من القطاعات المصرفية في العديد من الدول قرارات بتخفيض الفائدة لمحاولة إنعاش الاقتصاد وإنعاش عجلة الإنتاج، من خلال تنشيط إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة لمحاولة الصمود أمام الضربات الاقتصادية العنيفة منذ بداية الأزمة.

لكن كان لهذه القرارات تأثيرات سلبية على أصحاب الودائع والشهادات المتغيرة أو على الراغبين في استثمار أموالهم في هذا المجال، حيث انخفضت الفوائد في مصر ما بين 9% – 10%، وبالتالي أصبح العائد غير مجدي للكثير، ودفع الكثيرين إلى الهروب بأموالهم لبدائل استثمارية أخرى (مع الأخذ في الاعتبار الفتاوي الصادرة بتحريم هذا النوع من الأموال).

العملات:

يتجه العديد من أصحاب المدخرات إلى تحويل مدخراتهم بالعملات المحلية إلى عملة الدولار، لما يتمتع به الدولار من استقرار وهيمنة على معظم المعاملات الاقتصادية على مستوى العالم، فهو عملة أقوى اقتصاد في العالم “حتى الآن”، لكن الوضع الاقتصادي العالمي حالياً يندفع إلى تغييرات جذرية في مراكز القوى الاقتصادية العالمية، والتي سيتتبعها تأثير واضح على قوة العملات المتداولة، خاصة في ظل رغبة العديد من الاقتصاديات استغلال الفرصة المتاحة والتحرر من هيمنة الدولار.

الاستثمارات التخصصية (مثل البيتكوين):

وهي استثمارات تحتاج إلى قدر واسع من المعرفة والبحث العميق في مجالات لا تزال غامضة وغير مألوفة للسواد الأعظم من الراغبين في الاستثمار حتى الآن، ويتجنبها عدد كبير من المستثمرين في الظروف الطبيعية، فضلاً عن أوقات الأزمات والتقلبات الاقتصادية

الاستثمار مع الغير:

مثل الاستثمار في المحافظ الاستثمارية أو استثمار المال مع الغير، سواء كانوا أفراد أو مؤسسات، وهو اتجاه يمر حالياً بحالة من حالات عدم الاستقرار والضبابية نتيجة تدهور الاقتصاد العالمي، وتوقف جزء كبير من القطاع الخاص، وتضرر أصحاب الأعمال الحرة بشكل مباشر، مما أثر بالسلب على أعمالهم ومشاريعهم، فعلى سبيل المثال أصاب الاستيراد والتصدير حالة شلل شبه كامل وخسائر بلغت 50 مليار دولار في صادرات الصناعات التحويلية خلال شهر فبراير الماضي؛ نتيجة توقف سلاسل الإمدادات بين الدول وبعضها البعض بشكل شبه كامل، خاصة الدول المتضررة بشدة من انتشار فيروس كورونا.

الذهب:

يعد الذهب الملاذ الآمن للكثير في أوقات الأزمات، حيث يعتبره البعض الحل المثالي خاصة مع الاتجاه التصاعدي لمكاسب الذهب خلال الأعوام الماضية، خاصة لِما في الذهب من مزايا من سهولة النقل والتسييل للحصول على السيولة النقدية اللازمة، وهو أكثر الحلول واقعية ومنطقية عن باقي البدائل الاستثمارية الأخرى في حالة الاستثمار بمبالغ مالية محدودة أو قليلة.

ولكن رغم تصاعد أسعار الذهب خلال الفترة الحالية، إلا أن بعضًا من الخبراء يحذر من الاستثمار فيه؛ نتيجة أن الارتفاع المتصاعد في الذهب قد يتبعه انخفاض حاد في أسعار الذهب إذا ما استقرت الأسواق الاقتصادية بعد الأزمة، ولجأ الكثير إلى نقل استثماراته في مجالات أكثر استقراراً ومعدلت ربح أعلى، خاصة إذا ما أخذنا في اعتبارنا ميزة الذهب في سهولة التسييل، والتي تعتبر هي نفسها بالنسبة للبعض مشكلة (مثل سوق الأسهم) نتيجة خضوع عمليات البيع والشراء لتحكم العاطفة والاندفاع وضغوطات التقلبات الاقتصادية.

العقارات:

تأثر السوق العقاري بشكل سلبي على أصعدة مختلفة نتيجة انتشار فيروس كورونا، وما تبعه من توقف العديد من المشاريع العقارية أو تباطؤها أو من توقف شبه كامل لكافة المعاملات السوقية من معاينات وإصدار تراخيص ومعارض تسويقية وخلافه، لكن التأثير المذكور هو تأثير محدود إلى حد ما.

في مصر مثلا أشار مؤشر عقار ماب على تفاوت الأسعار خلال شهر مارس، لنجد أن أسعار الوحدات السكنية (الشقق) في مدينة القاهرة الجديدة على سبيل المثال انخفض بنسبة 5.5% في شهر مارس مقارنة بشهر فبراير، ثم أرتفع بشكل طفيف بداية شهر أبريل بنسبة 1.2%، وتجد الفيلات في نفس المدينة قد ارتفعت في شهر مارس وأبريل بنسبة 1% تقريباً عن شهر فبراير.

ويتوقع العديد من الخبراء ارتفاع الطلب على العقارات خاصة بعد انتهاء الأزمة، حيث اعتبروا أن انخفاض الفائدة على القروض والرهون العقارية سوف يدفع العديد من المستثمرين لاستثمار الفرصة وشراء العقارات خاصة المميزة في تلك الفترة، ويرجع لك التأثير المحدود إلى أن السوق العقاري بشكل عام سوق بطئ رد الفعل على الأوضاع والمتغيرات الاقتصادية، حيث يعتبر السوق العقاري من أسواق الاستثمار المعروفة بــ (illiquid market)، وهو ما يعتبره البعض مشكلة لوجود قيود ومعوقات إجبارية –ناتجة عن طبيعة السوق– في اتخاذ قرارات سريعة خاصة بالتعامل مع العقارات.

فمثلاً في حالة احتياجك لسيولة مادية نتيجة ظروف قاهرة (مثل الوضع الحالي)، فأنت لا يمكنك بيع جزء من وحدتك (غرفة مثلا في شقتك)، وإذا لجأت لاتخاذ قرار بيع العقار، فالعثور على مشتري مناسب للعقار بسعر مناسب لك إلى جانب إجراءات بيع العقار ستأخذ منك وقتاً ليس بالقليل، ولكن تلك المشكلة نفسها يعتبرها الكثير من مزايا العقار وقدرته على التماسك والصمود ضد الأزمات والضربات الاقتصادية المتتالية.

في النهاية إن الاستثمار –لمن يستطيع– هو قرار هام جداً ومطلوب في تلك المرحلة أكثر من أي وقت مضى، خاصة مع تداعي أسطورة الأمان الوظيفي وأبناء الكيان في معظم الشركات والمؤسسات –إلا من رحم ربي–، وظهور الوجه القبيح للنظام الرأسمالي الذي اتجه بدون تردد إلى التضحية بالعنصر البشري بشكل مباشر، وإعلاء قيمة المادة فوق كل اعتبار.

إن التحليل المذكور أعلاه أو أي تقارير أو تحليلات أخرى لباحثين آخرين لتطورات عدد من أسواق الاستثمار وقطاعات الأعمال المختلفة غالباً ما تعبر عن وجهة نظر صاحبها اعتمادًا على المتابعة والخبرة، واستناداً إلى الدروس المستفادة من أزمات سابقة، لكن تظل رغبة الشخص وبذله للجهد والوقت والسعي المستمر في دراسة الفرصة المناسبة له ولقدراته المالية وأهدافه الحالية والمستقبلية، هي العامل الأول والأهم في تحديد بوصلته الاستثمارية.

 

قد يهمك أيضًا : هل يجب دعم الأنشطة الاقتصادية أثناء جائحة كورونا أم تعليقها؟

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد العناني

أكثر من 10 سنوات في قطاع العقارات ، اكتسبت من خلالها وجهات نظر وخبرات مختلفة في هذا المجال. هدفي هو زيادة الوعي بالسوق العقاري ومعاملاته خاصة للمشتري والمستثمر

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق