مدونات

تطعيم الجسد وتحصين النفس والروح

تطعيم الجسد وتحصين النفس .. “النفس جسد تسري فيه الروح، فإذا كان التطعيم يحصن الجسد فالصلاة والصوم تحصن الروح”.

خُلقت النفس الإنسانية من مادة حية هي الجسد تسري فيه مادة غير مرئية هي الروح. وكلا من الجسد والروح معرض للإصابة بالعديد من الأمراض وخاصة المعدية. فإذا كان الجسد يصاب بالفيروس والبكتيريا والطفيليات فتصيبه بالمرض وتنقله إلى إنسان  آخر فتعديه وتمرضه، فكذلك الروح قد تصاب هي الأخرى بأمراض الأنا والعظمة والغيبة والنميمة والحسد فتمرض وقد تنقله إلى إنسان آخر فتمرضه. وأشد إبتلاء قد يبتلى به الإنسان هو عندما تجتمع فيه أمراض الجسد و أمراض الروح فتعتل النفس وتذبل. 

ويُحصّن الجسد من الأمراض بالتطعيم الذي يولد مناعة قوية ضد المرض المُحصّن منه. والمناعة ضد الأمراض في غاية الأهمية لبقاء النفس وصحتها وقدرتها علي تعمير الأرض والمنافسة الشريفة فيها مع باقي الأنفس. ومنذ اللحظة التي يقرر الله فيها إنشاء النفس في رحم الأم تبدأ سلسلة من الأحداث غايتها أعداد الجهاز المناعي للجنين لحماية الجسد من الأمراض التي قد تصيبه جراء هجوم شرس من الأعداء الميكروبية. وتبدأ هذه الأحداث قبل الولادة في رحم الأم ثم بعد الولادة مباشرة ثم في المراحل العمرية اللاحقة.

ففي المرحلة الأولى والتي تبدأ فور تكون الجنين

ينعم الجنين بمناعة مكانية بوجوده في بطن أمه بعيدًا هناك في الحصن المنيع الذى يكمن فيه وهو الرحم الذي يفصله عن كل مايجري حوله من أحداث كبرى. ويحاط الرحم بمشيمة مهندسة بإبداع  بحيث تعزله عن أحشاء الأم وباقي الأجهزة وما يحدث فيها . ولكنه متصل بأمه عن طريق حبل سري مهندس هو الآخر بإبداع بحيث يمنع مرور  أي ميكروب إلي داخل المشيمة  فتزود عنه دون أن يدري كل غريب وضار وينعم الجنين أيضًا في هذه المرحلة بالمناعة التي تنتقل إليه من دم الأم عبر المشيمة ليظل محميا في بيئته وحصنه المنيع إذا ما حدث مكروه وانتقلت العدوى إليه قبل ولادته. 

وفي المرحلة الثانية والتي تبدأ فور ولادة الجنين مباشرة

تحصين النفس .. تقوم المناعة  والتى كانت قد انتقلت إليه من أمه عبر المشيمة بمساعدته في هذه الفترة الحرجة من حياته والتى انتقل فيها علي التو من الحياة بداخل رحم أمه إلي العالم المفتوح علي مصراعيه والمملوء بالأشياء والناس وجميع الكائنات الأخرى التي كان بمعزل تام عنها في حصنه المنيع. ولكن لا تدوم هذه المناعة طويلًا فيبدأ رويدًا رويدًا في الاعتماد علي نفسه. 

وفي المرحلة الثالثة والتي تبدأ بعد أيام من الولادة

نهرع إلي تطعيم الأطفال ضد العديد من الأمراض. وتبدأ سلسلة التطعيمات  هذه منذ الشهر الأول بعد الولادة حتي عمر سنتين ثم جرعات منشطة في بعض الأمراض بين الأعمار ٤ و ٦ سنوات والأعمار ١١ و ١٢ سنة. وعادة ما يتم تحصين الأطفال ضد أمراض معينة مثل الحصبة، النكاف، الإلتهاب الكبدي الوبائي (ب)، و جدري الماء ، السعال الديكي ، الدفتيريا، شلل الأطفال، وأمراض أخرى التي أثبت التاريخ والجغرافيا أنها تصيب الإنسان وبقسوة وقد تؤدي إلي هلاك الجسم وموت النفس بل قد تؤدي إلي هلاك شعوب.

تحصين النفس .. وفي المرحلة الرابعة من العمر

يقوم الجسد وما به من خلايا وجزيئات مناعية في تكوين حائط صد منيع ضد الغزو الميكروبي. وتتراكم هذه الخبرات المناعية وتبقى في الجسد في حالة استنفار دائم للقضاء على أي سبب من أسباب المرض التي حُصن الجسد ضدها. فالسبب الرئيسي من وراء التحصينات هو ضمان تكوين مناعة مكتسبة تبقى في جسد الطفل طوال العمر لتحميه ضد الأمراض إذا ما تعرض لها في أي وقت من صباه حتي كهولته وشيخوخته وهرمه. 

 فإذا كان الحال هكذا مع تحصين الجسد ضد الأمراض، فما هو الطريق لتحصين الروح ضد الأمراض النفسية التي قد تتعرض لها في أي لحظة وأخرى. الوسيلة الكبرى هي الصلاة. وكما مرت المناعة ضد الأمراض التي تصيب الجسد والتحصين ضدها بمراحل أربعة كما ذكرنا أعلاه ، فكذلك المناعة ضد أمراض الروح والتحصين  ضد أسبابها يمر بأربعة مراحل.

ففي المرحلة الأولى للمناعة النفسية للروح والتي تبدأ فور تكون الجنين

وكما في مناعة الجنين ضد الأمراض، فكذلك الجنين يستمتع بكل المميزات النفسية التي تستمتع وتحرص عليها الأم وخاصة الصلاة. فعندما تتوضأ الأم وتغتسل، يتوضأ معها الجنين ويغتسل بطريقة غير مباشرة. وعندما تصلي الأم، يصلي الجنين معها بطريقة مباشرة. وعندما تُكَبر الأم وتسجد وتركع يشعر بها الجنين ويشاركها ركوعها وسجودها. ولذلك فكلما كانت الأم قريبة من طاعة الله وتحصنت من أمراض النفس، تولدت في الجنين وسرت فيه نفس قوة وحصانة روح الأم.  ويفسر ذلك النصائح المشددة علي الأمهات أثناء الحمل من تجنب كل المنغصات النفسية  من قلق وهموم وأحزان  والبحث دائما عن أسباب السعادة والمرح  وهدوء البال والطمأنينة.

وفي المرحلة الثانية للمناعة النفسية للروح والتي تبدأ بعد الولادة

تحصين النفس .. يبدأ الطفل فيها في التعرف علي الأشياء ، فيراقب الطفل أبويه وخاصة أمه فيتعلم منها دون أن يدري ويستقي منها ركوعها وسجودها في صلاتها دون أن يدري. وهكذا يكبر الطفل أثناء سنواته الأولى مستمدًا مناعته النفسية من الوالدين وخاصة الأم. فكلما كانت علاقة الوالدين طيبة مع الله كانت العلاقة النفسية بين الوالدين صحية، حينئذ تكبر  وتنموا الصحة النفسية للطفل وإن لم يعبر عنها في هذه المرحلة فهو يختزنها ليعبر عنها عندما يكبر. وتتزامن هذه المناعة النفسية للطفل التي يكتسبها من أبويه مع المناعة التي يكتسبها بالتطعيم ضد الأمراض الميكروبية. 

تحصين النفس .. وفي المرحلة الثالثة للمناعة النفسية للروح

يبدأ الطفل في تعلم الصلاة من أبويه فيتعود عليها ولا يعاقب من الله إذا تركها، وإن كان يعاقب عليها إن تركها بالضرب الخفيف من أبويه عند عمر العشر سنوات. وهنا تتولد لدي الطفل  مناعة نفسية يكونها هو بنفسه بتعوده علي الصلاة حتي تصبح جزءا من كيانه.   وتتزامن هذه المرحلة من إكتساب المناعة النفسية للروح نتيجة للتدريب عليها مع اكتساب المناعة للجسد ضد الأمراض الميكروبية التي يكتسبها بالجرعات المنشطة من التطعيمات. 

وتبدأ المرحلة الرابعة للمناعة النفسية للروح في مرحلة الشباب

حينئذ يكون الإنسان قد وصل إلي مرحلة الرشد ليقوم هو ذاته بحماية نفسه بأعمال يحاسب عليها وأهمها الصلاة والصيام فيعاقب عليها إن تركها. ومن هنا يبدأ تراكم خبرات هذه المناعة النفسية المكتسبة من الصلاة والأعمال الخيرة والسلوك القويم مع الوقت رويدًا رويدًا حتى تنضج مناعته النفسية وتكتمل وتشكل وجدانه فيصير إنسانًا سويًا مع نفسه ومع الآخرين. وتتزامن هذه المرحلة من إكتساب المناعة النفسية للروح مع اكتساب المناعة للجسد ضد الأمراض الميكروبية التي يكونها بنفسه كلما تعرض لميكروب ما.

وعلي عكس المناعة الجسدية التي قد تضعف مع التقدم في العمر، فالمناعة النفسية تزداد قوتها ومتانتها مع العمر حيث تتحول إلي حائط صد منيع ضد الإغراءات والرغبات فيهون كل عزيز من جاه ومال وسلطان خاصة أن هناك جرعات منشطة دائمة  من الصلاة  علي مستوى اليوم  من الفجر حتي العشاء وعلي مستوى الأسبوع  كل جمعة وعلي مستوي السنة  كما يحدث في صلاة التراويح كل رمضان. وكذلك الصيام  هو جرعة منشطة  للمناعة  النفسية بمستوياته المختلفة بالإضافة للصدقة والزكاة  ومساعدة الغير وبر الوالدين وصلة الرحم وإماطة الأذى عن الطريق والإبتسامة في وجه الآخر وحسن الجوار  وغيرها من الأعمال  الطيبة والعلاقات الإنسانية  الراقية.  

وهكذا نرى أن النفس خُلقت لتواجه بمناعتها النفسية والجسدية أمراض الحياة المختلفة في المراحل العمرية المختلفة سواء بمناعة طبيعية خُلقت بداخلنا وتكبر وتتراكم مع الزمن أو مناعة مكتسبة بفعل فاعل لتعظيم المناعة وحماية الجسد والنفس قبل وقوع الحدث. 

فكما نهتم بمناعة الجسد ونتلقى التحصينات لها من وقت لآخر، كذلك يجب أن نهتم بمناعة النفس وأخذ التطعيمات لها من وقت لآخر. ومن يفعل ذلك بنية  ضبط النفس عن كل مكروه ولو من حين إلى حين شعر بحلاوة التقرب إلي الله وذاق حلاوة الحياة وتقبل كل قضاء وقدر  خيره طالما  أنجز الواجب النفسي  بنية صادقة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

د. محمد لبيب سالم

نبذة عن الكاتب ولد د. محمد لبيب سالم في 28 ديسمبر 1962 في قرية دهتورة مركز زفتي محافظة الغربية. ويشغل د. لبيب حاليا أستاذ علم المناعة بكلية العلوم جامعة طنطا ومدير مركز التميز لأبحاث السرطان والمدير السابق لمركز المشروعات والابتكارات ونقل التكنولوجيا بـجامعة طنطا والمشرف على مركز تنمية إقليم الدلتا التابع لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ورئيس مجلس ادارة الجمعية المصرية لأبحاث السرطان. حصل د. لبيب علي وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولي من السيد رئيس الجمهورية في 2019 وجائزة الدولة التقديرية لعام 2018 وجائزة الدولة للتفوق لعام 2009 وجائزة الدولة التشجيعية لعام 2003 وجائزة جامعة طنطا التقديرية لعام 2015. حصل د. لبيب علي بكالوريوس العلوم عام ١٩٨٤، وماجستير العلوم في ١٩٨٩، والدكتوراه في ١٩٩٥ من خلال بعثة إلي جامعة كيوشو باليابان. حصل علي منحة باحث بعد الدكتوراه في الفترة من ١٩٩٧ -٢٠٠١ ثم أستاذ زائر بالجامعة الطبية بكارولينا الجنوبية بأمريكيا الفترة في من ٢٠٠١ -٢٠١٠. د. لبيب باحث في علم المناعة له أكثر من 120 بحث وخمسة فصول في كتب علمية. و أكثر من 30 مشروع بحثي و 85 رسالة ماجستير ودكتوراه وشارك في 90 مؤتمر دولي والقي اكثر من 80 محاضرة علمية في مصر والخارج. د. لبيب عضو في اتحاد الكتاب مصر ومستشار علمي لمنظمة المجتمع العلمي العربي وعضو في هيئة التحرير والتقييم للعديد من الدوريات العلمية. قام د. لبيب بتأليف 8 اعمال ادبية من 2014 حتي الآن عبارة عن 4 روايات واربعة مجموعات قصصية وله أكثر من 70 مقالا في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية. كما يلقي د. لبيب محاضرات عامة في الجامعات والمدارس والجمعيات الأهلية عن الادب والعلم وتبسيط العلوم والإعجاز العلمي في البيولوجيا عامة والجهاز المناعي خاصة. كما أن له قناة على اليوتيوب يقدم فيها محاضراته. تأليف 56 مقال باللغة العربية في تبسيط العلوم والتي تم نشرها في العديد من المواقع والجرائد والمجلات المصرية والعربية مثل الفيصل، العربي والعلم وكذلك على العديد من المواقع العربية مثل موقع منظمة المجتمع العلمي العربي وموضوع والصحف مثل روز ليوسف والديار والسبورة. أهم الأعمال الأدبية المنشورة : 1. رواية بعنوان "الرصاصة الجينية " – الناشر: دار النابغة –مصر 2019 2. كتاب "زواج بويضة" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2019 3. كتاب "سفاري إلى الجهاز المناعي" ضمن سلسلة المكتبة العلمية -كتب علمية مبسطة. الناشر: أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا -مصر , 2018 4. راوية بعنوان "وقت للبيع" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2014. 5. رواية بعنوان :كاندليه" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2016 6. مجموعة قصصية بعنوان "العشق الحلال" عن دار اطلس للنشر والتوزيع 2015 7. مجموعة قصصية بعنوان "زحمة مشاعر" عن دار أطلس للنشر والتوزيع 2015 8. مجموعة قصصية بعنوان "مشاعر لا تعرف السقوط". تحت الطبع. الناشر: دار النابغة –مصر 2019 9. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي اليابان " من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 10. كتاب بعنوان "من ذكريات المدن- رحلتي إلي امريكا" من ادب الرحلات والسيرة الذاتية - تحت الاعداد 11. كتاب بعنوان "تأملات في الجهاز المناعي – تبسيط العلوم - تحت الاعداد 12. كتاب بعنوان "تأملات في بيولوجيا النفس" – تحت الاعداد البريد الإلكتروني [email protected] [email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى